الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا - فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ مِفْعَالٌ مِنَ التَّوَثُّقِ بِالْيَمِينِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تُؤَكِّدُ الْقَوْلَ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : وَاذْكُرُوا أَيْضًا يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ، كَمَا : - 1447 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَيْ مِيثَاقَكُمْ - لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : والقَرَأَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( لَا تَعْبُدُونَ ) .
فَبَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا بِالتَّاءِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا بِالْيَاءِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ . وَإِنَّمَا جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ ، وَأَنْ يُقَالَ ( لَا تَعْبُدُونَ ) وَ ( لَا يَعْبُدُونَ ) وَهُمْ غَيَبٌ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ ، بِمَعْنَى الِاسْتِحْلَافِ . فَكَمَا تَقُولُ : اسْتَحْلَفْتُ أَخَاكَ لَيَقُومَنَّ فَتُخْبِرُ عَنْهُ خَبَرَكَ عَنِ الْغَائِبِ لِغَيْبَتِهِ عَنْكَ .
وَتَقُولُ : اسْتَحْلَفْتُهُ لَتَقُومَنَّ ، فَتُخْبِرُ عَنْهُ خَبَرَكَ عَنِ الْمُخَاطَبِ ؛ لِأَنَّكَ قَدْ كُنْتَ خَاطَبْتَهُ بِذَلِكَ - فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا جَائِزًا . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَ ( لَا يَعْبُدُونَ ) . مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَى الْخِطَابِ ، إِذْ كَانَ الْخِطَابُ قَدْ كَانَ بِذَلِكَ .
وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فِي وَقْتِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ . وَأَمَّا رَفْعُ لَا تَعْبُدُونَ ، فَبِالتَّاءِ الَّتِي فِي تَعْبُدُونَ ، وَلَا يُنْصَبُ بِ أَنْ الَّتِي كَانَتْ تَصْلُحُ أَنْ تَدَخُّلَ مَعَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ . لِأَنَّهَا إِذَا صَلَحَ دُخُولُهَا عَلَى فِعْلٍ فَحُذِفَتْ وَلَمْ تَدْخُلْ ، كَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِيهِ الرَّفْعَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾ [ الزُّمَرِ : 64 ] ، فَرَفَعَ أَعْبُدُ ؛ إِذْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا أَنْ - بِالْأَلِفِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ الَّلَذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي فَرَفْعَ أَحْضَرُ وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ دُخُولُ أَنْ فِيهَا - إِذْ حُذِفَتْ ، بِالْأَلِفِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ .
وَإِنَّمَا صَلُحَ حَذْفُ أَنْ مِنْ قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ ؛ لِدِلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، فَاكْتَفَى - بِدِلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهَا مِنْهَا . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، حِكَايَةٌ ، كَأَنَّكَ قُلْتَ : اسْتَحْلَفْنَاهُمْ : لَا تَعْبُدُونَ ، أَيْ قُلْنَا لَهُمْ : وَاللَّهِ لَا تَعْبُدُونَ - وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا يَعْبُدُونَ . وَالَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ ، قَرِيبٌ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1448 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : أَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ ، وَأَنْ لَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ . 1449 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، قَالَ : أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لِلَّهِ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ .
1450 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، قَالَ : الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ أَنِ الْمَحْذُوفَةِ فِي لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .
فَرَفَعَ ( لَا تَعْبُدُونَ ) لَمَّا حَذَفَ أَنْ ، ثُمَّ عَطَفَ بِالْوَالِدَيْنِ عَلَى مَوْضِعِهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَنَصَبَ الْحَدِيدَا عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْجِبَالِ ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا بَاءٌ خَافِضَةٌ كَانَتْ نَصْبًا ، فَعَطَفَ بِ الْحَدِيدَا عَلَى مَعْنَى الْجِبَالِ ، لَا عَلَى لَفْظِهَا . فَكَذَلِكَ مَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِهِ : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . وَأَمَّا الْإِحْسَانُ فَمَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ : ( وَبِالْوَالِدَيْنِ ) ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ - لَوْ أُظْهِرَ الْمَحْذُوفُ - : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ : ( وَبِالْوَالِدَيْنِ ) مِنْ أَنْ يُقَالَ : وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَبِالْوَالِدَيْنِ فَأَحْسِنُوا إِحْسَانًا ، فَجَعَلَ الْبَاءَ الَّتِي فِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ صِلَةِ الْإِحْسَانِ ، مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، وَأَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . فَزَعَمُوا أَنَّ الْبَاءَ الَّتِي فِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ صِلَةِ الْمَحْذُوفِ - أَعْنِي أَحْسِنُوا - فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ كَلَامَيْنِ .
وَإِنَّمَا يُصْرَفُ الْكَلَامُ إِلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ لِاتِّسَاقِ الْكَلَامِ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ وَجْهٌ . فَأَمَّا وَلِلْكَلَامِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ عَلَى اتِّسَاقِهِ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ ، فَلَا وَجْهَ لِصَرْفِهِ إِلَى كَلَامَيْنِ . وَأُخْرَى : أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالُوا ، لَقِيلَ : وَإِلَى الْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ : أَحْسَنَ فُلَانٌ إِلَى وَالِدَيْهِ وَلَا يُقَالُ : أَحْسَنَ بِوَالِدَيْهِ ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ لِلْكَلَامِ .
وَلَكِنِ الْقَوْلُ فِيهِ مَا قُلْنَا ، وَهُوَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَذَا ، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا - عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلُ ، فَيَكُونُ الْإِحْسَانُ حِينَئِذٍ مُصَدَّرًا مِنَ الْكَلَامِ لَا مِنْ لَفْظِهِ ، كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا ذَلِكَ الْإِحْسَانُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالْوَالِدَيْنِ الْمِيثَاقَ؟ قِيلَ : نَظِيرُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِنَا لَهُمَا مِنْ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ لَهُمَا ، وَالْقَوْلِ الْجَمِيلِ ، وَخَفْضِ جَنَاحِ الذُّلِّ رَحْمَةً بِهِمَا ، وَالتَّحَنُّنِ عَلَيْهِمَا ، وَالرَّأْفَةِ بِهِمَا ، وَالدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ لَهُمَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِمَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَذِي الْقُرْبَى ) ، وَبِذِي الْقُرْبَى أَنْ يَصِلُوا قَرَابَتَهُ مِنْهُمْ وَرَحِمَهُ .
وَ الْقُرْبَى مَصْدَرٌ عَلَى تَقْدِيرِ فُعْلَى ، مِنْ قَوْلِكَ ، قَرُبَتْ مِنِّي رَحِمُ فُلَانٍ قَرَابَةً وَقُرْبَى وَقُرْبًا ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَأَمَّا الْيَتَامَى . فَهُمْ جَمْعُ يَتِيمٍ ، مِثْلُ أَسِيرٍ وَأُسَارَى .
وَيَدْخُلُ فِي الْيَتَامَى الذُّكُورُ مِنْهُمْ وَالْإِنَاثُ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ ، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، وَبِذِي الْقُرْبَى : أَنْ تَصِلُوا رَحِمَهُ ، وَتَعْرِفُوا حَقَّهُ ، وَبِالْيَتَامَى : أَنْ تَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ ، وَبِالْمَسَاكِينِ : أَنْ تُؤْتُوهُمْ حُقُوقَهُمُ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ أَمْوَالَكُمْ . و الْمِسْكِينُ ، هُوَ الْمُتَخَشِّعُ الْمُتَذَلِّلُ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَهُوَ مِفْعِيلٌ مِنَ الْمَسْكَنَةِ .
وَ الْمَسْكَنَةُ هِيَ ذُلُّ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ قِيلَ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ أَمْرًا وَلَمَّا يَتَقَدَّمْهُ أَمْرٌ ، بَلِ الْكَلَامُ جَارٍ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ؟ قِيلَ : إِنَّ الْكَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . فَلَوْ كَانَ مَكَانَ : لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ، لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ - عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ - كَانَ حَسَنًا صَوَابًا .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ وَجَازَ - لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا بِهِ ؛ لَأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ قَوْلٌ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ - لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا كَذَلِكَ - : وَإِذْ قُلْنَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [ الْبَقَرَةِ : 63 ] .
فَلَمَّا كَانَ حَسَنًا وَضْعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي مَوْضِعِ : لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، عَلَى مَوْضِعِ ( لَا تَعْبُدُونَ ) ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهِ ؛ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَوْضِعَ لَا تَعْبُدُونَ . فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا . وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ : مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ تَبْتَدِئُ الْكَلَامَ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ فِي مَوْضِعِ الْحِكَايَةِ لِمَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ; وَتَبْتَدِئُ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، لِمَا فِي الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ يَعْنِي : تَقَلَّيْتِ .
وَأَمَّا الْحُسْنُ فَإِنَّ القَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ : ( حُسْنًا ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَسْكِينِ السِّينِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ القَرَأَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى عَلَى مِثَالِ فُعْلَى . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي فَرْقِ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ : حُسْنًا وَ حَسَنًا . فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : هُوَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُرَادُ بِ الْحَسَنِ الْحُسْنُ وَكَّلَاهُمَا لُغَةٌ ، كَمَا يُقَالُ : الْبُخْلُ وَالْبَخَلُ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الْحَسَنَ هُوَ الْحُسْنُ فِي التَّشْبِيهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْنَ مَصْدَرٌ وَ الْحَسَنُ هُوَ الشَّيْءُ الْحَسَنُ . وَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ كَقَوْلِكَ : إِنَّمَا أَنْتَ أَكْلٌ وَشُرْبٌ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ فَجَعْلَ التَّحِيَّةَ ضَرْبًا . وَقَالَ آخَرُ : بَلِ الْحُسْنُ هُوَ الِاسْمُ الْعَامُّ الْجَامِعُ جَمِيعَ مَعَانِي الْحُسْنِ .
وَ الْحَسَنُ هُوَ الْبَعْضُ مِنْ مَعَانِي الْحُسْنِ . قَالَ : وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ أَوْصَى بِالْوَالِدَيْنِ : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [ الْعَنْكَبُوتِ : 8 ] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ وَصَّاهُ فِيهِمَا بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُسْنِ ، وَأَمَرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ بِبَعْضِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فِي وَالِدَيْهِ ، فَقَالَ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، يَعْنِي بِذَلِكَ بَعْضَ مَعَانِي الْحُسْنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي مَعْنَى الْحُسْنِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ ، غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ ، وَأَنَّهُ اسْمٌ لِنَوْعِهِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ .
وَأَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُ صِفَةٌ وَقَعَتْ لِمَا وُصِفَ بِهِ ، وَذَلِكَ يَقَعُ بِخَاصٍّ ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أُمِرُوا فِي هَذَا الْعَهْدِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ بِاسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ مِنَ الْقَوْلِ ، دُونَ سَائِرِ مَعَانِي الْحُسْنِ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ . وَذَلِكَ نَعْتٌ لِخَاصٍّ مِنْ مَعَانِي الْحُسْنِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ . فَلِذَلِكَ اخْتَرْتُ قِرَاءَتَهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ ، عَلَى قِرَاءَتِهِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ .
وَأَمَّا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى ) فَإِنَّهُ خَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ ، قِرَاءَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَأِ الْقِرَاءَةِ بِهَا كَذَلِكَ ، خُرُوجُهَا مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خَطَئِهَا شَاهِدٌ غَيْرُهُ . فَكَيْفَ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِ فُعْلَى وَأَفْعَلُ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ بِالْإِضَافَةِ .
لَا يُقَالُ : جَاءَنِي أَحْسَنُ ، حَتَّى يَقُولُوا : الْأَحْسَنُ . وَلَا يُقَالُ : أَجْمَلُ ، حَتَّى يَقُولُوا ، الْأَجْمَلُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَلَ وَالْفُعْلَى ، لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ صِفَةً إِلَّا لِمَعْهُودٍ مَعْرُوفٍ ، كَمَا تَقُولُ : بَلْ أَخُوكَ الْأَحْسَنُ - وَبَلْ أُخْتُكَ الْحُسْنَى .
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : امْرَأَةٌ حُسْنَى ، وَرَجُلٌ أَحْسَنُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْقَوْلِ الْحَسَنِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الَّذِينَ وَصَفَ أَمْرَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنْ يَقُولُوهُ لِلنَّاسِ ، فَهُوَ مَا : - 1451 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، أَمَرَهُمْ أَيْضًا بَعْدَ هَذَا الْخُلُقِ : أَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا : أَنْ يَأْمُرُوا بِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَنْ لَمْ يَقُلْهَا وَرَغِبَ عَنْهَا ، حَتَّى يَقُولُوهَا كَمَا قَالُوهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : لِينُ الْقَوْلِ ، مِنَ الْأَدَبِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ وَالْخُلُقِ الْكَرِيمِ ، وَهُوَ مِمَّا ارْتَضَاهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ .
1455 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ ، سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، قَالَ : مَنْ لَقِيْتَ مِنَ النَّاسِ فَقُلْ لَهُ حَسَنًا مِنَ الْقَوْلِ . قَالَ : وَسَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . 1456 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، قَالَ : لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ .
1457 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، أَدُّوْهَا بِحُقُوقِهَا الْوَاجِبَةِ عَلَيْكُمْ فِيهَا كَمَا : - 1458 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ هَذِهِ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ تَمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْخُشُوعِ ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا فِيهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوا الزَّكَاةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، مَعْنَى الزَّكَاةِ وَمَا أَصْلُهَا .
وَأَمَّا الزَّكَاةُ الَّتِي كَانَ اللَّهُ أَمَرَ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَمْرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَهِيَ مَا : - 1459 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَآتُوا الزَّكَاةَ ، قَالَ : إِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، مَا كَانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ ، وَهِيَ سُنَّةٌ كَانَتْ لَهُمْ غَيْرُ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . كَانَتْ زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ قُرْبَانًا تَهْبِطُ إِلَيْهِ نَارٌ فَتَحَمِلُهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْبُّلَهُ . وَمَنْ لَمْ تَفْعَلْ النَّارُ بِهِ ذَلِكَ كَانَ غَيْرَ مُتَقَبَّلٍ ، وَكَانَ الَّذِي قَرَّبَ مِنْ مَكْسَبٍ لَا يَحِلُّ : مِنْ ظُلْمٍ أَوْ غَشْمٍ ، أَوْ أَخْذٍ بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَبَيَّنَهُ لَهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) ، الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنَى بِسَائِرِ الْآيَةِ أَسْلَافَهُمْ . كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ : ثُمَّ تَوَلَّى سَلَفُكُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ خِطَابًا لِبَقَايَا نَسْلِهِمْ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ - ثُمَّ قَالَ : وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَقَايَاهُمْ مُعْرِضُونَ أَيْضًا عَنِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ ، وَتَارِكُوهُ تَرْكَ أَوَائِلِكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ، خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَذَمٌّ لَهُمْ بِنَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَبْدِيلِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ، وَرُكُوبِهِمْ مَعَاصِيَهُ .