حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : كُونُوا هُودًا تَهْتَدُوا ؛ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَهُمْ : كُونُوا نَصَارَى تَهْتَدُوا . تَعْنِي بِقَوْلِهَا : تَهْتَدُوا ، أَيْ تُصِيبُوا طَرِيقَ الْحَقِّ . كَمَا : - 2090 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ عبدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا الْهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ! فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ! وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ .

فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : احْتَجَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغَ حَجَّةٍ وَأَوْجَزَهَا وَأَكْمَلَهَا ، وَعَلَّمَهَا مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْ - لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِأَصْحَابِكَ : كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا - : بَلْ تَعَالَوْا نَتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي يُجْمِعُ جَمِيعُنَا عَلَى الشَّهَادَةِ لَهَا بِأَنَّهَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَاجْتَبَاهُ وَأَمَرَ بِهِ - فَإِنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ - وَنَدَعْ سَائِرَ الْمِلَلِ الَّتِي نَخْتَلِفُ فِيهَا ، فَيُنْكِرُهَا بَعْضُنَا ، وَيُقِرُّ بِهَا بَعْضُنَا . فَإِنَّ ذَلِكَ - عَلَى اخْتِلَافِهِ - لَا سَبِيلَ لَنَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَنَا السَّبِيلُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ .

وَفِي نَصْبِ قَوْلِهِ : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ . أَحَدُهَا : أَنْ يُوَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، إِلَى مَعْنَى : وَقَالُوا اتَّبِعُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ . لِأَنَّهُمْ إِذْ قَالُوا : كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ دَعَوْهُمْ ، ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْمِلَّةِ .

فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، لَا نَتَّبِعُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، وَلَا نَتَّخِذُهَا مِلَّةً ، بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، ثُمَّ يُحْذَفُ نَتَّبِعُ الثَّانِيَةُ ، وَيُعْطَفُ بِ الْمِلَّةِ عَلَى إِعْرَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ . وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بِمَعْنَى نَتَّبِعُ وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ : بَلْ نَكُونُ أَصْحَابَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، أَوْ أَهْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ . ثُمَّ حُذِفَ الْأَهْلُ وَ الْأَصْحَابُ ، وَأُقِيمَتِ الْمِلَّةُ مَقَامَهُمْ ، إِذْ كَانَتْ مُؤَدِّيَةً عَنْ مَعْنَى الْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! وَمَا هِيَ ، وَيْبَ غَيْرِكَ ، بِالْعَنَاقِ يَعْنِي : صَوْتَ عَنَاقٍ ، فَتَكُونُ الْمِلَّةُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبَةً ، عَطْفًا فِي الْإِعْرَابِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ ، بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ . وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ ذَلِكَ رَفْعًا ، فَتَأْوِيلُهُ - عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ رَفْعًا : بَلِ الْهُدَى مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ الْمِلَّةُ ، الدِّينُ وَأَمَّا الْحَنِيفُ ، فَإِنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .

وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تُقْبِلُ إِحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، إِنَّمَا قِيلَ لَهُ أَحْنَفُ ، نَظَرًا لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ ، كَمَا قِيلَ لِلْمُهْلَكَةِ مِنَ الْبِلَادِ الْمَفَازَةُ ، بِمَعْنَى الْفَوْزِ بِالنَّجَاةِ مِنْهَا وَالسَّلَامَةِ ، وَكَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ : السَّلِيمُ ، تَفَاؤُلًا لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْهَلَاكِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ مُسْتَقِيمًا . فَيَكُونُ الْحَنِيفُ حِينَئِذٍ حَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْحَنِيفُ الْحَاجُّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْلَامُ الْحَنِيفِيَّةَ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ إِمَامٍ لَزِمَ الْعِبَادَ - الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ ، وَالَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - اتِّبَاعُهُ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، وَالِائْتِمَامُ بِهِ فِيهِ . قَالُوا : فَكُلُّ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَنَسُكَ مَنَاسِكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مِلَّتِهِ ، فَهُوَ حَنِيفٌ ، مُسْلِمٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ .

2091
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ كَثِيرٍ أَبِي سَهْلٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ ، قَالَ : حَجُّ الْبَيْتِ .
2092
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ :أَخْبَرَنَا فُضَيْلٌ ، عَنْ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ : حَنِيفًا قَالَ الْحَنِيفُ : الْحَاجُّ .
2093
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَاأَبِي ، عَنِ الْفُضَيْلِ ، عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ .

2094 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْحَنِيفُ الْحَاجُّ . 2095 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ التَيْمِيِّ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ ، قَالَ : هُوَ حَجُّ هَذَا الْبَيْتِ . قَالَ ابْنُ التَيْمِيِّ : وَأَخْبَرَنِي جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، مِثْلَهُ .

2096
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : حُنَفَاءَ قَالَ : حَجَّاجًا .
2097
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ،عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : حَنِيفًا قَالَ : حَاجًّا .
2098
حُدِّثْتُ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ : كَانَ النَّاسُمِنْ مُضَرَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّوْنَ حُنَفَاءَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ .

[ سُورَةُ الْحَجِّ : 31 ] وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَنِيفُ ، الْمُتَّبِعُ ، كَمَا وَصَفْنَا قَبْلُ ، مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ مَعْنَاهُ : الِاسْتِقَامَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2099 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : حُنَفَاءَ قَالَ : مُتَّبِعِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا سُمِّي دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ إِمَامٍ سَنَّ لِلْعِبَادِ الْخِتَانَ ، فَاتَّبَعَهُ مَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ .

قَالُوا : فَكُلُّ مَنِ اخْتَتَنَ عَلَى سَبِيلِ اخْتِتَانِ إِبْرَاهِيمَ ، فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ حَنِيفٌ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ مُخْلِصًا . فَالْحَنِيفُ عَلَى قَوْلِهِمُ : الْمُخْلِصُ دِينَهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2100 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، يَقُولُ : مُخْلِصًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْحَنِيفِيَّةُ الْإِسْلَامُ . فَكُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِإِبْرَاهِيمَ فِي مِلَّتِهِ فَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا ، فَهُوَ حَنِيفٌ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : الْحَنَفُ عِنْدِي ، هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، وَاتِّبَاعُهُ عَلَى مِلَّتِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَوْ كَانَتْ حَجَّ الْبَيْتِ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَحُجُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكَ كَانُوا حُنَفَاءَ . وَقَدْ نَفَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحَنُّفَا بِقَوْلِهِ : وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 67 ] فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْخِتَانِ .

لِأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْخِتَانَ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ حُنَفَاءَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 67 ] . فَقَدْ صَحَّ إذًا أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَيْسَتِ الْخِتَانَ وَحْدَهُ ، وَلَا حَجَّ الْبَيْتِ وَحْدَهُ ، وَلَكِنَّهُ هُوَ مَا وَصَفْنَا : مِنَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَاتِّبَاعِهِ عَلَيْهَا ، وَالِائْتِمَامِ بِهِ فِيهَا .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ اسْتِقَامَةَ إِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ ؟ قِيلَ : بَلَى . فَإِنْ قَالَ : فَكَيْفَ أُضِيفَ الْحَنِيفِيَّةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى مِلَّتِهِ خَاصَّةً ، دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَأَتْبَاعِهِمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ حَنِيفًا مُتَّبِعًا طَاعَةَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا مِنْهُمْ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، كَالَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ ، فَجَعَلَهُ إِمَامًا فِيمَا بَيَّنَهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْخِتَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، تَعَبُّدًا بِهِ أَبَدًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ . وَجَعَلَ مَا سَنَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَمًا مُمَيَّزًا بَيْنَ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ وَكُفَّارِهِمْ ، وَالْمُطِيعِ مِنْهُمْ لَهُ وَالْعَاصِي .

فَسُمِّي الْحَنِيفُ مِنَ النَّاسِ حَنِيفًا بِاتِّبَاعِهِ مِلَّتَهُ ، وَاسْتِقَامَتِهِ عَلَى هَدْيِهِ وَمِنْهَاجِهِ ، وَسُمِّي الضَّالُّ مِنْ مِلَّتِهِ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْمِلَلِ ، فَقِيلَ : يَهُودِيٌّ ، وَنَصْرَانِيٌّ ، وَمَجُوسِيٌّ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الْمِلَلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَدِينُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ، وَلَا كَانَ مِنَ الْيَهُودِ وَلَا مِنَ النَّصَارَى ، بَلْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 1351 قراءة

﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    إِبْرَاهِيمَ قرأ هشام جميع ما في هذه السورة بفتح الهاء وألف بعدها . واختلف عن ابن ذكوان في هذه السورة فقط فله وجهان : الأول كهشام والثاني بكسر الهاء وياء بعدها كقراءة الباقين . فَأَتَمَّهُنَّ لحمزة فيه التحقيق والتسهيل ووقف عليه يعقوب بهاء السكت قولا واحدا . عَهْدِي الظَّالِمِينَ قرأ حفص وحمزة بإسكان الياء مع حذفها لالتقاء الساكنين . والباقون بفتحها . وَاتَّخِذُوا قرأ نافع والشامي بفتح الخاء ، والباقون بكسرها . مُصَلًّى غلظ ورش اللام وصلا فإذا وقف فله التغليظ مع الفتح والترقيق مع التقليل ، والأول أرجح . طَهِّرَا رقق ورش الراء . بَيْتِيَ قرأ نافع وأبو جعفر وهشام وحفص بفتح الياء ، والباقون بإسكانها ولا يخفى أن هذا في حال الوصل ، وأما في حال الوقف فكلهم بالإسكان . فَأُمَتِّعُهُ قرأ الشامي بإسكان الميم وتخفيف التاء ، والباقون بفتح الميم وتشديد التاء . وَأَرِنَا قرأ المكي والسوسي ويعقوب بإسكان الراء ، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها أي اختلاسها ، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل . فِيهِمْ و يُزَكِّيهِمْ و عَلَيْهِمْ قرأ يعقوب بضم الهاء في الثلاثة في الحالين ، ووافقه حمزة في الثالث في الحالين كذلك . وَوَصَّى قرأ المدنيان والشامي بهمزة مفتوحة صورتها ألف بين الواوين مع تخفيف الصاد ، والباقون بحذف الهمزة مع تشديد الصاد . شُهَدَاءَ إِذْ أجمع القراء على تحقيق الهمزة الأولى من الهمزتين المختلفتين في الحركة إذا وقعتا في كلمتين ، واختلفوا في الثانية منهما فذهب البعض إلى تحقيقها وذهب البعض إلى تغييرها ولها صور خمسة ، وهذه إحدى صورها ، وسنتكلم على حكم كل صورة في موضعها إن شاء الله تعالى . أما حكم هذه الصورة فذهب المدنيان والمكي والبصري ورويس إلى تسهيلها بينها وبين الياء ، وذهب الباقون إلى تحقيقها . قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الآية . لا يخفى ما فيها من قراءة نافع في لفظ النَّبِيُّونَ ، وفيها لورش أربعة أوجه : قصر البدل في آمَنَّا و أُوتِيَ معا و النَّبِيُّونَ وعليه فتح ذات الياء وتوسط البدل فيما ذكر وعليه التقليل ومد البدل وعليه الفتح والتقليل . وَهُوَ معا أسكن الهاء قالون والبصري وعلي وأبو جعفر ، وضمه

موقع حَـدِيث