الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ تَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1811 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَا جَمِيعًا - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ، لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ : مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ، وَكَفَرَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَبِالْإِنْجِيلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى : مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، إِلَى قَوْلِهِ : فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 1812 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ ، فَإِنْ قَالَتِ الْيَهُودُ : لَيْسَتِ النَّصَارَى فِي دِينِهَا عَلَى صَوَابٍ! ، وَقَالَتِ النَّصَارَى : لَيْسَتِ الْيَهُودُ فِي دِينِهَا عَلَى صَوَابٍ! وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ، إِعْلَامًا ، مِنْهُ لَهُمْ بِتَضْيِيعِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ حُكْمَ الْكِتَابِ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِقْرَارَ بِصِحَّتِهِ وَبِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَجُحُودِهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فُرُوضِهِ ، لِأَنَّ الْإِنْجِيلَ الَّذِي تَدِينُ بِصِحَّتِهِ وَحَقِّيَّتِهِ النَّصَارَى ، يُحَقِّقُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيهَا مِنَ الْفَرَائِضِ ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي تَدِينُ بِصِحَّتِهَا وَحَقِّيَّتِهَا الْيَهُودُ تَحَقُّقُ نُبُوَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ . ثُمَّ قَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، مَعَ تِلَاوَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِتَابَهُ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَى كَذِبِهِ فِي قِيلِهِ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ قَالَ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ فِيمَا قَالُوهُ مُبْطِلُونَ ; وَأَتَوْا مَا أَتَوْا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمَا كَفَرُوا بِهِ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فِيهِ مُلْحِدُونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَكَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بَعْدَ أَنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى شَيْءٍ ، فَيَكُونَ الْفَرِيقُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ مُبْطِلًا فِي قِيلِهِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ؟ قِيلَ : قَدْ رَوَيْنَا الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلُ ، مِنْ أَنَّ إِنْكَارَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، إِنَّمَا كَانَ إِنْكَارًا لِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي يَنْتَحِلُ التَّصْدِيقَ بِهِ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ ، لَا دَفْعًا مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي الْحَالِّ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ ، بِسَبَبِ جُحُودِهِ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ إِنْكَارَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ جَاحِدًا نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَالِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةَ؟ وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ : لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهَا مُنْذُ دَانَتْ دِينَهَا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى : لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مُنْذُ دَانَتْ دِينَهَا . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ آنِفًا ، فَكَذَّبَ اللَّهُ الْفَرِيقَيْنِ فِي قِيلِهِمَا مَا قَالَا . كَمَا : - 1813 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ، قَالَ : بَلَى ! قَدْ كَانَتْ أَوَائِلُ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ، وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا وَتَفَرَّقُوا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى : لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ ابْتَدَعُوا وَتَفَرَّقُوا .
1814 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : قَدْ كَانَتْ أَوَائِلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ كِتَابَ اللَّهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَى فَرِيقَيِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكَفْرِ ، وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فِيهِ . كَمَا : - 1815 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ - قَالَا جَمِيعًا ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، أَيْ : كُلٌّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَا كَفَرَ بِهِ : أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَفِي الْإِنْجِيلِ مِمَّا جَاءَ بِهِ عِيسَى تَصْدِيقُ مُوسَى ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ; وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 1816 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، قَالَ : وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ قَبْلَهُمْ . 1817 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، قَالَ : قَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ قَبْلَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1818 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟ قَالَ : أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَقَبْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ فَنُسِبُوا إِلَى الْجَهْلِ ، وَنُفِيَ عَنْهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعِلْمُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1819 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، فَهُمُ الْعَرَبُ ، قَالُوا : لَيْسَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ وَصَفَهُمْ بِالْجَهْلِ ، وَنَفَى عَنْهُمُ الْعِلْمَ بِمَا كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِهِ عَالِمِينَ - أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَهْلِهِمْ نَظِيرَ مَا قَالَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بَعْضُهَا لِبَعْضٍ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فِي قَوْلِهِ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا أَمَةً كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَلَا أُمَّةَ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ الَّتِي عُنِيَتْ بِذَلِكَ مِنْ أُخْرَى ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دِلَالَةٌ عَلَى أَيٍّ مِنْ أَيٍّ ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ مِنْ جِهَةِ نَقْلِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ ، وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ .
وَإِنَّمَا قَصَدَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، إِعْلَامَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَدْ أَتَوْا مِنْ قِيلِ الْبَاطِلِ ، وَافْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَجُحُودِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ! يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ مُبْطِلُونَ ، وَبِجُحُودِهِمْ مَا يَجْحَدُونَ مِنْ مِلَّتِهِمْ خَارِجُونَ ، وَعَلَى اللَّهِ مُفْتَرُونَ ، مِثْلَ الَّذِي قَالَهُ أَهْلُ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، الَّذِينَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ لَهُمْ رَسُولًا وَلَا أَوْحَى إِلَيْهِمْ كِتَابًا . وَهَذِهِ الْآيَةُ تُنَبِّئُ عَنْ أَنَّ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهَا ، فَمُصِيبَتُهُ فِي دِينِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُصِيبَةِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جَاهِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَظَّمَ تَوْبِيخَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا وَبَّخَهُمْ بِهِ فِي قِيلِهِمْ مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ قَالُوا مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 113 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاللَّهُ يَقْضِي فَيَفَصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ ، الْقَائِلِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ - يَوْمَ قِيَامِ الْخَلْقِ لِرَبِّهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ - فَيَتَبَيَّنُ الْمُحِقُّ مِنْهُمْ مِنَ الْمُبْطِلِ ، بِإِثَابَةِ الْمُحِقِّ مَا وَعَدَ أَهْلَ طَاعَتِهِ عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ ، وَمُجَازَاتِهِ الْمُبْطِلَ مِنْهُمْ بِمَا أَوْعَدَ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَمِلَلِهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا .
وَأَمَّا الْقِيَامَةُ فَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قُمْتُ قِيَامًا وَقِيَامَةً ، كَمَا يُقَالُ : عُدْتُ فُلَانًا عِيَادَةً وَ صُنْتُ هَذَا الْأَمْرَ صِيَانَةً . وَإِنَّمَا عَنَى بِالْقِيَامَةِ قِيَامَ الْخَلْقِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّهِمْ ، فَمَعْنَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : يَوْمُ قِيَامِ الْخَلَائِقِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَحْشَرِهِمْ .