الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ، فُرِضَ عَلَيْكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَفُرِضَ عَلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقِصَاصُ مَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ؟ قِيلَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ ذَلِكَ ، وَالْعَفْوُ ، وَأَخْذُ الدِّيَةِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى أَيْ أَنَّ الْحُرَّ إِذَا قَتَلَ الْحُرَّ ، فَدَمُ الْقَاتِلِ كُفْءٌ لِدَمِ الْقَتِيلِ ، وَالْقِصَاصُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، فَلَا تُجَاوِزُوا بِالْقَتْلِ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا بِقَتِيلِكُمْ غَيْرَ قَاتِلِهِ .
وَالْفَرْضُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْقِصَاصِ ، هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ تَرْكِ الْمُجَاوَزَةِ بِالْقِصَاصِ قَتْلَ الْقَاتِلِ بِقَتِيلِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، لَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْنَا الْقِصَاصُ فَرْضًا وُجُوبَ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا تَرْكُهُ . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَا يَجُوزُ لَنَا تَرْكُهُ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، مَعْنَى مَفْهُومٌ . لِأَنَّهُ لَا عَفْوٌ بَعْدَ الْقِصَاصِ فَيُقَالُ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مُقَاصَّةُ دِيَاتِ بَعْضِ الْقَتْلَى بِدِيَاتِ بَعْضٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ عِنْدَهُمْ نَزَلَتْ فِي حِزْبَيْنِ تُحَارِبُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَأُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بِأَنْ تَسْقُطَ دِيَاتُ نِسَاءِ أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ بِدِيَاتِ نِسَاءِ الْآخَرِينَ ، وَدِيَاتُ رِجَالِهِمْ بِدِيَاتِ رِجَالِهِمْ ، وَدِيَاتُ عَبِيدِهِمْ بِدِيَاتِ عَبِيدِهِمْ ، قِصَاصًا . فَذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى الْقَصَاصِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى ، فَمَا لَنَا أَنْ نَقْتَصَّ لِلْحُرِّ إِلَّا مِنَ الْحَرِّ ، وَلَا لِلْأُنْثَى إِلَّا مِنَ الْأُنْثَى؟ قِيلَ : بَلْ لَنَا أَنْ نَقْتَصَّ لِلْحُرِّ مِنَ الْعَبْدِ ، وَلِلْأُنْثَى مِنَ الذِّكْرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [ سُورَةَ الْإِسْرَاءِ : 33 ] ، وَبِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : 2557 - الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ . فَإِنْ قَالَ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ ، فَمَا وَجْهُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَبْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ ، لَمْ يَرْضَوْا مِنْ قَتِيلِهِمْ بِدَمِ قَاتِلِهِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَبْدٌ ، حَتَّى يَقْتُلُوا بِهِ سَيِّدَهُ .
وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ رَجُلًا لَمْ يَرْضَوْا مِنْ دَمِ صَاحِبِهِمْ بِالْمَرْأَةِ الْقَاتِلَةِ ، حَتَّى يَقْتُلُوا رَجُلًا مِنْ رَهْطِ الْمَرْأَةِ وَعَشِيرَتِهَا . فأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِي فُرِضَ لَهُمْ مِنَ الْقِصَاصِ أَنْ يَقْتُلُوا بِالرَّجُلِ الرَّجُلَ الْقَاتِلَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَبِالْأُنْثَى الْأُنْثَى الْقَاتِلَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الرِّجَالِ ، وَبِالْعَبْدِ الْعَبْدَ الْقَاتِلَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوُا الْقَاتِلَ إِلَى غَيْرِهِ فِي الْقِصَاصِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2558 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ - قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ اقْتَتَلَتَا قِتَالَ عُمِّيَّةٍ ، فَقَالُوا : نَقْتُلُ بِعَبْدِنَا فَلَانَ ابْنَ فُلَانٍ ، وَبِفُلَانَةٍ فَلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى .
2559 - حَدَّثَنَا بِشَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِمْ بَغْيٌ وَطَاعَةٌ لِلشَّيْطَانِ ، فَكَانَ الْحَيُّ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُدَّةٌ وَمَنَعَةٌ ، فَقَتَلَ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ عَبْدًا لَهُمْ ، قَالُوا : لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا حَرًّا! تَعَزُّزًا ، لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَإِذَا قُتِلَتْ لَهُمُ امْرَأَةٌ قَتَلَتْهَا امْرَأَةُ قَوْمٍ آخَرِينَ قَالُوا : لَا نَقْتُلُ بِهَا إِلَّا رَجُلًا! فأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ، فَنَهَاهُمْ عَنِ الْبَغْيِ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ سُورَةَ الْمَائِدَةِ : 45 ] .
