الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، لِلَّهِ مِلْكُهُمَا وَتَدْبِيُرُهُمَا ، كَمَا يُقَالُ : لِفُلَانٍ هَذِهِ الدَّارُ ، يَعْنِي بِهَا : أَنَّهَا لَهُ ، مِلْكًا . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) ، يَعْنِي أَنَّهُمَا لَهُ ، مِلْكًا وَخَلْقًا . وَ الْمَشْرِقُ هُوَ مَوْضِعُ شُرُوقِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ طُلُوعِهَا ، كَمَا يُقَالُ لِمَوْضِعِ طُلُوعِهَا مِنْهُ : مَطْلِعٌ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَكَمَا بَيَّنَّا فِي مَعْنَى الْمَسَاجِدِ آنِفًا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ لِلَّهِ إِلَّا مَشْرِقٌ وَاحِدٌ وَمَغْرِبٌ وَاحِدٌ ، حَتَّى قِيلَ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ الَّذِي تَشْرُقُ مِنْهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ ، وَالْمَغْرِبُ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ . فَتَأْوِيلُهُ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ : وَلِلَّهِ مَا بَيْنَ قُطْرِيِ الْمَشْرِقِ ، وَمَا بَيْنَ قُطْرِيِ الْمَغْرِبِ ، إِذْ كَانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ لَا تَعُودُ لِشُرُوقِهَا مِنْهُ إِلَى الْحَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَكَذَلِكَ غُرُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ . فَإِنْ قَالَ : أَوَلَيْسَ وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتَ ، فَلِلَّهِ كُلُّ مَا دُونَهُ؟ الْخَلْقُ خَلْقُهُ! قِيلَ : بَلَى! فَإِنْ قَالَ : فَكَيْفَ خَصَّ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ بِالْخَبَرِ عَنْهَا أَنَّهَا لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهَا؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَصَّ اللَّهُ ذِكْرَ ذَلِكَ بِمَا خَصَّهُ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَنَحْنُ مُبَيِّنُو الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِنَا أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَصَّ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ذَلِكَ بِالْخَبَرِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تُوَجِّهُ فِي صَلَاتِهَا وُجُوهَهَا قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُدَّةً ، ثُمَّ حُوِّلُوا إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَاسْتَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمُ : الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ كُلُّهَا لِي ، أَصْرِفُ وُجُوهَ عِبَادِي كَيْفَ أَشَاءُ مِنْهَا ، فَحَيْثُمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1833 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ، كَانَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْيَهُودَ ، أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ .
فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 144 ] إِلَى قَوْلِهِ : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 144 - 150 ] ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ ، وَقَالُوا : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 142 ] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَقَالَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . 1834 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ التَّوَجُّهَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَنَسَخَهَا اللَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا إِلَى وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 144 ] ، قَالَ : فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ . 1838 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، سَمِعْتُهُ - يَعْنِي زَيْدًا - يَقُولُ : قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَؤُلَاءِ قَوْمُ يَهُودَ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لَوْ أَنَا اسْتَقْبَلْنَاهُ! فَاسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، فَبَلَغَهُ أَنَّ يَهُودَ تَقُولُ : وَاللَّهِ مَا دَرَى مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قِبْلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ ! فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَفَعَ وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الْآيَةَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 144 ] . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْنًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ حَيْثُ تَوَجَّهَ وَجْهُهُ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ ، فِي مَسِيرِهِ فِي سَفَرِهِ ، وَفِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَالْتِقَاءِ الزُّحُوفِ فِي الْفَرَائِضِ .
وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ حَيْثُ وَجَّهَ وَجْهَهُ فَهُوَ هُنَالِكَ ، بِقَوْلِهِ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1839 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَيَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . 1840 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فَضِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أَنْ تُصَلِّيَ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا يُومِئُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ فَلَمْ يَعْرِفُوا شَطْرَهَا ، فَصَلَّوْا عَلَى أَنْحَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ : لِيَ الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ ، فَأَنَّى وَلَّيْتُمْ وُجُوهَكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي ، وَهُوَ قِبْلَتُكُمْ - مُعْلِمَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ صَلَاتَهُمْ مَاضِيَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1841 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَجَعْلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْأَحْجَارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ، إِذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. 1842 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ ، قُلْتُ لِلنَّخَعِيِّ : إِنِّي كُنْتُ اسْتَيْقَظْتُ - أَوْ قَالَ أَيْقَظْتُ ، شَكَّ الطَّبَرَيُّ - فَكَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ ، فَصَلَّيْتُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ .
قَالَ : مَضَتْ صَلَاتُكَ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . 1843 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَشْعَثَ السَّمَانِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ ، كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي سَفَرٍ ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ فَصَلَّيْنَا ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ ، ثُمَّ أَصْبَحْنَا فَذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سَبَبِ النَّجَاشِيِّ ، لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَازَعُوا فِي أَمْرِهِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ كُلُّهَا لِي ، فَمَنْ وَجَّهَ وَجْهَهُ نَحْوَ شَيْءٍ مِنْهَا يُرِيدُنِي بِهِ وَيَبْتَغِي بِهِ طَاعَتِي ، وَجَدَنِي هُنَالِكَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يُوَجِّهُ إِلَى بَعْضِ وُجُوهِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ وَجْهَهُ ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِلَاتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1844 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ . قَالُوا : نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ ! قَالَ فَنَزَلَتْ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 199 ] ، قَالَ : قَتَادَةُ ، فَقَالُوا : إِنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا خَصَّ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُمَا لَهُ مِلْكًا ، وَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ إِلَّا وَهُوَ لَهُ مَلِكٌ - إِعْلَامًا مِنْهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ لَهُ مِلْكَهُمَا وَمِلْكَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ ، وَأَنْ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِذْ كَانَ لَهُ مِلْكُهُمْ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ، وَفِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ ، وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وُجِّهُوا إِلَيْهِ ، إِذْ كَانَ مِنْ حُكْمِ الْمَمَالِيكِ طَاعَةُ مَالِكِهِمْ؛ فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَدْ بَيَّنْتُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْخَبَرِ عَنْ سَبَبِ الشَّيْءِ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ ، كَمَا قِيلَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : وَلِلَّهِ مِلْكُ الْخَلْقِ الَّذِي بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَبَّدُهُمْ بِمَا شَاءَ ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ مَا يُرِيدُ ، عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - نَحْوَ وَجْهِي ، فَإِنَّكُمْ أَيْنَمَا تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي . فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : نَاسِخَةٌ أَمْ مَنْسُوخَةٌ ، أَمْ لَا هِيَ نَاسِخَةٌ وَلَا مَنْسُوخَةٌ؟ فَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْعُمُومِ ، وَالْمُرَادُ الْخَاصُّ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، مُحْتَمِلٌ : أَيْنَمَا تُوَلُّوا - فِي حَالِ سَيْرِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ ، فِي صَلَاتِكُمُ التَّطَوُّعَ ، وَفِي حَالِ مُسَايَفَتِكُمْ عَدُّوَكُمْ ، فِي تَطَوُّعِكُمْ وَمَكْتُوبَتِكُمْ ، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ آنِفًا . وَمُحْتَمِلٌ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا - مِنْ أَرْضِ اللَّهِ فَتَكُونُوا بِهَا - فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ الَّتِي تُوَجِّهُونَ وُجُوهَكُمْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مُمْكِنٌ لَكُمُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا مِنْهَا .
فَإِذْ كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، مُحْتَمِلًا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَوْجُهِ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَنْسُوخٍ ، وَلَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، مَعْنِيٌّ بِهِ : فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ فَثَمَّ قِبْلَتُكُمْ ، وَلَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، أَمْرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ بِهَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : هِيَ نَاسِخَةٌ الصَّلَاةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ ، مَنْ يَنْكَرُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَلَا خَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ، وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرِهَا مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْتُ . وَلَا هِيَ - إِذْ لَمْ تَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا وَصَفْنَا - قَامَتْ حُجَّتُهَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، إِذْ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً مَا وَصَفْنَا : بِأَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِعُمُومٍ ، وَمَعْنَاهَا : فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ - إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا التَّوَجُّهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي كُلِّ حَالٍ إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا الدُّعَاءُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كِتَابِنَا : كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ، عَلَى أَنْ لَا نَاسِخَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا نَفَى حُكْمًا ثَابِتًا ، وَأُلْزِمَ الْعِبَادُ فَرْضَهُ ، غَيْرَ مُحْتَمِلٍ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ غَيْرَ ذَلِكَ . فَأَمَّا إِذَا مَا احْتَمَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ ، أَوِ الْمُجْمَلِ ، أَوِ الْمُفَسَّرِ ، فَمِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَا مَنْسُوخَ إِلَّا الْمَنْفِيُّ الَّذِي كَانَ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَفَرْضُهُ . وَلَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لِقَوْلِهِ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، فَيُقَالُ فِيهِ : هُوَ نَاسِخٌ أَوْ مَنْسُوخٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَأَيْنَمَا ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : حَيْثُمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( تُوَلُّوا ) فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ أَنْ يَكُونَ : تُوَلُّونَ نَحْوَهُ وَإِلَيْهِ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : وَلَّيْتُهُ وَجْهِي وَوَلَّيْتُهُ إِلَيْهِ ، بِمَعْنَى : قَابَلْتُهُ وَوَاجَهْتُهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ ، وَشُذُوذُ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى : تُوَلُّونَ عَنْهُ فَتَسْتَدْبِرُونَهُ ، فَالَّذِي تَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ وَجْهُ اللَّهِ ، بِمَعْنَى قِبْلَةُ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَثَمَّ ) فَإِنَّهُ بِمَعْنَى : هُنَالِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ، يَعْنِي بِذَلِكَ وَجْهَهُ الَّذِي وَجَّهَهُمْ إِلَيْهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1848 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ النَّضِرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) قَالَ : قِبْلَةُ اللَّهِ .
1849 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ، حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَلَكُمْ قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، فَثَمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، فَثَمَّ تُدْرِكُونَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ رِضَا اللَّهِ الَّذِي لَهُ الْوَجْهُ الْكَرِيمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِ الْوَجْهِ ذَا الْوَجْهِ . وَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ : وَجْهُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا؟ قِيلَ : هِيَ لَهَا مُوَاصِلَةٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ مَنَعُوا عِبَادَ اللَّهِ مَسَاجِدَهُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، وَسَعَوْا فِي خَرَابِهَا ، وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ فَاذْكُرُوهُ ، فَإِنَّ وَجْهَهُ هُنَالِكَ ، يَسَعُكُمْ فَضْلُهُ وَأَرْضُهُ وَبِلَادُهُ ، وَيَعْلَمُ مَا تَعْمَلُونَ ، وَلَا يَمْنَعْكُمْ تَخْرِيبُ مَنْ خَرَّبَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَمَنْعُهُمْ مَنْ مَنَعُوا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ - أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ حَيْثُ كُنْتُمْ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ ، تَبْتَغُونَ بِهِ وَجْهَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ( وَاسِعٌ ) يَسَعُ خَلْقَهُ كُلَّهُمْ بِالْكِفَايَةِ وَالْإِفْضَالِ وَالْجُودِ وَالتَّدْبِيرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( عَلِيمٌ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأَفْعَالِهِمْ لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ ، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا عَلِيمٌ .