الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَوْلُهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ نَظِيرُ قَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ . وَأَمَّا سَفْكُ الدَّمِ ، فَإِنَّهُ صَبُّهُ وَإِرَاقَتُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ؟ وَقَالَ : أَوَ كَانَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُخْرِجُونَهَا مِنْ دِيَارِهَا ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ ، وَلَكِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
فَكَانَ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ مِنْهُمُ الرَّجُلَ قَتْلُ نَفْسِهِ ؛ إِذْ كَانَتْ مِلَّتُهُمَا [ وَاحِدَةً ، فَهُمَا ] بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : 1463 - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ ، إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، أَيْ : لَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ ، فَيُقَادُ بِهِ قِصَاصًا ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَاتِلًا نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لِنَفْسِهِ مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْقَتْلَ . فَأُضِيفَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ قَتْلُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ إِيَّاهُ قِصَاصًا بِوَلِيِّهِ .
كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَرْكَبُ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ ، فَيُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ : أَنْتَ جَنَيْتَ هَذَا عَلَى نَفْسِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1464 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، أَيْ : لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ، وَنَفْسُكَ يَا ابْنَ آدَمَ أَهْلُ مِلَّتِكَ .
1468 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ هِجْرَتِهِ إِلَيْهِ ، مُؤَنِّبًا لَهُمْ عَلَى تَضْيِيعِ أَحْكَامِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي كَانُوا يُقِرُّونَ بِحُكْمِهَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ : ( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ) ، يَعْنِي بِذَلِكَ ، إِقْرَارَ أَوَائِلِكُمْ وَسَلَفِكُمْ ، ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) عَلَى إِقْرَارِهِمْ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ ، بِأَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَتُصَدِّقُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْهِمْ .
وَمِمَّنْ حُكِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْهُ ، ابْنُ عَبَّاسٍ . 1469 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ أَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَوَائِلِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْرَجَ الْخَبَرَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ مَخْرَجَ الْمُخَاطَبَةِ ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَصَفْنَا فِي سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ نَظَائِرُهَا ، الَّتِي قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَهَا فِيمَا مَضَى .
وَتَأَوَّلَوْا قَوْلَهُ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ، عَلَى مَعْنَى : وَأَنْتُمْ شُهُودٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1470 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلُهُ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ، يَقُولُ : وَأَنْتُمْ شُهُودٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي : أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) خَبَرًا عَنْ أَسْلَافِهِمْ ، وَدَاخِلًا فِيهِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْهُمْ ، الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ خَبَرًا عَنْ أَسْلَافِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلَّذِينِ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ مِيثَاقَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - عَلَى سَبِيلِ مَا قَدْ بَيَّنَهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ - فَأَلْزَمَ جَمِيعَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ ، مِثْلَ الَّذِي أَلْزَمَ مِنْهُ مَنْ كَانَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى مِنْهُمْ .
ثُمَّ أَنَّبَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى نَقْضِهِمْ وَنَقْضِ سَلَفِهِمْ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ ، وَتَكْذِيبِهِمْ مَا وَكَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَهُ بِالْوَفَاءِ مِنَ الْعُهُودِ ، بِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . فَإِذْ كَانَ خَارِجًا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ كُلُّ مَنْ وَاثَقَ بِالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَمَنْ بَعْدَهُ ، وَكُلُّ مِنْ شَهِدَ مِنْهُمْ بِتَصْدِيقِ مَا فِي التَّوْرَاةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ - وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيِ - بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا جَمِيعُهُمْ . فَإِذْا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا بَعْضٌ مِنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ .
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، أَعْنِي قَوْلَهُ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ . لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَنَا أَنَّ أَوَائِلَهُمْ قَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَوَاخِرُهُمُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا عَصْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .