الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا وَبَّخَ اللَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فِي نَقْضِ أَوَائِلِهِمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالطَّاعَةِ لِأَنْبِيَائِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : وَاذْكُرُوا أَيْضًا مِنْ نَكْثِكُمْ مِيثَاقِي ، إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ - وَقَوْمُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، إِذِ ادَّارَؤُوا فِي الْقَتِيلِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِمْ إِلَيْهِ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا . وَ الْهُزُؤُ : اللَّعِبُ وَالسُّخْرِيَةُ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ قَالَتْ أَرَاهُ مُعْدِمًا لَا شَيْءَ لَهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَدْ هَزِئَتْ : قَدْ سَخِرَتْ وَلَعِبَتْ . وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ - فِيمَا أَخْبَرَتْ عَنِ اللَّهِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ - هُزُؤٌ أَوْ لَعِبٌ .
فَظَنُّوا بِمُوسَى أَنَّهُ فِي أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ - عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ تَدَارُئِهِمْ فِي الْقَتِيلِ إِلَيْهِ - أَنَّهُ هَازِئٌ لَاعِبٌ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا ذَلِكَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ، وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ . وَحُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) ، وَهُوَ جَوَابٌ ، لِاسْتِغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهُ ، وَحَسُنَ السُّكُوتُ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، فَجَازَ لِذَلِكَ إِسْقَاطُ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) ، كَمَا جَازَ وَحَسُنَ إِسْقَاطُهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا [ الْحِجْرِ : 57 - 58 ، الذَّارِيَاتِ : 31 - 32 ] ، وَلَمْ يَقُلْ : فَقَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا .
وَلَوْ قِيلَ فَقَالُوا كَانَ حَسَنًا أَيْضًا جَائِزًا . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ الْفَاءُ . وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ : قُمْتُ فَفَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، لَمْ تَقُلْ : قُمْتُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهَا عَطْفٌ ، لَا اسْتِفْهَامٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ .
فَأَخْبَرَهُمْ مُوسَى - إِذْ قَالُوا لَهُ مَا قَالُوا - أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْهُزُؤِ وَالسُّخْرِيَةِ ، مِنَ الْجَاهِلِينَ . وَبَرَّأَ نَفْسَهُ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، يَعْنِي مِنَ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ عَنِ اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ . وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ مُوسَى لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، مَا : - 1172 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ ، سَمِعْتُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَقِيمٌ - أَوْ عَاقِرٌ - قَالَ : فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ فِي سِبْطٍ غَيْرِ سِبْطِهِ .
قَالَ : فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ الشَّرُّ حَتَّى أَخَذُوا السِّلَاحَ . قَالَ : فَقَالَ أُولُو النُّهَى : أَتَقْتَتِلُونَ وَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَأَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقَالَ : اذْبَحُوا بَقَرَةً ! فَقَالُوا : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ، قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ، إِلَى قَوْلِهِ : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ قَالَ : فَضُرِبَ ، فَأَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ . قَالَ : وَلَمْ تُؤْخَذِ الْبَقَرَةُ إِلَّا بِوَزْنِهَا ذَهَبًا ، قَالَ : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ .
فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ . 1173 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ غَنِيًّا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، وَكَانَ لَهُ قَرِيبٌ وَارِثُهُ ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ ، ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى مَجْمَعِ الطَّرِيقِ ، وَأَتَى مُوسَى فَقَالَ لَهُ : إِنَّ قَرِيبِي قُتِلَ وَأُتِيَ إِلَيَّ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ أَحَدًا يُبَيِّنُ لِي مَنْ قَتَلَهُ غَيْرَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ .
قَالَ : فَنَادَى مُوسَى فِي النَّاسِ : أُنْشِدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا عِلْمٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَنَا . فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمُهُ . فَأَقْبَلَ الْقَاتِلُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ : أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا .
فَسَأَلَ رَبَّهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . فَعَجِبُوا وَقَالُوا : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ - يَعْنِي : لَا هَرِمَةٌ - ( وَلَا بِكْرٌ ) - يَعْنِي : وَلَا صَغِيرَةٌ - عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ - أَيْ : نِصْفٌ ، بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ - قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا - أَيْ : صَافٍ لَوْنُهَا - تَسُرُّ النَّاظِرِينَ - أَيْ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أَيْ : لَمْ يُذَلِّلْهَا الْعَمَلُ - تُثِيرُ الأَرْضَ - يَعْنِي لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الْأَرْضَ - وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ - يَقُولُ : وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ - ( مُسَلَّمَةٌ ) ، يَعْنِي : مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ ، لا شِيَةَ فِيهَا - يَقُولُ : لَا بَيَاضَ فِيهَا - قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ . قَالَ : وَلَوْ أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً ، اسْتَعْرَضُوا بَقَرَةً مِنَ الْبَقَرِ فَذَبَحُوهَا ، لَكَانَتْ إِيَّاهَا ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
وَلَوْلَا أَنَّ الْقَوْمَ اسْتَثْنَوْا فَقَالُوا : وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ، لَمَا هُدُوا إِلَيْهَا أَبَدًا . فَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا الْبَقَرَةَ الَّتِي نُعِتَتْ لَهُمْ ، إِلَّا عِنْدَ عَجُوزٍ عِنْدَهَا يَتَامَى ، وَهِيَ الْقَيِّمَةُ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُمْ لَا يَزْكُو لَهُمْ غَيْرُهَا ، أَضْعَفَتْ عَلَيْهِمُ الثَّمَنَ .
فَأَتَوْا مُوسَى فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا هَذَا النَّعْتَ إِلَّا عِنْدَ فُلَانَةَ ، وَأَنَّهَا سَأَلَتْهُمْ أَضْعَافَ ثَمَنِهَا . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ خَفَّفَ عَلَيْكُمْ ، فَشَدَّدْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، فَأَعْطُوهَا رِضَاهَا وَحُكْمَهَا . فَفَعَلُوا ، وَاشْتَرَوْهَا فَذَبَحُوهَا .
فَأَمَرَهُمْ مُوسَى أَنْ يَأْخُذُوا عَظْمًا مِنْهَا فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ . فَفَعَلُوا ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ ، فَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ ، ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ . فَأَخَذُوا قَاتِلَهُ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَتَى مُوسَى فَشَكَى إِلَيْهِ ، - فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَسْوَأِ عَمَلِهِ .
1174 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُكْثِرًا مِنَ الْمَالِ ، وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ ، وَكَانَ لَهُ ابْنُ أَخٍ مُحْتَاجٌ . فَخَطَبَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ ابْنَتَهُ ، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا ، فَغَضِبَ الْفَتَى وَقَالَ : وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ عَمِّي ، وَلَآخُذَنَّ مَالَهُ ، وَلَأَنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ ، وَلَآكُلَنَّ دِيَتَهُ ! فَأَتَاهُ الْفَتَى ، وَقَدْ قَدِمَ تُجَّارٌ فِي أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : يَا عَمِّ ، انْطَلِقْ مَعِي فَخُذْ لِي مِنْ تِجَارَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ، لَعَلِّي أُصِيبُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْكَ مَعِي أَعْطَوْنِي .
فَخَرَجَ الْعَمُّ مَعَ الْفَتَى لَيْلًا فَلَمَّا بَلَغَ الشَّيْخُ ذَلِكَ السِّبْطَ ، قَتَلَهُ الْفَتَى ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ . فَلَمَّا أَصْبَحَ ، جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ ، كَأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ ، فَلَمْ يَجِدْهُ . فَانْطَلَقَ نَحْوَهُ ، فَإِذَا هُوَ بِذَلِكَ السِّبْطِ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَهُمْ وَقَالَ : قَتَلْتُمْ عَمِّي فَأَدُّوا إِلَيَّ دِيَتَهُ .
وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُنَادِي : وَاعَمَّاهُ ! فَرَفَعَهُمْ إِلَى مُوسَى ، فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ مَنْ صَاحِبُهُ ، فَيُؤْخَذُ صَاحِبُ الْجَرِيمَةِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ دِيَتَهُ عَلَيْنَا لَهَيِّنَةٌ ، وَلَكِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نُعَيَّرَ بِهِ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً .
