الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَجَعَلْنَاهَا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، وَعَلَامَ هِيَ عَائِدَةٌ ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا مَا : - 1151 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) فَجَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ - وَهِيَ الْمَسْخَةُ - نَكَالًا . فَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) - عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا - كِنَايَةٌ عَنِ الْمَسْخَةِ ، وَهِيَ فَعْلَةٌ مَسَخَهُمُ اللَّهُ مَسْخَةً . فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : فَقُلْنَا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَصَارُوا قِرَدَةً مَمْسُوخِينَ ، ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا وَمَسْخَنَا إِيَّاهُمْ ، نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِنْ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا : - 1151 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي الْحِيتَانَ . وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ - عَلَى هَذَا الْقَوْلِ - مِنْ ذِكْرِ الْحِيتَانِ ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ ، كُنِّيَ عَنْ ذِكْرِهَا .
وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : فَجَعَلْنَا الْقَرْيَةَ الَّتِي اعْتَدَى أَهْلُهَا فِي السَّبْتِ . فَ الْهَاءُ وَ الْأَلِفُ - فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ - كِنَايَةٌ عَنْ قَرْيَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ مُسِخُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ فَجَعَلْنَا الْقِرَدَةَ الَّذِينَ مُسِخُوا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، فَجَعَلُوا الْهَاءَ وَالْأَلِفَ كِنَايَةً عَنِ الْقِرَدَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي بِهِ : فَجَعَلْنَا الْأُمَّةَ الَّتِي اعْتَدَتْ فِي السَّبْتِ نَكَالًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى نَكَالا وَ النَّكَالُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَكَّلَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ تَنْكِيلًا وَنَكَالًا .
وَأَصِلُ النَّكَالِ ، الْعُقُوبَةُ ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعِبَادِيُّ : لَا يَسْخَطُ الضِّلِّيلُ مَا يَسَعُ الْعَبْ دَ وَلَا فِي نَكَالِهِ تَنْكِيرُ وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : 1152 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( نَكَالًا ) يَقُولُ : عُقُوبَةً . 1153 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ) ، أَيْ عُقُوبَةً . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 1154 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) يَقُولُ : لِيَحْذَرَ مَنْ بَعْدَهُمْ عُقُوبَتِي . ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، يَقُولُ : الَّذِينَ كَانُوا بَقُوا مَعَهُمْ . 1155 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، لِمَا خَلَا لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، أَيْ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1162 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا قَالَ : أَمَّا مَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِمْ ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، فَمَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ ، أَنْ يَعْصُوا فَيَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1163 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، يَعْنِي الْحِيتَانَ ، جَعَلَهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي عَمِلُوا قَبْلَ الْحِيتَانِ ، وَمَا عَمِلُوا بَعْدَ الْحِيتَانِ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ - فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ) - بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْعُقُوبَةِ وَالْمَسْخَةِ الَّتِي مَسَخَهَا الْقَوْمَ ، أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا . مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا يُحَذِّرُ خَلْقَهُ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ ، بِذَلِكَ يُخَوِّفُهُمْ .
وَفِي إِبَانَتِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : ( نَكَالًا ) : أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعُقُوبَةَ الَّتِي أَحَلَّهَا بِالْقَوْمِ - مَا يُعْلِمُ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ) ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا - دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي . وَإِذْ كَانَتِ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ - بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْخَةِ وَالْعُقُوبَةِ ، أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا ; فَكَذَلِكَ الْعَائِدُ فِي قَوْلِهِ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا مِنَ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ : أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا لَهُمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ ، بِمَسْخِنَا إِيَّاهُمْ وَعُقُوبَتِنَا لَهُمْ - وَلِمَا خَلْفَ عُقُوبَتِنَا لَهُمْ مِنْ أَمْثَالِ ذُنُوبِهِمْ : أَنْ يَعْمَلَ بِهَا عَامِلٌ ، فَيُمْسَخُوا مِثْلَ مَا مُسِخُوا ، وَأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ ، تَحْذِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ : أَنْ يَأْتُوا مِنْ مَعَاصِيهِ مِثْلَ الَّذِي أَتَى الْمَمْسُوخُونَ ، فَيُعَاقَبُوا عُقُوبَتَهُمْ .
وَأَمَّا الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي الْحِيتَانَ ، عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ - فَإِنَّهُ أَبْعَدُ فِي الِانْتِزَاعِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَيُقَالُ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى لِلْحِيتَانِ ذِكْرٌ - لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُكَنِّي عَنِ الِاسْمِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتْرَكَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ - وَالْمَعْقُولُ بِهِ ظَاهِرٌ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ - إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ ، وَلَا فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا خَلْفَهَا ، فَيُنْظَرُ إِلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : بِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ وَمَا خَلْفَهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَوْعِظَةً ) وَ الْمَوْعِظَةُ ، مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَعَظْتُ الرَّجُلَ أَعِظُهُ وَعْظًا وَمَوْعِظَةً ، إِذَا ذَكَرْتُهُ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَتَذْكِرَةً لِلْمُتَّقِينَ ، لِيَتَّعِظُوا بِهَا ، وَيَعْتَبِرُوا ، وَيَتَذَكَّرُوا بِهَا ، كَمَا : - 1164 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَمَوْعِظَةً ) يَقُولُ : وَتَذْكِرَةً وَعِبْرَةً لِلْمُتَّقِينَ .
1171 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ، أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ .