الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( أَفَتَطْمَعُونَ ) يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، أَيْ : أَفَتَرْجُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُصَدِّقِينَ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَنْ يُؤْمِنَ لَكُمْ يَهُودُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) ، أَنْ يُصَدِّقُوكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ ، كَمَا : - 1326 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ، يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ يَقُولُ : أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنَ لَكُمُ الْيَهُودُ ؟ . 1327 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا الْفَرِيقُ فَجَمْعٌ ، كَالطَّائِفَةِ ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ .
وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ التَّفَرُّقِ سُمِّيَ بِهِ الْجِمَاعُ ، كَمَا سُمِّيَتِ الْجَمَاعَةُ بِ الْحِزْبِ ، مِنَ التَّحَزُّبِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ : أَجَدُّوا فَلَمَّا خِفْتُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فَرِيقَيْنِ ، مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِنْهُمْ ) ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ ، فَجَعَلَهُمْ مِنْهُمْ ، إِذْ كَانُوا عَشَائِرَهُمْ وَفَرَطَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ الْيَوْمَ الرَّجُلَ ، وَقَدْ مَضَى عَلَى مِنْهَاجِ الذَّاكِرِ وَطَرِيقَتِهِ .
وَكَانَ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ ، فَيَقُولُ : كَانَ مِنَّا فُلَانٌ ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِهِ أَوْ مَذْهَبِهِ ، أَوْ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
1331 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ، قَالَ : التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِمْ ، يُحَرِّفُونَهَا ، يَجْعَلُونَ الْحَلَالَ فِيهَا حَرَامًا ، وَالْحَرَامَ فِيهَا حَلَالًا وَالْحَقَّ فِيهَا بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ فِيهَا حَقًّا ، إِذَا جَاءَهُمُ الْمُحِقُّ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ كِتَابَ اللَّهِ ، وَإِذَا جَاءَهُمُ الْمُبْطِلُ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ ذَلِكَ الْكِتَابَ ، فَهُوَ فِيهِ مُحِقٌّ . وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَسْأَلُهُمْ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَلَا رِشْوَةٌ وَلَا شَيْءٌ ، أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ . فَقَالَ لَهُمْ : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [ الْبَقَرَةِ : 44 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : - 1332 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، فَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَسْمَعُ أَهْلُ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . 1333 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ الْآيَةَ ، قَالَ : لَيْسَ قَوْلُهُ : ( يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ) ، يَسْمَعُونَ التَّوْرَاةَ . كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعَهَا ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فِيهَا .
1334 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى : يَا مُوسَى ، قَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَسْمِعْنَا كَلَامَهُ حِينَ يُكَلِّمُكَ . فَطَلَبَ ذَلِكَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَمُرْهُمْ فَلْيَتَطَهَّرُوا ، وَلِيُطَهِّرُوا ثِيَابَهُمْ ، وَيَصُومُوا . فَفَعَلُوا .
ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى الطُّورَ ، فَلَمَّا غَشِيَهُمُ الْغَمَامُ أَمَرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ [ أَنْ يَسْجُدُوا ] فَوَقَعُوا سُجُودًا ، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فَسَمِعُوا كَلَامَهُ ، يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ ، حَتَّى عَقَلُوا مَا سَمِعُوا . ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا جَاءُوهُمْ حَرَّفَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَقَالُوا حِينَ قَالَ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِكَذَا وَكَذَا ، قَالَ ذَلِكَ الْفَرِيقُ الَّذِي ذَكَرَهُمُ اللَّهُ : إِنَّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا - خِلَافًا لِمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ .
فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ بِالْآيَةِ ، وَأَشْبَهُهُمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالَّذِي حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ : مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، سَمَاعَ مُوسَى إِيَّاهُ مِنْهُ ، ثُمَّ حَرَّفَ ذَلِكَ وَبَدَّلَ ، مِنْ بَعْدِ سَمَاعِهِ وَعِلْمِهِ بِهِ وَفَهْمِهِ إِيَّاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ التَّحْرِيفَ كَانَ مِنْ فَرِيقٍ مِنْهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، اسْتِعْظَامًا مِنَ اللَّهِ لِمَا كَانُوا يَأْتُونَ مِنَ الْبُهْتَانِ ، بَعْدَ تَوْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَالْبُرْهَانِ ، وَإِيذَانًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ قَطْعَ أَطْمَاعِهِمْ مِنْ إِيمَانِ بَقَايَا نَسْلِهِمْ بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَقِّ وَالنُّورِ وَالْهُدَى ، فَقَالَ لَهُمْ : كَيْفَ تَطْمَعُونَ فِي تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ إِيَّاكُمْ وَإِنَّمَا تُخْبِرُونَهُمْ - بِالَّذِي تُخْبِرُونَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ غَيْبٍ لَمْ يُشَاهِدُوهُ وَلَمْ يُعَايِنُوهُ وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ مِنَ اللَّهِ كَلَامَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، ثُمَّ يُبَدِّلُهُ وَيُحَرِّفُهُ وَيَجْحَدُهُ ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مِنْ بَقَايَا نَسْلِهِمْ ، أَحْرَى أَنْ يَجْحَدُوا مَا أَتَيْتُمُوهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُونَهُ مِنْكُمْ - وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُحَرِّفُوا مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ وَيُبَدِّلُوهُ ، وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ ، فَيَجْحَدُوهُ وَيُكَذِّبُوا - مِنْ أَوَائِلِهِمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، ثُمَّ حَرَّفُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَعَلِمُوهُ مُتَعَمِّدِينَ التَّحْرِيفَ .
وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ عَنِيَ بِقَوْلِهِ : ( يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ) ، يَسْمَعُونَ التَّوْرَاةَ ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ قَوْلِهِ : ( يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ) مَعْنًى مَفْهُومٌ . لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ سَمِعَهُ الْمُحَرِّفُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْمُحَرِّفِ ، فَخُصُوصُ الْمُحَرِّفِ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ - إِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ - دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْمَعُ ذَلِكَ سَمَاعَهُمْ لَا مَعْنَى لَهُ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ [ أَنَّهُ ] إِنَّمَا صَلَحَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : ( يُحَرِّفُونَهُ ) ، فَقَدْ أَغْفَلَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ .
وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ : أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يُحَرِّفُونَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ خَاصٍّ مِنَ الْيَهُودِ ، كَانُوا أُعْطُوا - مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ سَمَاعَ كَلَامِ اللَّهِ - مَا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، ثُمَّ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا مَا سَمِعُوا مِنْ ذَلِكَ . فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ، لِلْخُصُوصِ الَّذِي كَانَ خُصَّ بِهِ هَؤُلَاءِ الْفَرِيقُ الَّذِي ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) ، ثُمَّ يُبَدِّلُونَ مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلَهُ وَيُغَيِّرُونَهُ . وَأَصْلُهُ مِنَ انْحِرَافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ ، وَهُوَ مَيْلُهُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( يُحَرِّفُونَهُ ) أَيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ ، إِلَى غَيْرِهِ .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا حَرَّفُوا ، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ مَا حَرَّفُوهُ إِلَيْهِ . فَقَالَ : يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ، يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوا تَأْوِيلَهُ ، ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ، أَيْ : يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ فِي تَحْرِيفِهِمْ مَا حَرَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مُبْطِلُونَ كَاذِبُونَ . وَذَلِكَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْبُهْتِ ، وَمُنَاصَبَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ بَقَايَاهُمْ - مِنْ مُنَاصَبَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْيًا وَحَسَدًا - عَلَى مَثَلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَائِلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَصْرِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنِ الَّذِينَ أَيْأَسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِيمَانِهِمْ - مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الَّذِينَ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - وَهُمُ الَّذِينَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : آمَنَّا . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، قَالُوا : آمَنَّا - أَيْ صَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ ، وَأَقْرَرْنَا بِذَلِكَ . أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ ، وَسَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ ، كَمَا : - 1335 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا إِذَا لَقُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : آمَنَّا ، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ .