الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . . . . "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ( 175 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى " ، أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخَذُوا الضَّلَالَةَ ، وَتَرَكُوا الْهُدَى ، وَأَخَذُوا مَا يُوجِبُ لَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَتَرَكُوا مَا يُوجِبُ لَهُمْ غُفْرَانَهُ وَرِضْوَانَهُ . فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ " الْعَذَابِ " وَ " الْمَغْفِرَةِ " ، مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي يُوجِبُهُمَا ، لِفَهْمِ سَامِعِي ذَلِكَ لِمَعْنَاهُ وَالْمُرَادِ مِنْهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا وَجْهَ " اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى " بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَالدَّلَالَةِ الشَّاهِدَةِ بِمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ ، فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إِلَى النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2500 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، يَقُولُ : فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إِلَى النَّارِ .
2501 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، يَقُولُ : فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَيْهَا .
2502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ بِشْرٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : وَاللَّهِ مَا لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ صَبْرٍ ، وَلَكِنْ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى النَّارِ .
2503 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، مَا أَجْرَأَهُمْ .
2504 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، يَقُولُ : مَا أَجْرَأَهُمْ وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا أَعَمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2505 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : مَا أَعَمَلَهُمْ بِالْبَاطِلِ .
2506 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ " مَا " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : فَمَا الَّذِي صَبَّرَهُمْ؟ أَيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهُمْ؟
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2507 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ . يَقُولُ : مَا الَّذِي أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ؟
2508 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ لِي عَطَاءٌ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : مَا يُصَبِّرُهُمْ عَلَى النَّارِ ، حِينَ تَرَكُوا الْحَقَّ وَاتَّبَعُوا الْبَاطِلَ؟
2509 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : سُئِلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : هَذَا اسْتِفْهَامٌ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الصَّبْرِ قَالَ : " فَمَا أَصْبَرُهُمْ " ، رَفْعًا . قَالَ : يُقَالُ لِلرَّجُلِ : " مَا أَصْبَرَكَ " ، مَا الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذَا؟
2510 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : هَذَا اسْتِفْهَامٌ . يَقُولُ مَا هَذَا الَّذِي صَبَّرَهُمْ عَلَى النَّارِ حَتَّى جَرَّأَهُمْ فَعَمِلُوا بِهَذَا؟
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ تَعَجُّبٌ . يَعْنِي : فَمَا أَشَدَّ جَرَاءَتَهُمْ عَلَى النَّارِ بِعَمَلِهِمْ أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ!
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2511 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " قَالَ : مَا أَعَمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ!
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ .
فَمَنْ قَالَ : هُوَ تَعَجُّبٌ - وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى : " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ " ، فَمَا أَشَدَّ جَرَاءَتَهُمْ - بِفِعْلِهِمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ - عَلَى مَا يُوجِبُ لَهُمُ النَّارَ! كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾[ سُورَةُ عَبَسَ : 17 ] ، تَعَجُّبًا مِنْ كُفْرِهِ بِالَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّى خَلْقَهُ .
فَأَمَّا الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ ، فَمَعْنَاهُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ، فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ - وَالنَّارُ لَا صَبْرَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ - حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ فَاعْتَاضُوهَا مِنْهَا بَدَلًا؟
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى النَّارِ ، بِمَعْنَى : مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَعْمَلَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ : " مَا أَصْبَرَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ " ، بِمَعْنَى : مَا أَجْرَأَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ! وَإِنَّمَا يَعْجَبُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ بِإِظْهَارِ الْخَبَرِ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ ، وَاشْتَرَائِهِمْ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا
مِنَ السُّحْتِ وَالرُّشَى الَّتِي أُعْطُوهَا - عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ مِنْ تَقَدُّمِهِمْ عَلَى ذَلِكَ . مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لَهُمْ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ! وَلَكِنِ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ " النَّارِ " مِنْ ذِكْرِ " عَذَابِهَا " ، كَمَا يُقَالُ : " مَا أَشْبَهَ سَخَاءَكَ بِحَاتِمٍ " ، بِمَعْنَى : مَا أَشْبَهَ سَخَاءَكَ بِسَخَاءِ حَاتِمٍ ، " وَمَا أَشْبَهَ شَجَاعَتَكَ بِعَنْتَرَةَ " .