الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : لَا تُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ منَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، بَلْ كُلُوا ذَلِكَ ، فَإِنِّي لَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكُمْ غَيْرَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِي . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ، مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْمَيْتَةَ . وَإِنَّمَا : حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَلِذَلِكَ نُصِبَتِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْمَيْتَةِ إِذَا جُعِلَتْ إِنَّمَا حَرْفًا وَاحِدًا - إِلَّا النَّصْبُ .
وَلَوْ كَانَتْ إِنَّمَا حَرْفَيْنِ ، وَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً مِنْ إِنَّ ، لَكَانَتِ الْمَيْتَةُ مَرْفُوعَةً وَمَا بَعْدَهَا . وَكَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ .
وَلَسْتُ لِلْقِرَاءَةِ بِهِ مُسْتَجِيزًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ - لِاتِّفَاقِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ . وَلَوْ قُرِئَ فِي حُرِّمَ بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ حَرَّمَ ، لَكَانَ فِي الْمَيْتَةِ وَجْهَانِ مِنَ الرَّفْعِ .
أَحَدُهُمَا : مِنْ أَنَّ الْفَاعِلَ غَيْرُ مُسَمًّى ، وَإِنَّمَا حَرْفٌ وَاحِدٌ . وَالْآخَرُ : إِنَّ وَ مَا فِي مَعْنَى حَرْفَيْنِ ، وَ حُرِّمَ مِنْ صِلَةِ مَا ، وَالْمَيْتَةُ خَبَرُ الَّذِي مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ . وَلَسْتُ ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَيْضًا وَجْهٌ ، مُسْتَجِيزًا لِلْقِرَاءَةِ بِهِ ، لِمَا ذَكَرْتُ .
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهَا . فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ ، وَمَعْنَاهُ فِيهَا التَّشْدِيدُ ، وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُهَا كَمَا يُخَفِّفُ الْقَائِلُونَ فِي : هُوَ هَيِّنٌ لَيِّنٌ الْهَيْنُ اللَّيْنُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، فِي مَعْنَى وَاحِدٍ . وَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، وَحَمَلُوهَا عَلَى الْأَصْلِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا هُوَ مَيْوِتٌ ، فَيْعِلٌ ، مِنَ الْمَوْتِ .
وَلَكِنَّ الْيَاءَ السَّاكِنَةَ وَ الْوَاوَ الْمُتَحَرِّكَةَ لَمَّا اجْتَمَعَتَا ، وَالْيَاءُ مَعَ سُكُونِهَا مُتَقَدِّمَةٌ ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَشُدِّدَتْ ، فَصَارَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي سَيِّدٍ وَجَيِّدٍ . قَالُوا : وَمَنْ خَفَّفَهَا ، فَإِنَّمَا طَلَبَ الْخِفَّةَ . وَالْقِرَاءَةُ بِهَا عَلَى أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا أَوْلَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ فِي يَاءِ الْمَيْتَةِ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَبِأَيِّهِمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَيَيْهِمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، أَوْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ .
وَإِنَّمَا قِيلَ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا ذَبْحَ مَا قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ، سَمَّوُا اسْمَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي قَرَّبُوا ذَلِكَ لَهَا ، وَجَهَرُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتَهُمْ ، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ - : مُهِلٌّ . فَرَفْعُهُمْ أَصْوَاتَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ الْإِهْلَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمُلَبِّي فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مُهِلٌّ ، لِرَفْعِهِ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ .
وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ ، إِذَا صَاحَ عِنْدَ سُقُوطِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، وَاسْتِهْلَالُ الْمَطَرِ ، وَهُوَ صَوْتُ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ : ظَلَمَ الْبِطَاحَ لَهُ انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2468 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
2472 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : مَا أَهَّلَ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ . 2473 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، يَعْنِي : مَا أُهِلَّ لِلطَّوَاغِيتِ كُلِّهَا . يَعْنِي : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
2474 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2475 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، يَقُولُ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ .
2476 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ - وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ - قَالَ : مَا يُذْبَحُ لِآلِهَتِهِمُ ، الْأَنْصَابُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا أَوْ يُسَمُّونَ أَسْمَاءَهَا عَلَيْهَا . قَالَ : يَقُولُونَ : بِاسْمِ فُلَانٍ ، كَمَا تَقُولُ أَنْتَ : بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . 2477 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ عَقَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ التُّجِيبِيِّ وَقَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : أُحِلَّ لَنَا مَا ذُبِحَ لِعِيدِ الْكَنَائِسِ ، وَمَا أُهْدِيَ لَهَا مِنْ خُبْزٍ أَوْ لَحْمٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ .
قَالَ حَيْوَةُ ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَجُوسُ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ وَالْمُشْرِكُونَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَمَنِ اضْطُرَّ ، فَمَنْ حَلَّتْ بِهِ ضَرُورَةُ مَجَاعَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ - وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا - فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ إِنْ أَكَلَهُ . وَقَوْلُهُ : فَمَنِ اضْطُرَّ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ .
وَ غَيْرَ بَاغٍ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ مَنْ ، فَكَأَنَّهُ . قِيلَ : فَمَنِ اضْطُرَّ لَا بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا فَأَكَلَهُ ، فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَمَنِ اضْطُرَّ ، فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2478 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : الرَّجُلُ يَأْخُذُهُ الْعَدُوُّ فَيَدْعُونَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ مُخْتَلِفُونَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : غَيْرَ بَاغٍ ، غَيْرَ خَارِجٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِسَيْفِهِ بَاغِيًا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوْرٍ ، وَلَا عَادِيًا عَلَيْهِمْ بِحَرْبٍ وَعُدْوَانٍ ، فَمُفْسِدٌ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2479 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ لَيْثًا عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : غَيْرَ قَاطِعِ سَبِيلٍ ، وَلَا مَفَارِقِ جَمَاعَةٍ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ . 2480 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ ، يَقُولُ : لَا قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ ، وَلَا مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ ، وَلَا خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ . وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ .
وَإِذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ . 2484 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَلَا عَادٍ قَالَ : قَاطِعُ السَّبِيلِ . 2485 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : غَيْرَ قَاطِعٍ السَّبِيلَ ، وَلَا مُفَارِقٍ الْأَئِمَّةَ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَهُ الرُّخْصَةُ .
2486 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَلَا عَادٍ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ : غَيْرَ بَاغٍ الْحَرَامَ فِي أَكْلِهِ ، وَلَا مُعْتَدٍ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَيَقُولُ : هَذَا وَهَذَا وَاحِدٌ! وَقَالَ آخَرُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، وَلَا عَادٍ فَوْقَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2493 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ . أَمَّا بَاغٍ ، فَيَبْغِي فِيهِ شَهْوَتَهُ .
وَأَمَّا الْعَادِي ، فَيَتَعَدَّى فِي أَكْلِهِ ، يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ حَاجَتَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ بِأَكْلِهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ ، وَلَا عَادٍ فِي أَكْلِهِ ، وَلَهُ عَنْ تَرْكِ أَكْلِهِ - بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ - مَنْدُوحَةٌ وَغِنًى . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاطِعَ الطَّرِيقَ ، وَإِنْ كَانَا قَدْ أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا : مِنْ خُرُوجِ هَذَا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ، وَسَعْيِ هَذَا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَغَيْرُ مُبِيحٍ لَهُمَا فِعْلُهُمَا مَا فَعَلَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا - مَا كَانَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قَبْلَ إِتْيَانِهِمَا مَا أَتَيَا مِنْ ذَلِكَ - مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمَا . [ وَرَدُّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ فِعْلِهِمَا مَا فَعَلَا وَإِنْ كَانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ مُرَخَّصًا لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ نَرَ رَدَّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمًا ، فَغَيْرُ مُرَخِّصٍ لَهُمَا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حَرَامًا ] . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْبُغَاةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ ، الْأَوْبَةُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَا أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ - لَا قَتْلُ أَنْفُسِهِمَا بِالْمَجَاعَةِ ، فَيَزْدَادَانِ إِلَى إِثْمِهِمَا إِثْمًا ، وَإِلَى خِلَافِهِمَا أَمْرَ اللَّهِ خِلَافًا .
وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، فَأَكَلَ ذَلِكَ شَهْوَةً ، لَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ الْمُخَوِّفِ مِنْهَا الْهَلَاكَ - مِمَّا قَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا . فَأَمَّا تَوْجِيهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَا عَادٍ ، وَلَا آكِلٍ مِنْهُ شِبْعَةً ، وَلَكِنْ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضُ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ . وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ مَعْنًى ، فَيُقَالُ عَنَى بِهِ بَعْضَ مَعَانِيهِ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّهُ الِاعْتِدَاءُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ الْمُحَرَّمَةِ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، يَقُولُ : مِنْ أَكَلَ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا ، فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِي إِسْلَامِكُمْ ، فَاجْتَنَبْتُمْ أَكْلَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَتَرَكْتُمُ اتِّبَاعَ الشَّيْطَانِ فِيمَا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ - طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاقْتِفَاءً مِنْكُمْ خُطُوَاتِهِ - مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ ، فِي كُفْرِكُمْ وَقَبْلَ إِسْلَامِكُمْ ، فِي ذَلِكَ مِنْ خَطَأٍ وَذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ ، فَصَافِحٌ عَنْكُمْ ، وَتَارِكٌ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ ، رَحِيمٌ بِكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ .