الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ ، إِذْ تَبْرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 2413 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، وَهُمُ الْجَبَابِرَةُ وَالْقَادَةُ وَالرُّءُوسُ فِي الشِّرْكِ ، مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الضُّعَفَاءُ ، وَرَأَوُا الْعَذَابَ . 2414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قَالَ : تَبَرَّأَتِ الْقَادَةُ مِنَ الْأَتْبَاعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
2415 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قَالَ : تَبْرَأَ رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 2416 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَمَّا الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، فَهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنَ الْإِنْسِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُتَّبَعِينَ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ حِينَ يُعَايِنُونَ عَذَابَ اللَّهِ .
وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، بَلْ عَمَّ جَمِيعَهُمْ . فَدَاخِلٌ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَتْبُوعٍ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالضَّلَالِ أَنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُ عَلَى الضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا ، إِذَا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ . وَأَمَّا دَلَالَةُ الْآيَةِ فِي مَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْدَادَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُ بِقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، هُمُ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ .
وَإِذْ كَانَتِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ دَالَّةً ، صَحَّ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، أَنَّ الْأَنْدَادَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الْأَنْدَادُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ ، وَيَعْصُونَ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ، كَمَا يُطِيعُ اللَّهَ الْمُؤْمِنُونَ وَيَعْصُونَ غَيْرَهُ وَفَسَدَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، إِنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ . لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، وَإِذْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَسْبَابِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 2417 - حَدَّثَنِي بِهِ يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، - عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : الْوِصَالُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا . 2418 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ﴾ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 67 ] ، فَصَارَتْ كُلُّ خُلَّةٍ عَدَاوَةً عَلَى أَهْلِهَا إِلَّا خُلَّةَ الْمُتَّقِينَ . 2425 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : هُوَ الْوَصْلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا . 2426 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ، يَقُولُ : الْأَسْبَابُ ، النَّدَامَةُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَى الْأَسْبَابُ ، الْمَنَازِلُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2427 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ، يَقُولُ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْمَنَازِلُ . 2428 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : الْأَسْبَابُ الْمَنَازِلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَسْبَابُ ، الْأَرْحَامُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2429 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : الْأَرْحَامُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَسْبَابُ ، الْأَعْمَالُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2430 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ، فَالْأَعْمَالُ . 2431 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قَالَ : أَسْبَابُ أَعْمَالِهِمْ ، فَأَهْلُ التَّقْوَى أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمْ وَثِيقَةً ، فَيَأْخُذُونَ بِهَا فَيَنْجُونَ ، وَالْآخَرُونَ أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، فَتُقَطَّعُ بِهِمْ فَيَذْهَبُونَ فِي النَّارِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْأَسْبَابُ ، الشَّيْءُ يُتَعَلَّقُ بِهِ .
قَالَ : وَ السَّبَبُ الْحَبْلُ . وَالْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ الرَّجُلُ إِلَى طَلِبَتِهِ وَحَاجَتِهِ . فَيُقَالُ لِلْحَبَلِ سَبَبٌ ، لِأَنَّهُ يُتَسَبَّبُ بِالتَّعَلُّقِ بِهِ إِلَى الْحَاجَةِ الَّتِي لَا يُوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِهِ .
وَيُقَالُ لِلطَّرِيقِ سَبَبٌ ، لِلتَّسَبُّبِ بِرُكُوبِهِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِقَطْعِهِ . وَلِلْمُصَاهَرَةِ سَبَبٌ ، لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْحُرْمَةِ . وَلِلْوَسِيلَةِ سَبَبٌ ، لِلْوُصُولِ بِهَا إِلَى الْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ بِهِ إِدْرَاكُ الطَّلِبَةِ ، فَهُوَ سَبَبٌ لِإِدْرَاكِهَا .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ - يَتَبَرَّأُ عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ الْمَتْبُوعُ مِنَ التَّابِعِ ، وَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الْأَسْبَابُ . وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَلْعَنُ بَعْضًا ، وَأَخْبَرَ عَنِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ يَقُولُ لِأَوْلِيَائِهِ : مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ ﴿الْأَخِلَّاءَ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يَنْصُرُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ﴾ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 24 - 25 ] وَأَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَا يَنْفَعُهُ نَسِيبُهُ وَلَا ذُو رَحِمِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَسِيبُهُ لِلَّهِ وَلِيًّا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 114 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ . وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي أَسْبَابٌ يُتَسَبَّبُ فِي الدُّنْيَا بِهَا إِلَى مَطَالِبَ ، فَقَطَعَ اللَّهُ مَنَافِعَهَا فِي الْآخِرَةِ عَنِ الْكَافِرِينَ بِهِ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِخِلَافِ طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ بِأَهْلِهَا .
فَلَا خِلَالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا نَفْعَهُمْ عِنْدَ ورُودِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَلَا عِبَادَتُهُمْ أَنْدَادَهُمْ وَلَا طَاعَتُهُمْ شَيَاطِينَهُمْ ؛ وَلَا دَافَعَتْ عَنْهُمْ أَرْحَامٌ فَنَصَرَتْهُمْ مِنَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِنْهُمْ ، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ أَعْمَالُهُمْ ، بَلْ صَارَتْ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ . فَكُلُّ أَسْبَابِ الْكُفَّارِ مُنْقَطِعَةٌ . فَلَا مَعْنَى أَبْلَغُ - فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ - مِنْ صِفَةِ اللَّهِ [ ذَلِكَ ] وَذَلِكَ مَا بَيَّنَا مِنْ [ تَقَطُّعِ ] جَمِيعِ أَسْبَابِهِمْ دُونَ بَعْضِهَا ، عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ خَاصٌّ مِنَ الْأَسْبَابِ ، سُئِلَ عَنِ الْبَيَانِ عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ أَصْلٍ لَا مُنَازِعَ فِيهِ ، وَعُورِضَ بِقَوْلِ مُخَالِفِهِ فِيهِ . فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .