الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أَيْ : إِذَا خَلَا بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ - الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ - إِلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ ، فَصَارُوا فِي خَلَاءٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمْ - قَالُوا يَعْنِي : قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ - : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 1339 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، يَعْنِي : بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ .
فَيَقُولُ الْآخَرُونَ : إِنَّمَا نَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَنَضْحَكُ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1340 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ، أَيْ : بِصَاحِبِكُمْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّهُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً ، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا : لَا تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا ، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ مِنْهُمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، أَيْ : تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ ، وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا ؟ اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرُّوا لَهُمْ بِهِ .
يَقُولُ اللَّهُ : ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾. 1341 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، أَيْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1342 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، أَيْ : بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ ، أَفَلا تَعْقِلُونَ .
1346 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : هَذَا ، حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَآذَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اخْسَئُوا يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ . 1347 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، قَالَ : قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ تَحْتَ حُصُونِهِمْ فَقَالَ : يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ ، وَيَا إِخْوَانَ الْخَنَازِيرِ ، وَيَا عَبَدَةَ الطَّاغُوتِ . فَقَالُوا : مَنْ أَخْبَرَ هَذَا مُحَمَّدًا ؟ مَا خَرَجَ هَذَا إِلَّا مِنْكُمْ ! أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ! بِمَا حَكَمَ اللَّهُ ، لِلْفَتْحِ ، لِيَكُونَ لَهُمْ حُجَّةً عَلَيْكُمْ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : هَذَا حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيًّا فَآذَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1348 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - مِنَ الْعَذَابِ - لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ هَؤُلَاءِ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ آمَنُوا ثُمَّ نَافَقُوا ، فَكَانُوا يُحَدِّثُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَرَبِ بِمَا عُذِّبُوا بِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ ، لِيَقُولُوا نَحْنُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْكُمْ ، وَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْكُمْ ؟ وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1349 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ : قَالَ : كَانُوا إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشَّيْءِ قَالُوا : أَمَا تَعْلَمُونَ فِي التَّوْرَاةِ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : بَلَى ! - قَالَ : وَهُمْ يَهُودُ - فَيَقُولُ لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ : مَا لَكُمْ تُخْبِرُونَهُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ؟ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مُؤْمِنٌ . فَقَالَ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ : اذْهَبُوا فَقُولُوا آمَنَّا ، وَاكْفُرُوا إِذَا رَجَعْتُمْ .
قَالَ : فَكَانُوا يَأْتُونَ الْمَدِينَةَ بِالْبُكَرِ وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [ آلِ عِمْرَانَ : 72 ] . وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ : نَحْنُ مُسْلِمُونَ . لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ ، فَإِذَا رَجَعُوا رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ .
فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ ، قَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَكُونُوا يَدْخُلُونَ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : بَلَى ! فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ [ يَعْنِي الرُّؤَسَاءَ ] - قَالُوا : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، الْآيَةَ . وَأَصْلُ الْفَتْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : النَّصْرُ وَالْقَضَاءُ ، وَالْحُكْمُ . يُقَالُ مِنْهُ : اللَّهُمَّ افْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ ، أَيِ احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَالَ : وَيُقَالُ لِلْقَاضِي : الْفَتَّاحُ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [ الْأَعْرَافِ : 89 ] أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ .
فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْفَتْحِ مَا وَصَفْنَا ، تَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ إِنَّمَا هُوَ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ ، وَقَضَاهُ فِيكُمْ ؟ وَمِنْ حُكْمِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ بِهِ مِيثَاقَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ . وَمِنْ قَضَائِهِ فِيهِمْ أَنْ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَائِهِ فِيهِمْ . وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ حُجَّةً عَلَى الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْيَهُودِ الْمُقِرِّينَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَائِهِ ] .
فَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ . فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَلْقِهِ ؟ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا قَصَّ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ الْخَبَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ : آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِآخِرِهَا أَنْ يَكُونَ نَظِيرَ الْخَبَرِ عَمَّا ابْتُدِئَ بِهِ أَوَّلُهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَلَاوُمُهُمْ كَانَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانُوا أَظْهَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَهُمْ : آمَنَّا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ .
وَكَانَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ ، وَكَانُوا يُخْبِرُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . فَكَانَ تَلَاوُمُهُمْ - فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا خَلَوْا - عَلَى مَا كَانُوا يُخْبِرُونَهُمْ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْبِرُونَهُمْ عَنْ وُجُودِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُبِهِمْ ، وَيَكْفُرُونَ بِهِ ، وَكَانَ فَتْحُ اللَّهِ الَّذِي فَتَحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ ، وَحُكْمُهُ عَلَيْهِمْ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ ، أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بُعِثَ .
فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ : ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ، خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنِ الْيَهُودِ اللَّائِمِينَ إِخْوَانَهُمْ عَلَى مَا أَخْبَرُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُمْ : أَفَلَا تَفْقَهُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ وَتَعْقِلُونَ ، أَنَّ إِخْبَارَكُمْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فِي كُتُبِكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ ، حُجَّةٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَيْكُمْ ؟ أَيْ : فَلَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ ، وَلَا تَقُولُوا لَهُمْ مِثْلَ مَا قُلْتُمْ ، وَلَا تُخْبِرُوهُمْ بِمِثَلِ مَا أَخْبَرْتُمُوهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .