الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَإِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ اسْمُهُ : وَلَإِنْ جِئْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، بِكُلِّ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ - وَهِيَ الْآيَةُ - بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ ، مِنْ فَرْضِ التَّحَوُّلِ مِنْ قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ ، إِلَى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، مَا صَدَّقُوا بِهِ ، وَلَا اتَّبَعُوا - مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ - قِبْلَتَكَ الَّتِي حَوَّلْتُكَ إِلَيْهَا ، وَهِيَ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأُجِيبَتْ لَإِنْ بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ ، وَحُكْمُهَا الْجَوَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لَهَا بِ لَوْ ، فَأُجِيبَتْ بِمَا تُجَابُ بِهِ لَوْ ، لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا . وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .
وَأُجِيبَتْ لَوْ بِجَوَابِ الْأَيْمَانِ . وَلَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُشَابِهُ الْيَمِينِ : فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتِمُّ أَوَّلُهُ إِلَّا بِآخِرِهِ ، وَلَا يَتِمُّ وَحْدَهُ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ بَعْدَهُ . فَلَمَّا بَدَأَ بِالْيَمِينِ فَأُدْخِلَتْ عَلَى الْجَزَاءِ ، صَارَتِ اللَّامُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ ، وَالثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ جَوَابٍ لَهَا ، كَمَا قِيلَ : لَعَمْرُكَ لَتَقُومَنَّ إِذْ كَثُرَتِ اللَّامُ مِنْ لَعَمْرُكَ ، حَتَّى صَارَتْ كَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ ، فَأُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْأَيْمَانُ ، إِذْ كَانَتِ اللَّامُ تَنُوبُ فِي الْأَيْمَانِ عَنِ الْأَيْمَانِ ، دُونَ سَائِرِ الْحُرُوفِ ، غَيْرَ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِهِ الْأَيْمَانُ .
فَتَدُلُّ عَلَى الْأَيْمَانِ وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْأَجْوِبَةِ ، وَلَا تَدُلُّ سَائِرُ أَجْوِبَةِ الْأَيْمَانِ لَنَا عَلَى الْأَيْمَانِ . فُشُبِّهَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي جَوَابِ الْأَيْمَانِ بِالْأَيْمَانِ ، لِمَا وَصَفْنَا ، فَأُجِيبَتْ بِأَجْوِبَتِهَا . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : لَوْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قَبِلَتْكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ، يَقُولُ : وَمَا لَكَ مِنْ سَبِيلٍ يَا مُحَمَّدُ إِلَى اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِصَلَاتِهَا ، وَأَنَّ النَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ ، فَأَنَّى يَكُونُ لَكَ السَّبِيلُ إِلَى إِتْبَاعِ قِبْلَتِهِمْ . مَعَ اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا ؟ يَقُولُ : فَالْزَمْ قِبْلَتَكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَقُولُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَتَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنْ قِبْلَتِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَمَا الْيَهُودُ بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ النَّصَارَى ، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ الْيَهُودِ فَمُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهَا ، كَمَا : - 2257 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَمَا بَعْضُهُمْ بَتَّابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ، يَقُولُ : مَا الْيَهُودُ بِتَابِعِي قِبْلَةِ النَّصَارَى ، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعِي قِبْلَةِ الْيَهُودِ . قَالَ : وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ مُحَمَّدًا اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَمَوْلِدِهِ! وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِيَعْلَمُونِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إِلَى قَوْلِهِ : لَيَكْتُمُونِ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . 2258 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ، مِثْلَ ذَلِكَ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا تَجْتَمِعُ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، مَعَ إِقَامَةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّتِهِمْ . فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، لَا تُشْعِرْ نَفْسَكَ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ . لِأَنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِرْضَاءِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ .
مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ الْيَهُودِ أَسْخَطْتَ النَّصَارَى ، وَإِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ النَّصَارَى أَسَخَطْتَ الْيَهُودَ ، فَدَعْ مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَادْعُهُمْ إِلَى مَا لَهُمُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ ، مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِلَّتِكَ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَقِبْلَتِكَ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَإِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ، وَلَإِنِ الْتَمَسْتَ يَا مُحَمَّدُ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، فَاتَّبَعْتَ قِبْلَتَهُمْ - يَعْنِي : فَرَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، مِنْ بَعْدِ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى بَاطِلٍ ، وَعَلَى عِنَادٍ مِنْهُمْ لِلْحَقِّ ، وَمَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهْتُكَ إِلَيْهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي فَرَضْتُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَائِرِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الرُّسُلِ - التَّوَجُّهَ نَحْوَهَا ، إِنَّكَ إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ، يَعْنِي : إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ، مِنْ عِبَادِي الظَّلَمَةِ أَنْفُسَهُمْ ، الْمُخَالِفِينَ أَمْرِي ، وَالتَّارِكِينَ طَاعَتِي ، وَأَحَدُهُمْ وَفِي عِدَادِهِمْ .