الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ : وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَمَنْ أَظْلَمُ ) : وَأَيُّ امْرِئٍ أَشَدُّ تَعَدِّيًا وَجَرَاءَةً عَلَى اللَّهِ وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ ، مِنِ امْرِئٍ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُعْبُدَ اللَّهُ فِيهَا؟ وَ الْمَسَاجِدُ جَمْعُ مَسْجِدٍ : وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى السُّجُودِ فِيمَا مَضَى ، فَمَعْنَى الْمَسْجِدِ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْجَدُ لِلَّهِ فِيهِ ، كَمَا يُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُجْلَسُ فِيهِ : الْمَجْلِسُ ، وَلِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْزَلُ فِيهِ : مَنْزِلٌ ، ثُمَّ يُجْمَعُ : مَنَازِلَ وَمَجَالِسَ نَظِيرَ مَسْجِدٍ وَمَسَاجِدَ .
وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ : مَسَاجَدُ فِي وَاحِدِ الْمَسَاجِدِ ، وَذَلِكَ كَالْخَطَأِ مِنْ قَائِلِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَمَنْ أَظْلِمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، فَتَكُونُ أَنْ حِينَئِذٍ نَصْبًا مِنْ قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِفَقْدِ الْخَافِضِ ، وَتَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِهَا . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ فِي مَسَاجِدِهِ ، فَتَكُونُ أَنْ حِينَئِذٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، تَكْرِيرًا عَلَى مَوْضِعِ الْمَسَاجِدِ وَرَدًّا عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، وَمِمَّنْ سَعَى فِي خَرَابِ مَسَاجِدِ اللَّهِ ، فَ سَعَى إِذًا عَطْفٌ عَلَى مَنَعَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَنِ الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ؟ وَأَيُّ الْمَسَاجِدِ هِيَ؟ قِيلَ : إِنْ أَهَّلَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ هُمُ النَّصَارَى ، وَالْمَسْجِدُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1820 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، أَنَّهُمُ النَّصَارَى .
1821 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ، النَّصَارَى كَانُوا يَطْرَحُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْأَذَى ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ . 1822 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنْدُهُ وَمَنْ أَعَانَهُمْ مِنَ النَّصَارَى ، وَالْمَسْجِدُ : مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلَى عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهَذِهِ الْآيَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ، إِذْ مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1826 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، حِينَ حَالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيِّنَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ حَتَّى نَحَرَ هَدْيَهُ بِذِي طُوًى وَهَادَنَهُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ : مَا كَانَ أَحَدٌ يُرَدُّ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فِيهِ فَمَا يَصُدُّهُ ، وَقَالُوا : لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا مَنْ قَتَلَ آبَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِينَا بَاقٍ! وَفِي قَوْلِهِ : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) قَالَ : إِذْ قَطَعُوا مَنْ يَعَمُرُهَا بِذَكَرِهِ ، وَيَأْتِيهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ النَّصَارَى .
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَعَانُوا بُخْتَنَّصَّرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنَعُوا مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بَعْدَ مُنْصَرَفِ بُخْتَنَّصَرَ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قِيَامُ الْحُجَّةِ بِأَنْ لَا قَوْلَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَأَنْ لَا مَسْجِدَ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، إِلَّا أَحَدَ الْمَسْجِدَيْنِ ، إِمَّا مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَإِمَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمْ يَسْعَوْا قَطُّ فِي تَخْرِيبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ مَنَعُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالسَّعْيِ فِي خَرَابِ مَسَاجِدِهِ ، غَيْرُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِعِمَارَتِهَا؛ إِذْ كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ بَنَوُا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبِعِمَارَتِهِ كَانَ افْتِخَارُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَفْعَالِهِمْ فِيهِ ، كَانَ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ .
وَأُخْرَى ، أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَ قَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، مَضَتْ بِالْخَبَرِ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَذَمِّ أَفْعَالِهِمْ ، وَالَّتِي بَعْدَهَا نَبَّهَتْ بِذَمِّ النَّصَارَى وَالْخَبَرِ عَنِ افْتِرَائِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَلَمْ يَجْرِ لِقُرَيْشٍ وَلَا لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ذِكْرٌ ، وَلَا لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْلَهَا ، فَيُوَجَّهَ الْخَبَرُ - بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ - إِلَيْهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ أَنْ يُوَجَّهَ تَأْوِيلُهَا إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَا كَانَ نَظِيرَ قِصَّةِ الْآيَةِ قَبْلَهَا وَالْآيَةِ بَعْدَهَا ، إِذْ كَانَ خَبَرُهَا لِخَبَرِهِمَا نَظِيرًا وَشَكْلًا إِلَّا أَنْ تَقُومَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ قَصَصُهَا فَاشْتَبَهَتْ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، إِذْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَلْزَمْهُمْ قَطُّ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي [ الْمَسْجِدِ الْمُقَدَّسِ ، فَمُنِعُوا مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَيُلْجِئُونَ ] تَوْجِيهَ قَوْلِهِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - فَقَدْ أَخْطَأَ فِيمَا ظَنَّ مِنْ ذَلِكَ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - إِنَّمَا ذَكَرَ ظُلْمَ مَنْ مَنَعَ مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ بِالظُّلْمِ وَالسَّعْيِ فِي خَرَابِ الْمَسْجِدِ . وَإِنْ كَانَ قَدْ دَلَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ مُصَلِّيًا فِي مَسْجِدٍ لِلَّهِ ، فَرْضًا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ أَوْ تَطَوُّعًا - ، وَكُلُّ سَاعٍ فِي إِخْرَابِهِ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، أَنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي سَعَوْا فِي تَخْرِيبِهَا ، وَمَنَعُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ، مَا دَامُوا عَلَى مُنَاصَبَةِ الْحَرْبِ ، إِلَّا عَلَى خَوْفٍ وَوَجِلٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى دُخُولِهِمُوهَا ، كَالَّذِي : - 1827 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ ، وَهُمُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ ، لَا يُوجَدُ نَصْرَانِيٌّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَّا نُهِكَ ضَرْبًا ، وَأُبْلِغَ إِلَيْهِ فِي الْعُقُوبَةِ .
قَالَ : فَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ إِنَّا مُنِعْنَا أَنْ نَنْزِلَ! . وَإِنَّمَا قِيلَ : أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ ، فَأُخْرِجَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ ( مَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ وَاحِدًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( لَهُمْ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ .
أَمَّا قَوْلُهُ : ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِ الْخِزْيِ : الْعَارَ وَالشَّرَّ ، وَالذِّلَّةِ إِمَّا الْقَتْلُ وَالسِّبَاءُ ، وَإِمَّا الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، كَمَا : - 1831 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ) ، قَالَ : يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . 1832 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ) ، أَمَّا خِزْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَامَ الْمَهْدِيُّ وَفُتِحَتِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ قَتَلَهُمْ ، فَذَلِكَ الْخِزْيُ ، وَأَمَّا الْعَذَابُ الْعَظِيمُ ، فَإِنَّهُ عَذَابُ جَهَنَّمَ الَّذِي لَا يُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِهِ ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فِيهَا فَيَمُوتُوا . وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الذِّلَّةُ وَالْهَوَانُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ - عَلَى مَنْعِهِمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعْيِهِمْ فِي خَرَابِهَا ، وَلَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا عَذَابُ جَهَنَّمَ ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ .