الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : 1777 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ - قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَأُهُ ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، الْآيَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1778 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، وَكَانَ مُوسَى يُسْأَلُ ، فَقِيلَ لَهُ : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) .
1782 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1783 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ كَانَتْ كَفَّارَاتُنَا كَفَّارَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا! مَا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا فَعَلَ أَحَدُهُمُ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفَّارَتَهَا ، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [ النِّسَاءِ : 110 ] . قَالَ : وَقَالَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ ، كَفَّارَاتٌ لَمَّا بَيْنَهُنَّ .
وَقَالَ : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالَكٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ( أَمِ ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) .
فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ؟ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ بِمَعْنَى اسْتِفْهَامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِنَ الْكَلَامِ ، كَأَنَّكَ تَمِيلُ بِهَا إِلَى أَوَّلِهِ ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ : إِنَّهَا لَإِبِلٌ يَا قَوْمُ أَمْ شَاءُ وَ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا أَمْ حَدْسُ نَفْسِي؟ قَالَ : وَلَيْسَ قَوْلُهُ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) عَلَى الشَّكِّ ، وَلَكِنَّهُ قَالَهُ لِيُقَبِّحَ لَهُ صَنِيعَهُمْ . وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَخْطَلِ : كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَوْلَهُ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) اسْتِفْهَامًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الم ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ السَّجْدَةِ : 1 - 3 ] ، فَجَاءَتْ أَمْ وَلَيْسَ قَبْلَهَا اسْتِفْهَامٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ عَلَى كَلَامٍ سَبَقَهُ .
وَقَالَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَمْ فِي الْمَعْنَى تَكُونُ رَدًّا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ عَلَى جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَنْ تُفَرِّقَ مَعْنَى أَيْ ، وَالْأُخْرَى : أَنْ يُسْتَفْهَمَ بِهَا فَتَكُونَ عَلَى جِهَةِ النَّسَقِ ، وَالَّذِي يُنْوَى بِهَا الِابْتِدَاءُ ، إِلَّا أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ مُتَّصِلٌ بِكَلَامٍ ، فَلَوِ ابْتَدَأْتَ كَلَامًا لَيْسَ قَبْلَهُ كَلَامٌ ثُمَّ اسْتَفْهَمْتَ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِ الْأَلْفِ أَوْ بِ هَلْ . قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) ، قَبْلَهُ اسْتِفْهَامٌ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ ، بِمَعْنَى : أَتُرِيدُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ؟ وَإِنَّمَا جَازَ ، أَنْ يَسْتَفْهِمَ الْقَوْمُ بِ أَمْ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمْ أَحَدُ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ نَسَقًا فِي الِاسْتِفْهَامِ لِتَقَدُّمِ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الْكَلَامِ ، لِأَنَّهَا تَكُونُ اسْتِفْهَامًا مُبْتَدَأً إِذَا تَقَدَّمَهَا سَابِقٌ مِنَ الْكَلَامِ .
وَلَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ اسْتِفْهَامٌ بِهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا كَلَامٌ . وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الم ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ السَّجْدَةِ : 1 - 3 ] وَقَدْ تَكُونُ أَمْ بِمَعْنَى بَلْ ، إِذَا سَبَقَهَا اسْتِفْهَامٌ لَا يَصْلُحُ فِيهِ أَيْ ، فَيَقُولُونَ : هَلْ لَكَ قِبَلَنَا حَقٌّ ، أَمْ أَنْتَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ؟ وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ أَمِ النَّوْمُ أَمْ كُلٌّ إِلَّيَّ حَبِيبُ يَعْنِي : بَلْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبٌ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ - مُنْكِرًا قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَمْ فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) اسْتِفْهَامٌ مُسْتَقْبَلٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الْكَلَامِ ، يَمِيلُ بِهَا إِلَى أَوَّلِهِ - : إِنَّ الْأَوَّلَ خَبَرٌ ، وَالثَّانِي اسْتِفْهَامٌ ، وَالِاسْتِفْهَامُ لَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ ، وَالْخَبَرُ لَا يَكُونُ فِي الِاسْتِفْهَامِ ، وَلَكِنْ أَدْرَكَهُ الشَّكُّ - بِزَعْمِهِ - بَعْدَ مُضِيِّ الْخَبَرِ ، فَاسْتَفْهَمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذَا كَانَ مَعْنَى أَمْ مَا وَصَفْنَا ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَتُرِيدُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مِنَ الْأَشْيَاءِ نَظِيرَ مَا سَأَلَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ قَبْلِكُمْ ، فَتَكْفُرُوا - إِنَّ مُنِعْتُمُوهُ - فِي مَسْأَلَتِكُمْ مَا لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ إِعْطَاؤُكُمُوهُ ، أَوْ أَنْ تَهْلِكُوا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ عَطَاؤُكُمُوهُ ، فَأَعْطَاكُمُوهُ ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ، كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي سَأَلَتْ أَنْبِيَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْأَلَتُهَا إِيَّاهُمْ ، فَلَمَّا أُعْطِيَتْ كَفَرَتْ ، فَعُوجِلَتْ بِالْعُقُوبَاتِ لِكُفْرِهَا ، بَعْدَ إِعْطَاءِ اللَّهِ إِيَّاهَا سُؤْلَهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( وَمَنْ يَتَبَدَّلْ ) ، وَمَنْ يَسْتَبْدِلِ الْكُفْرَ ، وَيَعْنِي بِ الْكُفْرِ ، الْجُحُودَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ ، ( بِالْإِيمَانِ ) ، يَعْنِي بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ . وَقَدْ قِيلَ : عَنَى بِ الْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الشِّدَّةَ ، وَبِ الْإِيمَانِ الرَّخَاءَ .
