الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ "
قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ قَالَ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا فِي قَوْلِهِ : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ، مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْخَبَرِ عَنِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَعُمَّ بِهِ غَيْرُهُ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ تَظَاهُرَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَصَفَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ ، فَأَخْبَرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَبْوَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ يَشُمُّونَ مِنْهَا رَوْحَهَا ، وَيَسْتَعْجِلُونَ اللَّهَ قِيَامَ السَّاعَةِ ، لِيَصِيرُوا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنْهَا ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهَالِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِيهَا ، وَعَنِ الْكَافِرِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَبْوَابٌ إِلَى النَّارِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا ، وَيُصِيبُهُمْ مِنْ نَتَنِهَا وَمَكْرُوهِهَا ، وَيُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مَنْ يَقْمَعُهُمْ فِيهَا ، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ فِيهَا تَأْخِيرَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، حِذَارًا مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا ، مَعَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ . وَإِذَا كَانَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا الَّذِي خُصَّ بِهِ الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مِمَّا لَمْ يُعَمُّ بِهِ سَائِرُ الْبَشَرِ غَيْرُهُ مِنَ الْحَيَاةِ ، وَسَائِرُ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ غَيْرُهُ أَحْيَاءٌ فِي الْبَرْزَخِ ، أَمَّا الْكُفَّارُ فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ بِالْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَمُنَعَّمُونَ بِالرُّوحِ وَالرَّيْحَانِ وَنَسِيمِ الْجِنَانِ ؟ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي ذَلِكَ ، وَأَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، إِعْلَامُهُ إِيَّاهُمْ أَنَّهُمْ مَرْزُوقُونَ مِنْ مَآكِلِ الْجَنَّةِ وَمَطَاعِمِهَا فِي بَرْزَخِهِمْ قَبْلَ بَعْثِهِمْ ، وَمُنَعَّمُونَ بِالَّذِي يُنَعَّمُ بِهِ دَاخِلُوهَا بَعْدَ الْبَعْثِ مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ ، مِنْ لَذِيذِ مَطَاعِمِهَا الَّذِي لَمْ يُطْعِمْهَا اللَّهُ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فِي بِرَزْخِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ الْخَبَرَ عَمَّا ذَكَرْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنِ الشُّهَدَاءِ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا فِي الْبَرْزَخِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ حَالِهِمْ ، أَمْوَاتٌ هُمْ أَمْ أَحْيَاءٌ . قِيلَ : إِنَّ الْمَقْصُودَ بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْ حَيَاتِهِمْ ، إِنَّمَا هُوَ الْخَبَرُ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا كَانَ قَدْ أَنْبَأَ عِبَادَهُ عَمَّا خَصَّ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 169 ] ، وَعَلِمُوا حَالَهُمْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ، نَهْيَ خَلْقِهِ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لِلشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ مَوْتَى تَرَكَ إِعَادَةَ ذِكْرِ مَا قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خَبَرِهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَلَكِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُمْ فَتَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَإِنَّمَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِخَبَرِي إِيَّاكُمْ بِهِ .
وَإِنَّمَا رَفْعُ قَوْلُهُ : أَمْوَاتٌ بِإِضْمَارٍ مَكْنِيٍّ عَنْ أَسْمَاءِ مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُمْ أَمْوَاتٌ . وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ فِي الْأَمْوَاتِ ، لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَعْمَلُ فِيهِمْ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : بَلْ أَحْيَاءٌ ، رَفْعٌ ، بِمَعْنَى : هُمْ أَحْيَاءٌ .