الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَخَرَجْتَ يَا مُحَمَّدُ ، فَوَلِّ وَجْهَكَ تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهُوَ شَطْرُهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ، وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ تُجَاهَهُ وَقِبَلَهُ وَقَصْدَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ ، أَهْلَ الْكِتَابِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2292 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ . قَالُوا - حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ - : اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ! 2293 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، قَالُوا - حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ - : اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ! فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ؟ قِيلَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ . قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : مَا دَرَى مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قَبِلَتْهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ! وَقَوْلَهُمْ : يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ فِي دِينِنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا! فَهِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ ، وَالتَّمْوِيهِ مِنْهُمْ بِهَا عَلَى الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْغَبَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى حِجَاجِ الْقَوْمِ إِيَّاهُ ، الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ ، إِنَّمَا هِيَ الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ . فَقَطَعَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ مِنْ حُجَّتِهِمْ ، وَحَسَمَهُ بِتَحْوِيلِ قِبْلَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، مِنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ، يَعْنِي بِ النَّاسِ ، الَّذِينَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفْتُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فِيمَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2295 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : هُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ .
2299 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، فِي تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ - حُجَّةٌ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْتَ وَذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَيْكُمْ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى بَاطِلٌ غَيْرَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ دَعْوَى بَاطِلًا وَخُصُومَةً بِغَيْرِ حَقٍّ ، بِقِيلِهِمْ لَكُمْ : رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى قِبْلَتِنَا ، وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا . فَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَأَمَانِيِّهِمُ الْبَاطِلَةِ ، هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ . وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ ، إِذْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي قِبْلَتِهِمُ الَّتِي وَجَّهَهُمْ إِلَيْهَا حُجَّةٌ .
2303 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا : مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . يَقُولُ : إِنَّهُمْ سَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ ، فَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصِرَافَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنَّهُمْ قَالُوا سَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . 2304 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
2305 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِيمَا يَذْكُرُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : لَمَّا صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، بَعْدَ صِلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : تُحِيِّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ دِينُهُ! فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إِلَيْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ سَبِيلًا وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي . 2306 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : قَوْلُهُ : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَالَ : قَالَتْ قُرَيْشٌ - لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَأُمِرَ بِهَا : - مَا كَانَ يَسْتَغْنِي عَنَّا! قَدِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا! فَهِيَ حُجَّتُهُمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : حُجَّتُهُمْ ، قَوْلُهُمْ : رَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِنَا! فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلَهُ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْرُوفِ ، الَّذِي ثَبَتَ فِيهِمْ لِمَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مَا كَانَ مَنْفِيًّا عَمَّا قَبْلَهُ . كَمَا قَوْلُ الْقَائِلِ مَا سَارَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ ، إِثْبَاتٌ لِلْأَخِ مِنَ السَّيْرِ مَا هُوَ مَنْفِيٌّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ .
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، نَفَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ خُصُومَةٌ وَجَدَلٌ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعْوَى بَاطِلٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، بِسَبَبِ تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ قِبَلَ الْكَعْبَةِ - إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ لَهُمْ قِبَلَهُمْ خُصُومَةً وَدَعْوَى بَاطِلًا بِأَنْ يَقُولُوا : إِنَّمَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْنَا وَإِلَى قِبْلَتِنَا ، لِأَنَّا كُنَّا أَهْدَى مِنْكُمْ سَبِيلًا وَأَنَّكُمْ كُنْتُمْ بِتَوَجُّهِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ بِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، فَبَيِّنٌ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَأَنَّ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ . لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ ، لَكَانَ النَّفْيُ الْأَوَّلُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ - أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَحَوُّلِهِمْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ بِوُجُوهِهِمْ - مُبَيِّنًا عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا التَّلْبِيسَ الَّذِي يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ أَوْ يُوصَفَ بِهِ .
هَذَا مَعَ خُرُوجِ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا وَجَّهْتَ إِلَّا إِلَى مَعْنَى الْوَاوِ ، وَمَعْنَى الْعَطْفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ إِلَّا فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، إِلَّا مَعَ اسْتِثْنَاءٍ سَابِقٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا . كَقَوْلِ الْقَائِلِ : سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ ، بِمَعْنَى : إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ ، فَتَكُونُ إِلَّا حِينَئِذٍ مُؤَدِّيَةً عَمَّا تُؤَدِّي عَنْهُ الْوَاوُ ، لِتَعَلُّقِ إِلَّا الثَّانِيَةِ بِ إِلَّا الْأُولَى .
وَيُجْمَعُ فِيهَا أَيْضًا بَيْنَ إِلَّا وَ الْوَاوِ فَيُقَالُ : سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَإِلَّا أَخَاكَ ، فَتُحْذَفُ إِحْدَاهُمَا ، فَتَنُوبُ الْأُخْرَى عَنْهَا ، فَيُقَالُ : سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ - أَوْ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبَلُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمُدَّعٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ يَدَّعِيَ أَنَّ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْوَاوِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْعَطْفِ . وَوَاضِحٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ .
كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ : النَّاسُ كُلُّهُمْ لَكَ حَامِدُونَ إِلَّا الظَّالِمَ [ لَكَ ] الْمُعْتَدِيَ عَلَيْكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ بعُداوَنِهِ وَلَا بِتَرْكِهِ الْحَمْدَ ، لِمَوْضِعِ الْعَدَاوَةِ . وَكَذَلِكَ الظَّالِمُ لَا حُجَّةَ لَهُ ، وَقَدْ سُمِّيَ ظَالِمًا لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى تَخْطِئَةِ مَا ادَّعَى مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَأِ مَقَالَتِهِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَخْطِئَتِهَا .
وَظَاهِرٌ بُطُولُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ : أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هَاهُنَا ، نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَهُودًا وَنَصَارَى ، فَكَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ ، وَكَانَتْ حُجَّةُ مَنْ يَحْتَجُّ مُنْكَسِرَةً . لِأَنَّكَ تَقُولُ لِمَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكْسِرَ عَلَيْهِ حُجَّتَهُ : إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُجَّةً وَلَكِنَّهَا مُنْكَسِرَةٌ ، وَإِنَّكَ لَتَحْتَجُّ بِلَا حُجَّةٍ ، وَحُجَّتُكَ ضَعِيفَةٌ . وَوَجَّهَ مَعْنَى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إِلَى مَعْنَى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةً وَاهِيَةً أَوْ حُجَّةً ضَعِيفَةً .
وَوَهْيُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى لَكِنْ . وَضَعْفُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِمَعْنَى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ . لِأَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ صِفَةِ حُجَّتِهِمْ بِالضَّعْفِ وَلَا بِالْقُوَّةِ - وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ - وَإِنَّمَا قَصَدَ فِيهِ الْإِثْبَاتَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ، مَا قَدْ نَفَى عَنِ الَّذِينَ قَبْلَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الصِّفَةِ .
2307 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ الرَّبِيعُ : إِنَّ يَهُودِيًّا خَاصَمَ أَبَا الْعَالِيَةِ فَقَالَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ . قَالَ : قَالَ : فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ ، فَإِنَّهُ نَحَتَهُ مِنَ الْجَبَلِ .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : قَدْ صَلَّيْتُ فِيهِ وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ . قَالَ الرَّبِيعُ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ، يَعْنِي : فَلَا تَخْشَوْا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ مِنَ الظَّلَمَةِ فِي حُجَّتِهِمْ وَجِدَالِهِمْ وَقَوْلِهِمْ مَا يَقُولُونَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا ، وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا! - أَوْ أَنْ يَقْدِرُوا لَكُمْ عَلَى ضُرٍّ فِي دِينِكُمْ أَوْ صَدِّكُمْ عَمَّا هَدَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ مِنَ الْحَقِّ ، وَلَكِنِ اخْشَوْنِي ، فَخَافُوا عِقَابِي ، فِي خِلَافِكُمْ أَمْرِي إِنْ خَالَفْتُمُوهُ .
وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَقَدُّمٌ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، بِالْحَضِّ عَلَى لُزُومِ قِبْلَتِهِمْ وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا ، وَبِالنَّهْي عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِهَا . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاخْشَوْنِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي تَرْكِ طَاعَتِي فِيمَا أَمَرَتْكُمْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَقَدْ حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ مَا : - 2308 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ، يَقُولُ : لَا تَخْشَوْا أَنْ أَرُدَّكُمْ فِي دِينِهِمْ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَحَيْثُ كُنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَطْرَهُ ، وَاتَّخَذُوهُ قِبْلَةً لَكُمْ ، كَيْلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ - سِوَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ - حُجَّةٌ ، وَلِأُتِمَّ بِذَلِكَ - مِنْ هِدَايَتِي لَكُمْ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الَّذِي جَعَلَتْهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ - نِعْمَتِي ، فَأُكْمِلَ لَكُمْ بِهِ فَضْلِي عَلَيْكُمْ ، وَأُتْمِمْ بِهِ شَرَائِعَ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي وَصَّيْتُ بِهَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَهُمْ .
وَذَلِكَ هُوَ نِعْمَتُهُ الَّتِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ مُتِمُّهَا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَقَوْلِهِ : وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، يَعْنِي : وَكَيْ تُرْشَدُوا لِلصَّوَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ . وَ لَعَلَّكُمْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : لِئَلَّا يَكُونَ .