وَلَا أَعْرِفُ الشِّدَّةَ فِي مَعَانِي الْكُفْرِ ، وَلَا الرَّخَاءَ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ بِتَأْوِيلِهِ الْكُفْرَ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبِتَأْوِيلِهِ الْإِيمَانَ فِي مَعْنَى الرَّخَاءِ - : مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْمَفْهُومِ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ ، يَقُولُ : يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ . 1785 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ بِمَثَلِهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ) ، خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِتَابٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى أَمْرٍ سَلَفَ مِنْهُمْ ، مِمَّا سُرَّ بِهِ الْيَهُودُ ، وَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ، فَكَرِهَهُ اللَّهُ لَهُمْ ، فَعَاتَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ غِشٍّ لَهُمْ وَحَسَدٍ وَبَغْيٍ ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَهُمُ الْمَكَارِهَ ، وَيَبْغُونَهُمُ الْغَوَائِلَ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَصِحُوهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ فَاسْتَبْدَلَ بِإِيمَانِهِ كُفْرًا ، فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 108 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( فَقَدْ ضَلَّ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ ذَهَبَ وَحَادَ . وَأَصْلُ الضَّلَالِ عَنِ الشَّيْءِ ، الذَّهَابُ عَنْهُ وَالْحَيْدُ ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ ، وَالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَؤْبَهُ لَهُ ، كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ الْخَامِلِ الَّذِي لَا ذِكْرَ لَهُ وَلَا نَبَاهَةَ : ضُلُّ بْنُ ضُلٍّ ، وَ قُلُّ بُنْ قُلٍّ ، وَكَقَوْلِ الْأَخْطَلِ ، فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ : كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا يَعْنِي : هَلَكَ فَذَهَبَ .
وَالَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَادَ عَنْهُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِ السَّوَاءِ ، الْقَصْدَ وَالْمَنْهَجَ . وَأَصْلُ السَّوَاءِ الْوَسَطُ .
ذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَا زِلْتُ أَكْتُبُ حَتَّى انْقَطَعَ سَوَائِي ، يَعْنِي : وَسَطِي . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَنَسْلِهِ بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ يَعْنِي بِالسَّوَاءِ : الْوَسَطُ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : هُوَ فِي سَوَاءِ السَّبِيلِ ، يَعْنِي فِي مُسْتَوى السَّبِيلِ ، وَسَوَاءُ الْأَرْضِ : مُسْتَوَاهَا ، عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا السَّبِيلُ ، فَإِنَّهَا الطَّرِيقُ الْمَسْبُولُ ، صُرِفَ مِنْ مَسْبُولٍ إِلَى سَبِيلٍ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : وَمَنْ يَسْتَبْدِلْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الْكُفْرَ ، فَيَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ ، فَقَدْ حَادَ عَنْ مَنْهَجِ الطَّرِيقِ وَوَسَطِهِ الْوَاضِحِ الْمَسْبُولِ . وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُهُ الْخَبَرُ عَنْ زَوَالِ الْمُسْتَبْدَلِ بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إِلَى رِضَاهُ ، وَسَبِيلًا يَرْكَبُونَهَا إِلَى مَحَبَّتِهِ وَالْفَوْزِ بِجَنَّاتِهِ .
فَجَعَلَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الطَّرِيقَ - الَّذِي إِذَا رَكِبَ مَحَجَّتَهُ السَّائِرُ فِيهِ ، وَلَزِمَ وَسَطَهُ الْمُجْتَازُ فِيهِ ، نَجَا وَبَلَغَ حَاجَتَهُ ، وَأَدْرَكَ طُلْبَتَهُ - لِدِينِهِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ عِبَادَهُ ، مَثَلًا لِإِدْرَاكِهِمْ بِلُزُومِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، طَلَبَاتِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ ، كَالَّذِي يُدْرِكُ اللَّازِمُ مَحَجَّةَ السَّبِيلِ بِلُزُومِهِ إِيَّاهَا طُلْبَتَهُ مِنَ النَّجَاةِ مِنْهَا ، وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَّهُ وَقَصَدَهُ . وَجَعَلَ مَثَلَ الْحَائِدِ عَنْ دِينِهِ ، الْجَائِرِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ - فِي إِخْطَائِهِ مَا رَجَا أَنْ يُدْرِكَهُ بِعَمَلِهِ فِي آخِرَتِهِ وَيَنَالَ بِهِ فِي مَعَادِهِ ، وَذَهَابِهِ عَمَّا أَمَّلَ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ ، وَبُعْدِهِ بِهِ مِنْ رَبِّهِ - مَثَلَ الْحَائِدِ عَنْ مَنْهَجِ الطَّرِيقِ وَقَصْدِ السَّبِيلِ ، الَّذِي لَا يَزْدَادُ وُغُولًا فِي الْوَجْهِ الَّذِي سَلَكَهُ ، إِلَّا ازْدَادَ مِنْ مَوْضِعِ حَاجَتِهِ بُعْدًا ، وَعَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَمَّهُ وَأَرَادَهُ نَأْيًا . وَهَذِهِ السَّبِيلُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَهَا ، هِيَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، الَّذِي أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَةَ لَهُ بِقَوْلِهِ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .