الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ الْبِرَّ الصَّلَاةُ وَحْدَهَا ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْخِصَالُ الَّتِي أُبَيِّنُهَا لَكُمْ . 2513 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، يَعْنِي : الصَّلَاةَ .
يَقُولُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا ، فَهَذَا مُنْذُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ونَزَلَتِ الْفَرَائِضُ ، وَحَدَّ الْحُدُودَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَلِ بِهَا . 2514 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ . 2515 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2516 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، يَعْنِي : الصَّلَاةَ . يَقُولُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، يَعْنِي السُّجُودَ ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَا ثَبَتَ فِي الْقَلْبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ .
2517 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا ، قَالَ يَقُولُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ . وَهَذَا حِينَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ الْفَرَائِضَ وَحَدَّ الْحُدُودَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَمَرَ بِالْفَرَائِضِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .
وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تُصَلِّي فَتُوَجِّهُ قِبَلَ الْمَغْرِبِ وَالنَّصَارَى تُصَلِّي فَتُوَجِّهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ ، يُخْبِرُهُمْ فِيهَا أَنَّ الْبِرَّ غَيْرُ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ ، وَلَكِنَّهُ مَا بَيَّنَاهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2518 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ وَالنَّصَارَى تُصَلِّي قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، فنَزَلَتْ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . 2519 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ فأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الرَّجُلَ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ .
وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْفَرَائِضِ إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ وَيُطْمَعُ لَهُ فِي خَيْرٍ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَغْرِبِ وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ - وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ الْآيَةَ . 2520 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، فَنَزَلَتْ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى . لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا مَضَتْ بِتَوْبِيخِهِمْ وَلَوْمِهِمْ ، وَالْخَبَرِ عَنْهُمْ وَعَمَّا أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ . وَهَذَا فِي سِيَاقِ مَا قَبْلَهَا ، إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، - لَيْسَ الْبِرَّ ، - أَيُّهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنْ يُوَلِّيَ بَعْضُكُمْ وَجْهَهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَبَعْضُكُمْ قِبَلَ الْمَغْرِبِ ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ الْآيَةَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ قِيلَ : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْبِرَّ فِعْلٌ ، وَ مَنْ اسْمٌ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْفِعْلُ هُوَ الْإِنْسَانُ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ مَا تَوَهَّمْتَهُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَوَضَعَ مَنْ مَوْضِعَ الْفِعْلِ ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَتِهِ ، وَدَلَالَةِ صِلَتِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ صِفَةٌ ، مِنَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ ، كَمَا تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ ، فَتَضَعُ الْأَسْمَاءَ مَوَاضِعَ أَفْعَالِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا مَشْهُورَةٌ ، فَتَقُولُ : الْجُودُ حَاتِمٌ ، وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ ، وَ إِنَّمَا الْجُودُ حَاتِمٌ وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ ، وَمَعْنَاهَا : الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ فَتَسْتَغْنِي بِذِكْرِ حَاتِمٍ إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجُودِ ، مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْجُودِ بَعْدَ الَّذِي قَدْ ذَكَرَتْهُ ، فَتَضَعُهُ مَوْضِعَ جُودِهِ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا حَذَفَتْهُ ، اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرَتْهُ عَمَّا لَمْ تَذْكُرْهُ . كَمَا قِيلَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [ سُورَةُ يُوسُفَ : 82 ] وَالْمَعْنَى : أَهْلُ الْقَرْيَةِ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ ، وَهُوَ ذُو الْخِرَقِ الطُّهَوِيُّ : حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! وَمَا هي وَيْبَ غَيْرِكَ بالْعَنَاقِ يُرِيدُ : بُغَامَ عَنَاقٍ ، أَوْ صَوْتَ [ عَنَاقٍ ] ، كَمَا يُقَالُ : حَسِبْتَ صِيَاحِي أَخَاكَ ، يَعْنِي بِهِ : حَسِبْتَ صِيَاحِي صِيَاحَ أَخِيكَ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، فَيَكُونُ الْبِرُّ مَصْدَرًا وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، وَأَعْطَى مَالَهُ فِي حِينِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ ، وَضِنِّهِ بِهِ ، وَشُحِّهِ عَلَيْهِ ، . كَمَا : - 2521 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ لَيْثًا ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْبَكِيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، أَيْ : يُؤْتِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، يَأْمُلُ الْعَيْشَ وَيَخْشَى الْفَقْرَ . 2522 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَا جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ قَالَ : وَأَنْتَ صَحِيحٌ ، تَأْمُلُ الْعَيْشَ ، وَتَخْشَى الْفَقْرَ .
2526 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : إِذَا زَكَّى الرَّجُلُ مَالَهُ ، أَيَطِيبُ لَهُ مَالُهُ؟ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَى وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ إِلَى آخِرِهَا ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي سَبْعِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ . فَقَالَ : اجْعَلِيهَا فِي قَرَابَتِكِ . 2527 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ : إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ .
2528 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءٍ فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ : إِنْ لِي إِبِلًا فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ : نَعَمْ! قَالَ : مَاذَا؟ قَالَ : عَاريَّةُ الدَّلْوِ ، وَطَرُوقُ الْفَحْلِ ، وَالْحَلْبُ . 2529 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، ذَكَرَهُ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ فِي : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تُعْطِيهِ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تُطِيلُ الْأَمَلَ ، وَتَخَافُ الْفَقْرَ . وَذُكِرَ أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ ، حَقٌّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَفْعَلَهُ ، سِوَى الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ .
2530 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : لَيْسَ الْبِرَّ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ . 2531 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ قَالَ : أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ بِهِ ، يَأْمُلُ الْعَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَأَعْطَى الْمَالَ - وَهُوَ لَهُ مُحِبٌّ ، حَرِيصٌ عَلَى جَمْعِهِ ، شَحِيحٌ بِهِ - ذَوِي قَرَابَتِهِ فَوَصَلَ بِهِ أَرْحَامَهُمْ .
وَإِنَّمَا قُلْتُ عَنَى بِقَوْلِهِ : ذَوِي الْقُرْبَى ، ذَوِي قَرَابَةٍ مُؤَدِّي الْمَالِ عَلَى حُبِّهِ ، لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ 2532 - وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ : جُهْدُ الْمُقِلِّ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ . وَأَمَّا الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ ، فَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَهُمَا فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ ، فَإِنَّهُ الْمُجْتَازُ بِالرَّجُلِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَتِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الضَّيْفُ مِنْ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2533 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَابْنِ السَّبِيلِ قَالَ : هُوَ الضَّيْفُ قَالَ : قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ .
قَالَ : وَكَانَ يَقُولُ : حَقُّ الضِّيَافَةِ ثَلَاثُ لَيَالٍ ، فَكُلُّ شَيْءٍ أَضَافَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْمُسَافِرُ يَمُرُّ عَلَيْكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2534 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ : وَابْنِ السَّبِيلِ قَالَ : الْمُجْتَازُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِي الرِّقَابِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَفِي فَكِّ الرِّقَابِ مِنَ الْعُبُودَةِ ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ مِنَ الْعُبُودَةِ ، بِأَدَاءِ كِتَابَاتِهِمُ الَّتِي فَارَقُوا عَلَيْهَا سَادَاتِهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، أَدَامَ الْعَمَلَ بِهَا بِحُدُودِهَا ، وَبِقَوْلِهِ وَآتَى الزَّكَاةَ ، أَعْطَاهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَهَلْ مِنْ حَقٍّ يَجِبُ فِي مَالٍ إِيتَاؤُهُ فَرْضًا غَيْرُ الزَّكَاةِ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ حُقُوقٌ تَجِبُ سِوَى الزَّكَاةِ واعتلُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَالُوا : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَمَنْ سَمَّى اللَّهَ مَعَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ : وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ، عَلِمْنَا أَنَّ الْمَالَ - الَّذِي وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْتُونَهُ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَمَنْ سَمَّى مَعَهُمْ - غَيْرُ الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُؤْتُونَهَا .
لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالًا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لِتَكْرِيرِهِ مَعْنًى مَفْهُومٌ . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ ، عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ الزَّكَاةِ ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدَ غَيْرِهِ . قَالُوا : وَبَعْدُ ، فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الزَّكَاةُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَصَفَ إِيتَاءَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ آتَوْهُ ذَلِكَ ، فِي أَوَّلِ الْآيَةِ . فَعَرَّفَ عِبَادَهُ - بِوَصْفِهِ مَا وُصِفَ مِنْ أَمْرِهِمْ - الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا فِيهَا زَكَوَاتِهِمْ ، ثُمَّ دَلَّهُمْ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَآتَى الزَّكَاةَ ، أَنَّ الْمَالَ الَّذِي آتَاهُ الْقَوْمُ هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ كَانَتْ عَلَيْهِمْ ، إِذْ كَانَ أَهْلُ سُهْمَانِهَا هُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنَّ الْقَوْمَ آتَوْهُمْ أَمْوَالَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ، فَإِنْ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالَّذِينَ لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ بَعْدَ الْمُعَاهَدَةِ ، وَلَكِنْ يُوفُونَ بِهِ وَيُتِمُّونَهُ عَلَى مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مَنْ عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ .
كَمَا : - 2538 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا قَالَ : فَمَنْ أَعْطَى عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ ، فَاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ . وَمَنْ أَعْطَى ذِمَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَدَرَ بِهَا ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ بَيَّنْتُ الْعَهْدَ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ الصَّبْرِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَالْمَانِعِينَ أَنْفُسَهُمْ - فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ - مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ لَهُمُ ، الْحَابِسِيهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ . ثُمَّ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ بِمَا : - 2539 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي - وَحَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ - قَالَا جَمِيعًا ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا الْبَأْسَاءُ فَالْفَقْرُ ، وَأَمَّا الضَّرَّاءُ فَالسَّقَمُ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ أَيُّوبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 83 ] . 2543 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ : الْبُؤْسُ : الْفَاقَةُ وَالْفَقْرُ ، وَالضَّرَّاءُ : فِي النَّفْسِ؛ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيبُهُ فِي جَسَدِهِ . 2544 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ : الْبَأْسَاءُ : الْبُؤْسُ ، وَالضَّرَّاءُ : الزَّمَانَةُ فِي الْجَسَدِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعَلَاءَ لَيْسَ لَهُ أَفْعَلُ لِأَنَّهُ اسْمٌ ، كَمَا قَدْ جَاءَ أَفْعَلُ فِي الْأَسْمَاءِ لَيْسَ لَهُ فَعَلَاءُ ، نَحْوُ أَحْمَدَ . وَقَدْ قَالُوا فِي الصِّفَةِ أَفْعَلُ ، وَلِمَ يَجِئْ لَهُ فَعَلَاءُ ، فَقَالُوا : أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْجَلُ ، وَلَمْ يَقُولُوا : وَجَلَاءُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ . فَإِنَّ الْبَأْسَاءَ ، الْبُؤْسُ ، وَالضَّرَّاءَ الضُّرُّ . وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ إِنْ شِئْتَ لِمُؤَنَّثٍ ، وَإِنْ شِئْتَ لِمُذَكَّرٍ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ ، كُلُّهُمْ كَأَحْمَرِ عَادٍ ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ يَعْنِي فَتُنْتَجُ لَكُمْ غِلْمَانَ شُؤْمٍ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْمًا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مُذَكَّرٍ وَمُؤَنَّثٍ ، لَجَازَ إِجْرَاءُ أَفْعَلَ فِي النَّكِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ قَامَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : لَئِنْ طَلَبَتْ نُصْرَتَهُمْ لِتَجِدُنَّهُمْ غَيْرَ أَبْعَدَ ، بِغَيْرِ إِجْرَاءٍ . وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ ، لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَصْدَرًا فَوَقَعَ بِتَأْنِيثٍ ، لَمْ يَقَعْ بِتَذْكِيرٍ ، وَلَوْ وَقَعَ بِتَذْكِيرٍ ، لَمْ يَقَعْ بِتَأْنِيثٍ . لِأَنَّ مَنْ سُمِّيَ بِ أَفْعَلَ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى فُعْلَى ، وَمَنْ سُمِّيَ بِ فُعْلَى لَمْ يُصْرَفْ إِلَى أَفْعَلَ ، لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ يَبْقَى بِهَيْئَتِهِ لَا يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلَكِنَّهُمَا لُغَتَانِ . فَإِذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ ، كَانَ بِأَمْرٍ أَشْأَمَ ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ، وَقَعَ : الْخَلَّةُ الْبَأْسَاءُ ، وَالْخَلَّةُ الضَّرَّاءُ .
وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبْنَ عَلَى الضَّرَّاءِ ، الْأَضَرِّ ، وَلَا عَلَى الْأَشْأَمِ ، الشَّأْمَاءَ . لِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ مِنْ تَأْنِيثِهِ التَّذْكِيرُ ، وَلَا مِنْ تَذْكِيرِهِ التَّأْنِيثُ ، كَمَا قَالُوا : امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ ، وَلَمْ يَقُولُوا : رَجُلٌ أَحْسَنُ . وَقَالُوا : رَجُلٌ أَمْرَدُ ، وَلَمْ يَقُولُوا : امْرَأَةٌ مَرْدَاءُ .
