الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا "
2497 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ، وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 77 ] نَزَلَتَا جَمِيعًا فِي يَهُودَ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : يَبْتَاعُونَ بِهِ . وَالْهَاءُ الَّتِي فِي بِهِ ، مِنْ ذِكْرِ الْكِتْمَانِ .
فَمَعْنَاهُ : ابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا كَتَمُوا النَّاسَ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِ نُبُوَّتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي كَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى تَحْرِيفِهِمْ كِتَابَ اللَّهِ وَتَأْوِيلِهِمُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ الْيَسِيرَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ، كَمَا : - 2498 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا قَالَ : كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا فَهُوَ الثَّمَنُ الْقَلِيلُ . وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى صِفَةَ اشْتِرَائِهِمْ ذَلِكَ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ ، - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَسِيسِ مِنَ الرِّشْوَةِ يُعْطَوْنَهَا ، فَيُحَرِّفُونَ لِذَلِكَ آيَاتِ اللَّهِ وَيُغَيِّرُونَ مَعَانِيَهَا مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ - بِأَكْلِهِمْ مَا أَكَلُوا مِنَ الرُّشَى عَلَى ذَلِكَ وَالْجُعَالَةِ ، وَمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا النَّارَ - يَعْنِي : إِلَّا مَا يُورِدُهُمُ النَّارَ وَيُصْلِيهُمُوهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 10 ] مَعْنَاهُ : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا مَا يُورِدُهُمُ النَّارَ بِأَكْلِهِمْ . فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ النَّارِ وَفَهْمِ السَّامِعِينَ مَعْنَى الْكَلَامِ ، عَنْ ذِكْرِ مَا يُورِدُهُمْ ، أَوْ يُدْخِلُهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2499 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ ، يَقُولُ : مَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْرِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يَكُونُ الْأَكْلُ فِي غَيْرِ الْبَطْنِ فَيُقَالُ : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ؟ قِيلَ : قَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ : جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي ، وَشَبِعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي ، فَقِيلَ : فِي بُطُونِهِمْ لِذَلِكَ ، كَمَا يُقَالُ : فَعَلَ فُلَانٌ هَذَا نَفْسُهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فِيمَا مَضَى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : وَلَا يُكَلِّمُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَيَشْتَهُونَ ، فَأَمَّا بِمَا يَسُوءُهُمْ وَيَكْرَهُونَ ، فَإِنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ . لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ - إِذَا قَالُوا : ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ١٠٧ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ الْآيَتَيْنِ [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 107 - 108 ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَعْنِي : مُوجِعٌ