الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : بِذَلِكَ وَإِذَا سَأَلَكَ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي عَنِّي : أَيْنَ أَنَا؟ فَإِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ أَسْمَعُ دُعَاءَهُمْ ، وَأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي مِنْهُمْ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي سَائِلٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فأَنْزَلَ اللَّهُ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ الْآيَةَ .
2907 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ قَالُوا : لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ سَاعَةٍ نَدْعُو! فَنَزَلَتْ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الْآيَةَ . 2908 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : زَعَمَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قَالَ النَّاسُ : لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ سَاعَةٍ نَدْعُو! فَنَزَلَتْ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾.
2909 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ، قَالَ : لَيْسَ مَنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَدْعُو اللَّهَ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ هُوَ لَهُ رِزْقٌ فِي الدُّنْيَا أَعْطَاهُ اللَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا ذَخَرَهُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَدَفَعَ عَنْهُ بِهِ مَكْرُوهًا . 2910 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ بَلَّغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا أَعْطَى أَحَدٌ الدُّعَاءَ وَمُنِعَ الْإِجَابَةَ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . وَمَعْنَى مُتَأَوِّلِي هَذَا التَّأْوِيلِ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي : أَيَّ سَاعَةٍ يَدْعُونَنِي؟ فَإِنِّي مِنْهُمْ قَرِيبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِّ إِذَا دَعَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْلِ قَوْمٍ قَالُوا - إِذْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ - : إِلَى أَيْنَ نَدْعُوهُ! ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2911 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ مُجَاهِدٌ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قَالُوا : إِلَى أَيْنَ؟ فَنَزَلَتْ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ سُورَةَ الْبَقَرَةِ : 115 ] . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا : كَيْفَ نَدْعُو؟ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2912 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قَالَ رِجَالٌ : كَيْفَ نَدْعُو يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فأَنْزَلَ اللَّهُ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ إِلَى قَوْلِهِ : يُرْشِدُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ .
يُقَالُ مِنْهُ : اسْتَجَبْتُ لَهُ ، وَاسْتَجَبْتُهُ ، بِمَعْنَى أَجَبْتُهُ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الْغَنَوِيُّ : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبٌ يُرِيدُ : فَلَمْ يَجُبْهُ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُ . 2913 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلَهُ : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، قَالَ : فَلْيُطِيعُوا لِي ، قَالَ : الِاسْتِجَابَةُ ، الطَّاعَةُ .
2914 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ عَنْ قَوْلِهِ : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، قَالَ : طَاعَةُ اللَّهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي : فَلْيَدْعُونِي ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2915 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ هَارُونَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، فَلْيَدْعُونِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلْيُؤْمِنُوا بِي فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلْيُصَدِّقُوا .
أَيْ : وَلْيُؤْمِنُوا بِي ، إِذَا هُمُ اسْتَجَابُوا لِي بِالطَّاعَةِ ، أَنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ طَاعَتِهِمْ لِي فِي الثَّوَابِ عَلَيْهَا ، وَإِجْزَالِي الْكَرَامَةَ لَهُمْ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الَّذِي تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، أَنَّهُ بِمَعْنَى : فَلْيَدْعُونِي ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : وَلْيُؤْمِنُوا بِي ، وَلْيُؤْمِنُوا بِي أَنِّي أَسْتَجِيبُ لَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2916 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ هَارُونَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : وَلْيُؤْمِنُوا بِي ، يَقُولُ : أَنِّي أَسْتَجِيبُ لَهُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ ، وَلْيُؤْمِنُوا بِي فَيُصَدِّقُوا عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّايَ بِالثَّوَابِ مِنِّي لَهُمْ ، وَلْيَهْتَدُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ فَيُرْشِدُوا ، كَمَا : - 2917 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ، يَقُولُ : لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ؟ فَأَنْتَ تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْبَشَرِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يُجَابُ لَهُمْ دُعَاءٌ ، وَقَدْ قَالَ : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ؟ قِيلَ : إِنَّ لِذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنَ الْمَعْنَى : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِالدَّعْوَةِ ، الْعَمَلُ بِمَا نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ؛ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنَّى قَرِيبٌ مِمَّنْ أَطَاعَنِي وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَتُهُ بِهِ ، أُجِيبُهُ بِالثَّوَابِ عَلَى طَاعَتِهِ إِيَّايَ إِذَا أَطَاعَنِي .
فَيَكُونُ مَعْنَى الدُّعَاءِ : مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَمَا وَعَدَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى طَاعَتِهِمْ بِعَمَلِهِمْ بِطَاعَتِهِ ، وَمَعْنَى الْإِجَابَةِ مِنَ اللَّهِ الَّتِي ضَمَّنَهَا لَهُ ، الْوَفَاءَ لَهُ بِمَا وَعَدَ الْعَامِلِينَ لَهُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ . 2918 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ ذَرٍّ عَنْ يُسَيْعَ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ . ثُمَّ قَرَأَ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [ سُورَةَ غَافِرٍ : 60 ] .
فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دُعَاءَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ عِبَادَتُهُ وَمَسْأَلَتُهُ ، بِالْعَمَلِ لَهُ وَالطَّاعَةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ذُكِرَ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ : 2919 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قَالَ : اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِّ إِذَا دَعَانِ إِنْ شِئْتُ .
فَيَكُونُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا مخرُجُهُ فِي التِّلَاوَةِ ، خَاصًّا مَعْنَاهُ .