2560 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا دِيَةٌ ، إِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ ، أَوِ الْعَفْوُ إِلَى أَهْلِهِ . فنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَكَانُوا إِذَا قُتِلَ مِنَ الْحَيِّ الْكَثِيرِ عَبْدٌ قَالُوا : لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا حُرًّا . وَإِذَا قُتِلَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ قَالُوا : لَا نَقْتُلُ بِهَا إِلَّا رَجُلًا .
فأَنْزَلَ اللَّهُ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى . 2561 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي قِتَالِ عُمِّيَّةٍ ، إِذَا أُصِيبَ مِنْ هَؤُلَاءِ عَبْدٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ عَبْدٌ ، تَكَافَآ ، وَفِي الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ ، وَفِي الْحُرَّيْنِ كَذَلِكَ . هَذَا مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
2562 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : دَخَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي فَرِيقَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَأُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، بِأَنْ يَجْعَلَ دِيَاتِ النِّسَاءِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ قِصَاصًا بِدِيَاتِ النِّسَاءِ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ ، وَدِيَاتِ الرِّجَالِ بِالرِّجَالِ ، وَدِيَاتِ الْعَبِيدِ بِالْعَبِيدِ ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2563 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : اقْتَتَلَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخِرُ مَعَاهَدٌ ، فِي بَعْضِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ مِنَ الْأَمْرِ ، فَأَصْلَحُ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانُوا قَتَلُوا الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ - عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحُرُّ دِيَةَ الْحُرِّ ، وَالْعَبْدَ دِيَةَ الْعَبْدِ ، وَالْأُنْثَى دِيَةَ الْأُنْثَى ، فَقَاصَّهُمْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 2564 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ قِتَالٌ ، كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ الطَّوْلُ فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْفَضْلَ . فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُرَّ بِالْحُرِّ ، وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى .
2566 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى قَالَ : نَزَلَتْ فِي قِتَالِ عُمِّيَّةٍ . قَالَ شُعْبَةُ : كَأَنَّهُ فِي صُلْحٍ . قَالَ : اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا .
2567 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : نَزَلَتْ فِي قِتَالِ عُمِّيَّةٍ ، قَالَ : كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمُقَاصَّةِ دِيَةِ الْحُرِّ وَدِيَةِ الْعَبْدِ ، وَدِيَةِ الذَّكَرِ وَدِيَةِ الْأُنْثَى ، فِي قَتْلِ الْعَمْدِ - إِنِ اقْتُصَّ لِلْقَتِيلِ مِنَ الْقَاتِلِ ، وَالتَّرَاجُعِ بِالْفَضْلِ وَالزِّيَادَةِ بَيْنَ دِيَتَيِ الْقَتِيلِ وَالْمُقْتَصِّ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2568 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى قَالَ : حُدِّثْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَيُّمَا حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهُوَ قَوَدٌ بِهِ ، فَإِنْ شَاءَ مَوَالِي الْعَبْدِ أَنْ يَقْتُلُوا الْحُرَّ قَتَلُوهُ ، وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ ، وَأَدَّوْا إِلَى أَوْلِيَاءَ الْحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ .
وَإِنَّ عَبْدٌ قَتَلَ حُرًّا فَهُوَ بِهِ قَوْدٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ قَتَلُوا الْعَبْدَ وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْدِ ، وَأَخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الْحُرِّ ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ كُلَّهَا وَاسْتَحْيَوُا الْعَبْدَ . وَأَيُّ حَرٍّ قَتَلَ امْرَأَةً فَهُوَ بِهَا قَوَدٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ قَتَلُوهُ وَأَدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى أَوْلِيَاءَ الْحُرِّ . وَإِنِ امْرَأَةً قَتَلَتْ حُرًّا فَهِيَ بِهِ قَوَدٌ ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ قَتَلُوهَا وَأَخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ كُلَّهَا وَاسْتَحْيَوْهَا ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَالِ مَا نَزَلَتْ ، وَالْقَوْمُ لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ ، وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ ، حَتَّى سَوَّى اللَّهُ بَيْنَ حُكْمِ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ سُورَةَ الْمَائِدَةِ : 45 ] ، فَجَعَلَ جَمِيعَهُمْ قَوْدَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2572 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ ، فِي الْعَمْدِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ ، فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ . وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ ، فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذْ كَانَ مُخْتَلَفًا الِاخْتِلَافَ الَّذِي وَصَفْتُ ، فِيمَا نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالُهَا ، فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحُكْمِ ، بِالْخَبَرِ الْقَاطِعِ الْعُذْرَ . وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّقْلِ الْعَامِّ : أَنَّ نَفْسَ الرَّجُلِ الْحُرِّ قَوَدٌ قِصَاصًا بِنَفْسِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْأُمَّةُ مُخْتَلِفَةً فِي التَّرَاجُعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ دِيَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ - كَانَ وَاضِحًا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ .
وَالتَّرَاجُعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ ، بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ : عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُتْلِفَ مِنْ جَسَدِهِ عُضْوًا بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ عَلَى إِتْلَافِهِ ، فَدَعْ جَمِيعَهُ وَعَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى غَيْرِهِ إِتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهُ - مِثْلُ الَّذِي حُرِّمَ مِنْ ذَلِكَ - بِعِوَضٍ يُعْطِيهِ عَلَيْهِ . فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الرَّجُلِ الْحُرِّ بِنَفْسِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ قَوْدًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى أَنْ لَا يُقَادَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ ، وَأَنْ لَا تُقْتَلَ الْأُنْثَى بِالذِّكْرِ وَلَا الذِّكْرُ بِالْأُنْثَى .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْآيَةَ مَعْنِيٌّ بِهَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ . إِمَّا قَوْلُنَا : مِنْ أَنْ لَا يُتَعَدَّى بِالْقِصَاصِ إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ وَالْجَانِي ، فَيُؤْخَذُ بِالْأُنْثَى الذَّكَرُ وَبِالْعَبْدِ الْحُرُّ . وَإِمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ خَاصَّةً ، أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ دِيَاتِ قَتْلَاهُمْ قِصَاصًا بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ - لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ - عَلَى أَنَّ الْمُقَاصَّةَ فِي الْحُقُوقِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ فِي ذَلِكَ قَضَاءً ثُمَّ نَسَخَهُ . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُ فَرْضٌ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْقَوْلَ خِلَافُ مَا قَالَهُ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ . لِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى أَهْلِ الْحُقُوقِ أَنْ يَفْعَلُوهُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُمْ فِيهِ .
وَالْجَمِيعُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ لِأَهْلِ الْحُقُوقِ الْخِيَارَ فِي مُقَاصَّتِهِمْ حُقُوقَهُمْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ . فَإِذْ تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِذْ ذَكَرْتَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ - بِمَعْنَى : فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ : لَا يَعْرِفُ لِقَوْلِ الْقَائِلِ : كُتِبَ مَعْنًى إِلَّا مَعْنَى : خَطَّ ذَلِكَ ، فَرَسَمَ خَطًّا وَكِتَابًا ، فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : كُتِبَ فُرِضَ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ ، وَفِي أَشْعَارِهِمْ مُسْتَفِيضٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَقَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ : يَا بِنْتَ عَمِّي ، كِتَابُ اللَّهِ أَخْرَجَنِي عَنْكُمْ ، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ الَلَّهَ مَا فَعَلَا! وَذَلِكَ أَكْثَرُ فِي أَشْعَارِهِمْ وَكَلَامِهِمْ مِنْ أَنْ يُحْصَى .
غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى : فُرِضَ ، فَإِنَّهُ عِنْدِي مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ رَسْمٌ وَخَطٌّ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَتَبَ جَمِيعَ مَا فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا هُمْ عَامَلُوهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ [ سُورَةَ الْبُرُوجِ : 21 - 22 ] وَقَالَ : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾ [ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ : 77 - 78 ] . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا فَرَضَهُ عَلَيْنَا ، فَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَكْتُوبٌ .
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ، كَتَبَ عَلَيْكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ، فَرْضًا ، أَنْ لَا تَقْتُلُوا بِالْمَقْتُولِ غَيْرَ قَاتِلِهِ . وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَاصَصْتُ فُلَانًا حَقِّي قِبَلَهُ مِنْ حَقِّهِ قَبَلِي ، قِصَاصًا وَمُقَاصَّةً . فَقَتْلُ الْقَاتِلِ بِالَّذِي قَتْلَهُ قِصَاصٌ ، لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَثَلُ الَّذِي فَعَلَ بِمَنْ قَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ عُدْوَانًا وَالْآخَرُ حَقًّا .
فَهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ صَاحِبُهُ بِهِ . وَجُعِلَ فِعْلُ وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ إِذَا قَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ - قِصَاصًا ، إِذْ كَانَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ اسْتَحَقَّ قَتْلَ مَنْ قَتَلَهُ ، فَكَأَنَّ وَلِيَّهُ الْمَقْتُولَ هُوَ الَّذِي وَلَّى قَتْلَ قَاتِلِهِ ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ . وَأَمَّا الْقَتْلَى فَإِنَّهَا جَمْعُ قَتِيلٍ كَمَا الصَّرْعَى جَمْعُ صَرِيعٍ ، وَالْجَرْحَى جَمْعُ جَرِيحٍ .
وَإِنَّمَا يُجْمَعُ الْفَعِيلُ عَلَى الْفَعْلَى ، إِذَا كَانَ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ بِهِ ، بِمَعْنَى الزَّمَانَةِ وَالضَّرَرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ صَاحِبُهُ عَلَى الْبَرَاحِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَمَصْرَعِهِ ، نَحْوُ الْقَتْلَى فِي مَعَارِكِهِمْ ، وَالصَّرْعَى فِي مَوَاضِعِهِمْ ، وَالْجَرْحَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : فُرِضَ عَلَيْكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى : أَنْ يُقْتَصَّ الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى . ثُمَّ تُرِكَ ذِكْرُ أَنْ يَقْتَصَّ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنَ الْقَتْلِ ظُلْمًا ، مِنَ الْوَاجِبِ كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْقِصَاصِ - وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ - فَاتِّبَاعٌ مِنَ الْعَافِي لِلْقَاتِلِ بِالْوَاجِبِ لَهُ قِبَلَهُ مِنَ الدِّيَةِ ، وَأَدَاءٌ مِنَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2573 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولَابِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فَالْعَفْوُ : أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ .
وَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ : أَنْ يَطْلُبَ هَذَا بِمَعْرُوفٍ ، وَيُؤَدِّيَ هَذَا بِإِحْسَانٍ . 2574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، فَقَالَ : هُوَ الْعَمْدُ ، يَرْضَى أَهْلُهُ بِالدِّيَةِ ، وَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ : أُمِرَ بِهِ الطَّالِبُ ، وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ مِنَ الْمَطْلُوبِ . 2575 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ - قَالَا جَمِيعًا ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الَّذِي يَقْبَلُ الدِّيَةَ ، ذَلِكَ مِنْهُ عَفْوٌ وَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ الَّذِي عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ بِإِحْسَانٍ .
2582 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ . 2583 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، يَقُولُ : قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَقُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ . يَقُولُ : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، فَأَمَرَ الْمُتْبِعَ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَمَرَ الْمُؤَدِّيَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ ، وَالْعَمْدُ قَوَدٌ إِلَيْهِ قِصَاصٌ ، لَا عَقْلَ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ .
فَإِنْ رَضُوا بِالدِّيَةِ ، فَمِائَةٌ خَلِفَةٌ . فَإِنْ قَالُوا : لَا نَرْضَى إِلَّا بِكَذَا وَكَذَا . فَذَاكَ لَهُمْ .
2590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، وَهُوَ الدِّيَةُ ، أَنْ يُحْسِنَ الطَّالِبُ ، وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ : هُوَ أَنْ يُحْسِنَ الْمَطْلُوبُ الْأَدَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَمَنْ عُفِيَ ، فَمَنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ . وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْلِهِ : مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ : مِنْ دِيَةِ أَخِيهِ شَيْءٌ ، أَوْ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ ، فَاتِّبَاعٌ مِنْهُ الْقَاتِلِ أَوِ الْجَارِحِ الَّذِي بَقِيَ ذَلِكَ قِبَلَهُ - بِمَعْرُوفٍ ، وَأَدَاءٌ مِنَ الْقَاتِلِ أَوِ الْجَارِحِ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ قِبَلَهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ - أَعْنِي قَوْلَهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى - فِي الَّذِينَ تَحَارَبُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، فَيُقَاصَّ دِيَاتِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَيَرُدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِفَضْلٍ إِنْ بَقِيَ لَهُمْ قَبْلَ الْآخَرِينَ . وَأَحْسَبُ أَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْعَفْوِ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - إِلَى : الْكَثْرَةِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : حَتَّى عَفَوْا [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 95 ] . فَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ : فَمَنْ كَثُرَ لَهُ قِبَلَ أَخِيهِ الْقَاتِلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2591 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، يَقُولُ : بَقِيَ لَهُ مِنْ دِيَةِ أَخِيهِ شَيْءٌ أَوْ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ ، فَلْيَتْبَعْ بِمَعْرُوفٍ ، وَلْيُؤَدِّ الْآخَرُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . وَالْوَاجِبُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ - فِي قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ أَنَّهُ بِمَعْنَى : مُقَاصَّةِ دِيَةِ النَّفْسِ الذَّكَرِ مِنْ دِيَةِ نَفْسِ الْأُنْثَى ، وَالْعَبْدِ مِنَ الْحَرِّ ، وَالتَّرَاجُعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ دِيَتَيْ أَنْفُسِهِمَا - أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ الْوَاجِبِ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ - مِنْ قِصَاصِ دِيَةِ أَحَدِهِمَا بِدِيَةِ نَفْسِ الْآخَرِ ، إِلَى الرِّضَى بِدِيَةِ نَفْسِ الْمَقْتُولِ ، فَاتِّبَاعٌ مِنَ الْوَلِيِّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَدَاءٌ مِنَ الْقَاتِلِ إِلَيْهِ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ : فَمَنْ صُفِحَ لَهُ - مِنَ الْوَاجِبِ كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوَدِ - عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبِ ، عَلَى دِيَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُ ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْعَافِي عَنِ الدَّمِ ، الرَّاضِي بِالدِّيَةِ مِنْ دَمِ وَلِيِّهِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ - مِنَ الْقَاتِلِ - ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ .
لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنَ الْعِلَلِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ : مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ، إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ مِنَ النُّفُوسِ الْقَاتِلَةِ أَوِ الْجَارِحَةِ أَوِ الشَّاجَّةِ عَمْدًا . كَذَلِكَ الْعَفْوُ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَاتِّبَاعٌ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْحَقِّ قِبَلَ قَاتِلِ وَلِيِّهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزْدَادَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ - فِي أَسْنَانِ الْفَرَائِضِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - أَوْ يُكَلِّفَهُ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِ ، كَمَا : - 2592 - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَلَغَنَا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مِنْ زَادٍ أَوِ ازْدَادَ بَعِيرًا - يَعْنِي فِي إِبِلِ الدِّيَاتِ وَفَرَائِضِهَا - فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَمَّا إِحْسَانُ الْآخَرِ فِي الْأَدَاءِ ، فَهُوَ أَدَاءٌ مَا لَزِمَهُ بِقَتْلِهِ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ ، عَلَى مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ وَأُوجِبَهُ عَلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْخَسَهُ حَقًّا لَهُ قَبْلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، أَوْ يُحْوِجَهُ إِلَى اقْتِضَاءٍ وَمُطَالَبَةٍ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، وَلَمْ يَقُلْ فَاتِّبَاعًا بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءً إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، كَمَا قَالَ : فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [ سُورَةُ مُحَمَّدٍ : 4 ] ؟ قِيلَ : لَوْ كَانَ التَّنْزِيلُ جَاءَ بِالنَّصْبِ ، وَكَانَ : فَاتِّبَاعًا بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءً إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ - كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ صَحِيحًا ، عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ ، كَمَا يُقَالُ : ضَرْبًا ضَرْبًا وَإِذَا لَقِيتَ فُلَانًا فَتَبْجِيلًا وَتَعْظِيمًا ، غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَ رَفْعًا ، وَهُوَ أَفْصَحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ نَصْبِهِ . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ ، مِمَّا يَكُونُ فَرْضًا عَامًّا - فِيمَنْ قَدْ فَعَلَ ، وَفِيمَنْ لَمْ يَفْعَلْ إِذَا فَعَلَ - لَا نَدْبًا وَحَثًّا .
وَرَفْعُهُ عَلَى مَعْنَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فَالْأَمْرُ فِيهِ : اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِ ، أَوْ فَالْقَضَاءُ وَالْحُكْمُ فِيهِ : اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : رَفْعُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فَعَلَيْهِ اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ . وَهَذَا مَذْهَبٌ ، وَالْأَوَّلُ الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ رَفْعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَاهُ . وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 95 ] ، وَقَوْلِهِ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 229 ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَضَرْبَ الرِّقَابِ ، فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ النَّصْبُ ، وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ، لِأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْحَثِّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ عَلَى الْقَتْلِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، كَمَا يُقَالُ : إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ فَتَكْبِيرًا وَتَهْلِيلًا ، عَلَى وَجْهِ الْحَضِّ عَلَى التَّكْبِيرِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ وَالْإِلْزَامِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ ، هَذَا الَّذِي حَكَمْتُ بِهِ وَسَنَنْتُهُ لَكُمْ ، مِنْ إِبَاحَتِي لَكُمْ - أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ - الْعَفْوَ عَنِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِ قَتِيلِكُمْ ، عَلَى دِيَةٍ تَأْخُذُونَهَا فَتَمْلِكُونَهَا مِلْكَكُمْ سَائِرَ أَمْوَالِكُمُ الَّتِي كُنْتُ مَنَعْتُهَا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يَقُولُ : تَخْفِيفٌ مِنِّي لَكُمْ مِمَّا كُنْتُ ثَقَّلْتُهُ عَلَى غَيْرِكُمْ ، بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ ، مِنِّي لَكُمْ . كَمَا : - 2593 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولَابِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ ، فَقَالَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إِلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، فَالْعَفْوُ : أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ . يَقُولُ : خَفَّفَ عَنْكُمْ مَا كَانَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ : أَنَّ يَطْلُبَ هَذَا بِمَعْرُوفٍ ، وَيُؤَدِّيَ هَذَا بِإِحْسَانٍ .
2597 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ رَحِمَ اللَّهُ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ ، أَطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ ، وَأَحَلَّهَا لَهُمْ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ . فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ أَوِ الْعَفْوُ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَرْشٌ ، وَكَانَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ ، أُمِرُوا بِهِ . فَجَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَوَدَ وَالْعَفْوَ وَالدِّيَةَ إِنْ شَاءُوا ، أَحَلَّهَا لَهُمْ ، وَلَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ .
2598 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بِمَثَلِهِ سَوَاءً ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ . 2599 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا دِيَةٌ ، إِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوِ الْعَفْوُ إِلَى أَهْلِهِ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ .
2600 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ ، وَخُفِّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَتَلَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْقِصَاصُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعْنَاهُ : قِصَاصُ الدِّيَاتِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ ، عَلَى مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : هَذَا الَّذِي فَعَلْتُ بِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قِصَاصِ دِيَاتِ قَتْلَى بَعْضِكُمْ بِدِيَاتِ بَعْضٍ ، وَتَرْكِ إِيجَابِ الْقَوَدِ عَلَى الْبَاقِينَ مِنْكُمْ بِقَتِيلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ وَأَخَذَهُ بِدِيَتِهِ تَخْفِيفٌ مِنِّي عَنْكُمْ ثِقَلَ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ حُكْمِي عَلَيْكُمْ بِالْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ ، وَرَحْمَةٌ مِنِّي لَكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 178 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ، فَمَنْ تَجَاوَزَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ ، اعْتِدَاءً وَظُلْمًا إِلَى مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ مِنْ قَتْلِ قَاتِلِ وَلِيِّهِ وَسَفْكِ دَمِهِ ، فَلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ وَتَعَدِّيهِ إِلَى مَا قَدْ حَرَّمْتُهُ عَلَيْهِ ، عَذَابٌ أَلِيمٌ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2601 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَتَلَ ، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
2602 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمَنِ اعْتَدَى ، بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ ، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 2603 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَقُولُ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ فَقَتَلَ ، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : لَا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ .
2604 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : هُوَ الْقَتْلُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ . يَقُولُ : مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ ، لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الدِّيَةُ . 2605 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَقُولُ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ ، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
2606 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَتَلَ قَتِيلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَّ إِلَى قَوْمِهِ ، فَيَجِيءُ قَوْمُهُ فَيُصَالِحُونَ عَنْهُ بِالدِّيَةِ قَالَ : فَيَخْرُجُ الْفَارُّ وَقَدْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ : فَيُقْتَلُ ثُمَّ يُرْمَى إِلَيْهِ بِالدِّيَةِ ، فَذَلِكَ الِاعْتِدَاءُ . 2607 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ دَمِ أَخِيهِ شَيْءٌ قَالَ : الْقَاتِلُ إِذَا طُلِبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ ، وَأُخِذَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الدِّيَةُ ، ثُمَّ أَمِنَ ، فَأُخِذَ فَقُتِلَ . قَالَ الْحَسَنُ : مَا أَكَلَ عُدْوَانٌ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ مِنْ قَاتَلِ وَلِيِّهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ الْعَذَابُ هُوَ الْقَتْلُ بِمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ مِنْهُ ، وَعَفْوِهِ عَنِ الْقِصَاصِ مِنْهُ بِدَمِ وَلِيِّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2612 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ : يُقْتَلُ ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ يَقُولُ : الْعَذَابُ الْمُوجِعُ .
2613 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ . 2614 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ : الْقَتْلُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ الْعَذَابُ عُقُوبَةٌ يُعَاقِبُهُ بِهَا السُّلْطَانُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنْ عُقُوبَتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2615 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنِ اللَّيْثِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ ، وَقَالَ : ثِقَةٌ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ بِقَسَمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ رَجُلٍ عَفَا عَنِ الدَّمِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ ، ثُمَّ عَدَّا فَقَتَلَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : فِي كِتَابٍ لِعُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَ الِاعْتِدَاءُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ : أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الْعَقْلَ أَوْ يَقْتَصُّ ، أَوْ يَقْضِي السُّلْطَانُ فِيمَا بَيْنَ الْجِرَاحِ ، ثُمَّ يَعْتَدِي بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ حَقَّهُ . فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَدَى ، وَالْحُكْمُ فِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ بِالَّذِي يَرَى فِيهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ قَالَ : وَلَوْ عَفَا عَنْهُ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ طَلَبَةِ الْحَقِّ أَنَّ [ يَعْفُوَ ] لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ قَوْلَهُ : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 59 ] . 2616 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ : فِي رَجُلٍ قُتِلَ فَأُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ ، ثُمَّ إِنَّ وَلِيَّهُ قَتَلَ بِهِ الْقَاتِلَ .
قَالَ الْحَسَنُ : تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ الَّتِي أَخَذَ ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ ، فَقَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ ، فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ الْقَتْلُ . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ وَلِيِّ قَتِيلٍ قُتِلَ ظُلْمًا سُلْطَانًا عَلَى قَاتِلِ وَلِيِّهِ ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 33 ] .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَكَانَ الْجَمِيعُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ وَأَخْذِهِ مِنْهُ دِيَةَ قَتِيلِهِ أَنَّهُ بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ لَهُ ظَالِمٌ فِي قَتْلِهِ - كَانَ بَيِّنًا أَنْ لَا يُوَلِّيَ مَنْ قَتَلَهُ ظُلْمًا كَذَلِكَ ، السُّلْطَانَ عَلَيْهِ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ ذَلِكَ عَذَابُهُ ، لِأَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ فِي الدُّنْيَا ، كَانَ ذَلِكَ عُقُوبَتَهُ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مُتَّبَعًا فِي الْآخِرَةِ ، عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ : مِنْ أَنَّ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ ، وَأَخْذِهِ دِيَةَ وَلِيِّهِ الْمَقْتُولِ - إِلَى الْإِمَامِ دُونَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ، فَقَوْلٌ خِلَافٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِوَلِيِّ كُلِّ مَقْتُولٍ ظُلْمًا السُّلْطَانَ دُونَ غَيْرِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ قَتِيلًا دُونَ قَتِيلٍ . فَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَتِيلَ وَلِيِّ مَنْ قَتَلَهُ أَوْ غَيْرَهُ . وَمَنْ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ ، وَعُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِيهِ ، ثُمَّ لَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أَلْزَمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .
ثُمَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ، مُكْتَفًى فِي الِاسْتِشْهَادِ عَلَى فَسَادِهِ بِغَيْرِهِ .