فَإِذَا قِيلَ : الْخَصْلَةُ الضَّرَّاءُ وَ الْأَمْرُ الْأَشْأَمُ ، دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَكُونَ اسْمًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَى مِنَ الْمَصْدَرِ . وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ تَأْوِيلَ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِيَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ تَأَوَلُوا الْبَأْسَاءَ بِمَعْنَى الْبُؤْسِ ، وَالضَّرَّاءَ بِمَعْنَى الضُّرِّ فِي الْجَسَدِ .
وَذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ وَجَّهُوا الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ إِلَى أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ ، دُونَ صِفَاتِ الْأَسْمَاءِ وَنُعُوتِهَا . فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، أَنْ تَكُونَ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ أَسْمَاءَ أَفْعَالٍ ، فَتَكُونُ الْبَأْسَاءُ اسْمًا لِلْبُؤْسِ ، وَ الضَّرَّاءُ اسْمًا لِلضُّرِّ . وَأَمَّا الصَّابِرِينَ فَنُصِبَ ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ .
لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا تَطَاوَلَتْ صِفَةُ الْوَاحِدِ - الِاعْتِرَاضَ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ بِالنَّصْبِ أَحْيَانًا ، وَبِالرَّفْعِ أَحْيَانًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ وَلَيْثَ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ بِذَاتِ الصَّلِيلِ وَذَاتِ اللُّجُمْ فَنَصَبَ لَيْثَ الْكَتِيبَةِ وَذَا الرَّأْيِ عَلَى الْمَدْحِ ، وَالِاسْمُ قَبْلَهُمَا مَخْفُوضٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةٍ وَاحِدٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ : فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ غُيُوثَ الْوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ ، نُصِبَ عَطْفًا عَلَى السَّائِلَيْنِ . كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ، وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ . وَظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، هُمْ أَهْلُ الزَّمَانَةِ فِي الْأَبْدَانِ ، وَأَهْلُ الْإِقْتَارِ فِي الْأَمْوَالِ .
وَقَدْ مَضَى وَصْفُ الْقَوْمِ بِإِيتَاءِ - مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتُهُ - الْمَالَ فِي قَوْلِهِ : وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ ، وَأَهْلُ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ ، هُمْ أَهْلُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّرَّاءِ ذَا بَأْسَاءَ ، لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ قَبُولُ الصَّدَقَةِ ، وَإِنَّمَا لَهُ قَبُولُهَا إِذَا كَانَ جَامِعًا إِلَى ضَرَّائِهِ بَأْسَاءَ ، وَإِذَا جَمَعَ إِلَيْهَا بَأْسَاءَ ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ قَدْ مَضَى ذَكَرُهُمْ قَبْلَ قَوْلِهِ : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ نَصَبَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ بِقَوْلِهِ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، كَانَ الْكَلَامُ تَكْرِيرًا بِغَيْرِ فَائِدَةِ مَعْنًى . كَأَنَّهُ قِيلَ : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ .
وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي خِطَابِهِ عِبَادَهُ . وَلَكِنْ مَعْنًى ذَلِكَ : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ . وَالْمُوفُونَ رُفِعَ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةُ مَنْ ، وَ مَنْ رُفِعَ ، فَهُوَ مُعَرَّبٌ بِإِعْرَابِهِ .
وَالصَّابِرِينَ نُصِبَ - وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ - عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ الَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَحِينَ الْبَأْسِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَحِينَ الْبَأْسِ ، وَالصَّابِرِينَ فِي وَقْتِ الْبَأْسِ ، وَذَلِكَ وَقْتَ شِدَّةِ الْقِتَالِ فِي الْحَرْبِ ، كَمَا : - 2548 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَحِينَ الْبَأْسِ قَالَ : حِينَ الْقِتَالِ . 2549 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ .
يَقُولُ : فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ فِي إِيمَانِهِمْ ، وَحَقَّقُوا قَوْلَهُمْ بِأَفْعَالِهِمْ - لَا مَنْ وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ يُخَالِفُ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ، وَيَنْقَضُّ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ ، وَيَكْتُمُ النَّاسَ بَيَانَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَيَانِهِ ، وَيُكَذِّبُ رُسُلَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقَابَ اللَّهِ ، فَتَجَنَّبُوا عِصْيَانَهُ ، وَحَذِرُوا وَعْدَهُ ، فَلَمْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ . وَخَافُوهُ ، فَقَامُوا بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ، كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : 2556 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا قَالَ : فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامِ الْإِيمَانِ ، فَكَانَتْ حَقِيقَتُهُ الْعَمَلَ ، صَدَقُوا اللَّهَ . قَالَ : وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : هَذَا كَلَامُ الْإِيمَانِ ، وَحَقِيقَتُهُ الْعَمَلُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْقَوْلِ عَمَلٌ فَلَا شَيْءَ .