قَالُوا : نَسْأَلُكَ عَنِ الْقَتِيلِ وَعَمَّنْ قَتَلَهُ ، وَتَقُولُ : اذْبَحُوا بَقَرَةً ! أَتَهْزَأُ بِنَا ؟ قَالَ مُوسَى : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ - قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَوِ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا وَتَعَنَّتُوا مُوسَى فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - فَقَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ - وَالْفَارِضُ : الْهَرِمَةُ الَّتِي لَا تَلِدُ ، وَالْبِكْرُ : الَّتِي لَمْ تَلِدْ إِلَّا وَلَدًا وَاحِدًا ، وَالْعَوَانُ : النَّصَفُ الَّتِي بَيْنَ ذَلِكَ ، الَّتِي قَدْ وُلِدَتْ وَوُلِدَ وَلَدُهَا - فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴾ - قَالَ : تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا - مِنْ بَيَاضٍ وَلَا سَوَادٍ وَلَا حُمْرَةٍ - قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ . فَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا . وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأَبِيهِ ، وَإِنَّ رَجُلًا مَرَّ بِهِ مَعَهُ لُؤْلُؤٌ يَبِيعُهُ ، فَكَانَ أَبُوهُ نَائِمًا تَحْتَ رَأْسِهِ الْمِفْتَاحُ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : تَشْتَرِي مِنِّي هَذَا اللُّؤْلُؤُ بِسَبْعِينَ أَلْفًا ؟ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى : كَمَا أَنْتَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ أَبِي فَآخُذَهُ بِثَمَانِينَ أَلْفًا .
فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : أَيْقِظْ أَبَاكَ وَهُوَ لَكَ بِسِتِّينَ أَلْفًا . فَجَعَلَ التَّاجِرُ يَحُطُّ لَهُ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَزَادَ الْآخَرُ عَلَى أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ أَبُوهُ ، حَتَّى بَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ . فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِشَيْءٍ أَبَدًا ، وَأَبَى أَنْ يُوقِظَ أَبَاهُ .
فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ اللُّؤْلُؤِ أَنْ جَعَلَ لَهُ تِلْكَ الْبَقَرَةَ . فَمَرَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَطْلُبُونَ الْبَقَرَةَ ، فَأَبْصَرُوا الْبَقَرَةَ عِنْدَهُ ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ إِيَّاهَا بَقَرَةً بِبَقَرَةٍ ، فَأَبَى ، فَأَعْطُوهُ ثِنْتَيْنِ فَأَبَى ، فَزَادُوهُ حَتَّى بَلَغُوا عَشْرًا ، فَأَبَى ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى نَأْخُذَهَا مِنْكَ . فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مُوسَى فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّا وَجَدْنَا الْبَقَرَةَ عِنْدَ هَذَا فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَنَاهَا ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاهُ ثَمَنًا .
فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَعْطِهِمْ بَقَرَتَكَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا أَحَقُّ بِمَالِي . فَقَالَ : صَدَقْتَ .
وَقَالَ لِلْقَوْمِ : أَرْضُوا صَاحِبَكُمْ . فَأَعْطَوْهُ وَزْنَهَا ذَهَبًا فَأَبَى ، فَأَضْعَفُوا لَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَوْهُ وَزْنَهَا ، حَتَّى أَعْطَوْهُ وَزْنَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ ، فَبَاعَهُمْ إِيَّاهَا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا . فَقَالَ : اذْبَحُوهَا .
فَذَبَحُوهَا فَقَالَ : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا . فَضَرَبُوهُ بِالْبَضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ، فَعَاشَ ، فَسَأَلُوهُ : مَنْ قَتَلَكَ ؟ فَقَالَ لَهُمُ : ابْنُ أَخِي ، قَالَ : أَقْتُلُهُ ، وَآخُذُ مَالَهُ ، وَأَنْكِحُ ابْنَتَهُ . فَأَخَذُوا الْغُلَامَ فَقَتَلُوهُ .
فَأَتَوْا مُوسَى فَقَالُوا : هَذَا قَتِيلُنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَهُمْ وَاللَّهِ قَتَلُوهُ ! فَقَالُوا : لَا وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، طُرِحَ عَلَيْنَا ! فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . فَقَالُوا : أَتَسْتَهْزِئُ بِنَا ؟ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا . قَالُوا : نَأْتِيكَ فَنَذْكُرُ قَتِيلَنَا وَالَّذِي نَحْنُ فِيهِ ، فَتَسْتَهْزِئُ بِنَا ؟ فَقَالَ مُوسَى : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ .
1182 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَحَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ : لَمَّا أَتَى أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ وَالَّذِينَ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ قَتَلَ صَاحِبِهِمْ - مُوسَى وَقَصُّوا قِصَّتَهُمْ عَلَيْهِ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالُوا : وَمَا الْبَقَرَةُ وَالْقَتِيلُ ؟ قَالَ : أَقُولُ لَكُمْ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، وَتَقُولُونَ : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا .