الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ "
يَقُولُ اللَّهُ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . 1520 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ ، كَفَرُوا بِهِ ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ . فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، اتَّقُوْا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ! فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ : مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ ، وَمَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : ( ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾.
1527 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَمُرُّ بِالْيَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ ، وَكَانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَيُقَاتِلُوا مَعَهُ الْعَرَبَ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ ، حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . 1528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلُهُ : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، قَالَ : كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ .
فَلَمَّا خَرَجَ وَرَأَوْهُ لَيْسَ مِنْهُمْ ، كَفَرُوا وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَأَنَّهُ النَّبِيُّ . قَالَ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . 1529 - قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : إِنَّهُ - يَخْرُجُ .
( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ) - وَكَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ - كَفَرُوا بِهِ . 1530 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ . 1531 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْجِحَافِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ عَرَفُوا مُحَمَّدًا أَنَّهُ نَبِيٌّ وَكَفَرُوا بِهِ .
1532 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، قَالَ : كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ ، يَقُولُونَ : نَحْنُ نُعِينُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ ، يَكْذِبُونَ . 1533 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . قَالَ : كَانَتْ يَهُودُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ ، يَقُولُونَ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَدْ جَاءَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى وَعِيسَى ، أَحْمَدُ ، لَكَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ! وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَالْعَرَبُ حَوْلَهُمْ ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ ، وَيَسْتَنْصِرُونَ بِهِ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ وَحَسَدُوهُ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 109 ] .
قَالَ : قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولٌ ، فَمِنْ هُنَالِكَ نَفْعَ اللَّهُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ بِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَنَّ نَبِيًّا خَارِجٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَأَيْنَ جَوَابُ قَوْلِهِ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَوَابِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِمَّا تُرِكَ جَوَابُهُ ، اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ بِمَعْنَاهُ ، وَبِمَا قَدْ ذُكِرَ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ .
وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ ، فَتَأْتِي بِأَشْيَاءَ لَهَا أَجْوِبَةٌ ، فَتَحْذِفُ أَجْوِبَتَهَا ، لِاسْتِغْنَاءِ سَامِعِيهَا - بِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَعْنَاهَا - عَنْ ذِكْرِ الْأَجْوِبَةِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 31 ] ، فَتَرَكَ جَوَابَهُ . وَالْمَعْنَى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سِوَى هَذَا الْقُرْآنِ سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ لَسُيِّرَتْ بِهَذَا الْقُرْآنِ - اسْتِغْنَاءً بِعِلْمِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : جَوَابُ قَوْلِهِ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِي الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، وَجَوَابُ الْجَزَاءَيْنِ فِي كَفَرُوا بِهِ ، كَقَوْلِكَ : لَمَّا قُمْتَ ، فَلَمَّا جِئْتَنَا أَحَسَنْتَ ، بِمَعْنَى : لَمَّا جِئْتَنَا إِذْ قُمْتَ أَحْسَنْتَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 89 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى اللَّعْنَةِ ، وَعَلَى مَعْنَى الْكُفْرِ ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةِ . فَمَعْنَى الْآيَةِ : فَخِزْيُ اللَّهُ وَإِبْعَادُهُ عَلَى الْجَاحِدِينَ مَا قَدْ عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ ، الْمُنْكِرِينَ لِمَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْيَهُودِ - بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ - الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِنَبُّوتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَقَطْعِ اللَّهِ عُذْرَهُمْ بِأَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ .