الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالشَّهْرُ ، فِيمَا قِيلَ ، أَصْلُهُ مِنْ الشُّهْرَةِ . يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ شَهَرَ فُلَانٌ سَيْفَهُ - إِذَا أَخْرَجَهُ مَنْ غِمْدِهِ فَاعْتَرَضَ بِهِ مَنْ أَرَادَ ضَرْبَهُ - يُشْهِرُهُ شَهْرًا . وَكَذَلِكَ شَهَرَ الشَّهْرَ ، إِذَا طَلَعَ هِلَالُهُ وَأَشْهَرْنَا نَحْنُ ، إِذَا دَخَلْنَا فِي الشَّهْرِ .
وَأَمَّا رَمَضَانُ ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمَّى بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ ، حَتَّى تَرَمَّضَ فِيهِ الْفِصَالُ ، كَمَا يُقَالُ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُحَجُّ فِيهِ ذُو الْحِجَّةِ ، وَالَّذِي يُرْتَبَعُ فِيهِ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ ، وَرَبِيعٌ الْآخَرُ . وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ : رَمَضَانُ ، وَيَقُولُ : لَعَلَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ . 2811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ : رَمَضَانُ ، وَيَقُولُ : لَعَلَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَكِنْ نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ : شَهْرُ رَمَضَانَ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى أَنَّ شَهْرَ مَرْفُوعٌ عَلَى قَوْلِهِ : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ، هُنَّ شَهْرُ رَمَضَانَ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِمَعْنَى : ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَبِمَعْنَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ . وَقَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ شَهْرَ رَمَضَانَ نَصْبًا ، بِمَعْنَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ أَنْ تَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ .
وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ نَصْبًا بِمَعْنَى : أَنْ تَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا نَصْبُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِصَوْمِهِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : شَهْرَ رَمَضَانَ فَصَوِّمُوهُ . وَجَائِزٌ نَصْبُهُ عَلَى الْوَقْتِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ .
2815 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ . أَمَّا أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَاللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ ، نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الزُّبُرِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَهُوَ مَوَاقِعُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا حَيْثُ وَقَعَ الْقُرْآنُ ، ثُمَّ نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَفِي الْحُرُوبِ رَسَلًا رَسَلًا . 2816 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوحِيَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْحَاهُ ، فَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [ سُورَةَ الْقَدْرِ : 1 ] .
قَالَ : وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ [ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ : 75 ] ، قَالَ : نِزِّلَ مُفَرَّقًا . 2820 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ نُزِّلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا . 2821 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَرَأَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى جِبْرِيلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَكَانَ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ إِلَّا بِأَمْرِ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : كَانَ يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ . فَنَزَلَ ذَلِكَ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى جِبْرِيلَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَلَا يَنْزِلُ جِبْرِيلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَّا مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ وَ إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [ سُورَةَ الدُّخَانِ : 3 ] .
2822 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي الشَّكُّ مِنْ قَوْلِهِ : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وَقَوْلِهِ : إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ وَغَيْرِهِ! قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَلَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ رَسَلًا فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : هُدًى لِلنَّاسِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي رَشَادًا لِلنَّاسِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَقَصْدِ الْمَنْهَجِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَبَيِّنَاتٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَوَاضِحَاتٍ مِنَ الْهُدَى - يَعْنِي : مِنَ الْبَيَانِ الدَّالِّ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَالْفَرْقَانِ يَعْنِي : وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، كَمَا : - 2823 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ، فَبَيِّنَاتٌ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى شُهُودِ الشَّهْرِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مُقَامُ الْمُقِيمِ فِي دَارِهِ .
قَالُوا : فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي دَارِهِ فَعَلَيْهِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ ، غَابَ بَعْدُ فَسَافَرَ ، أَوْ أَقَامَ فَلَمْ يَبْرَحْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2824 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدَّامَغَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، قَالَ : هُوَ إِهْلَالُهُ بِالدَّارِ . يُرِيدُ : إِذَا هَلَّ وَهُوَ مُقِيمٌ .
2825 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ . فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، فَإِذَا شَهِدَهُ وَهُوَ مُقِيمٌ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ ، أَقَامَ أَوْ سَافَرَ . وَإِنْ شَهِدَهُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَإِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ .
2833 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ ، عَنْ عُبَيْدَةَ الضَّبِّيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَدْرَكَكَ رَمَضَانُ فَلَا تُسَافِرْ فِيهِ ، فَإِنْ صَمْتَ فِيهِ يَوْمًا أَوِ اثْنَيْنِ ثُمَّ سَافَرْتَ ، فَلَا تُفْطِرْ ، صُمْهُ . 2834 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ . قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُبَيْدَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، قَالَ : مَنْ صَامَ شَيْئًا مِنْهُ فِي الْمِصْرِ فَلْيَصُمْ بَقِيَّتَهُ إِذَا خَرَجَ .
قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ . 2835 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - قَالَا جَمِيعًا ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ فِي رَمَضَانَ ، قَالَتْ : مَنْ أَيْنَ جِئْتِ؟ قُلْتُ : مِنْ عِنْدِ أَخِي حُنَيْنٍ . قَالَتْ : مَا شَأْنُهُ؟ قَالَتْ : وَدَّعَتْهُ يُرِيدُ يَرْتَحِلُ .
قَالَتْ : فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ فَلْيُقِمْ ، فَلَوْ أَدْرَكَنِي رَمَضَانُ وَأَنَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لَأَقَمْتُ لَهُ . 2836 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ أَفْلَحَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ إِلَى عَائِشَةَ يُسَلِّمُ عَلَيْهَا ، قَالَتْ : وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ : أَرَدْتُ الْعُمْرَةَ . قَالَتْ : فَجَلَسْتَ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ الشَّهْرُ خَرَجْتَ فِيهِ! قَالَ : قَدْ خَرَجَ ثَقَلَيْ! قَالَتْ : اجْلِسْ ، حَتَّى إِذَا أَفْطَرَتْ فَاخْرُجْ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ مَا شَهِدَ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2837 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : أَنَّ أَبَا مَيْسَرَةَ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ دَعَا مَاءً فَشَرِبَ . 2838 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ : خَرَجَ أَبُو مَيْسَرَةَ فِي رَمَضَانَ مُسَافِرًا ، فَمَرَّ بِالْفُرَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَشَرِبَهُ وَأَفْطَرَ .
2845 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا وَأَرَدْتُ أَنْ أُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ فَقَالَا لِي : اخْرُجْ . وَقَالَ حَمَّادٌ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَشَرُ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُقِيمَ . 2846 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَا مَنْ أَدْرَكَهُ الصَّوْمُ وَهُوَ مُقِيمٌ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ ، قَالَا إِنْ شَاءَ أَفْطَرَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، يَعْنِي : فَمَنْ شَهِدَهُ عَاقِلًا بَالِغًا مُكَلَّفًا فَلْيَصُمْهُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، كَانُوا يَقُولُونَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ فَعَلَيْهِ صَوْمَهُ ، فَإِنْ جُنَّ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَيَّامِ الشَّهْرِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ شَهِدَهُ وَهُوَ مِمَّنْ عَلَيْهِ فُرِضَ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مَجْنُونٌ ، إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحَ الْعَقْلِ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ ، فَلَنْ يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ حَتَّى صَحَّ وَبَرَأَ ، أَوْ أَفَاقَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ صَوْمِ الشَّهْرِ كُلِّهِ ، سِوَى الْيَوْمِ الَّذِي صَامَهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ ، لِأَنَّهُ مِمَّنْ قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ .
قَالُوا : وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مَجْنُونٌ ، فَلَمْ يَفِقْ حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ كُلُّهُ ، ثُمَّ أَفَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ شَهِدَهُ مُكَلَّفًا صَوْمَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّ الْجُنُونَ إِنْ كَانَ يُسْقِطُ عَمَّنْ كَانَ بِهِ فَرْضُ الصَّوْمِ ، مِنْ أَجْلِ فَقْدِ صَاحِبِهِ عَقْلَهُ جَمِيعَ الشَّهْرِ ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبِيلَ كُلِّ مِنْ فَقَدَ عَقَلَهُ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ مِنْ فَقَدَ عَقَلَهُ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ بِإِغْمَاءٍ أَوْ بِرْسَامٍ ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ ، أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءُ الشَّهْرِ كُلِّهِ .
وَلَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ أَحَدٌ يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْأُمَّةِ . وَإِذْ كَانَ إِجْمَاعًا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ كُلِّ مَنْ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ جَمِيعَ شَهْرِ الصَّوْمِ سَبِيلَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ غَيْرُ الَّذِي تَأَوَّلَهَا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ : مِنْ أَنَّهُ شُهُودُ الشَّهْرِ أَوْ بَعْضِهِ مُكَلَّفًا صَوْمَهُ .
فَإِذْ كَانَا فَاسِدَيْنِ هَذَانَ التَّأْوِيلَانِ ، بِمَا عَلَيْهِ دَلَلْنَا مِنْ فَسَادِهِمَا - فَبَيِّنٌ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ التَّأْوِيلِ هُوَ الثَّالِثُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، جَمِيعَ مَا شَهِدَ مِنْهُ مُقِيمًا ، وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فِي الشَّهْرِ فَأَفْطَرَ ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ عِدَّةٍ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا ، مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ مَعَهُ الْإِفْطَارَ وَأَوْجَبَ مَعَهُ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يُطِيقُ صَاحِبَهُ مَعَهُ الْقِيَامَ لِصَلَاتِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2853 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ شُعْبَةَ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرِيضُ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا أَفْطَرَ . 2854 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ - أَوْ عُبَيْدَةَ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمَرِيضِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَلْيُفْطِرْ .
يَعْنِي : فِي رَمَضَانَ . 2855 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ : مَتَى يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ قَالَ : إِذَا جَهَدَهُ الصَّوْمُ . قَالَ : إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرَائِضَ كَمَا أُمِرَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ كُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِهِ بِالصَّوْمِ الزِّيَادَةُ فِي عِلَّتِهِ زِيَادَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ . وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ . وَقَالَ آخَرُونَ : وَهُوَ [ كَلُّ ] مَرَضٍ يُسَمَّى مَرَضًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2856 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَالِدٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا طَرِيفُ بْنُ شِهَابٍ الْعُطَارِدِيُّ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ . فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنَّهُ وَجِعَتْ إِصْبَعِي هَذِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْإِفْطَارِ مَعَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، مَنْ كَانَ الصَّوْمُ جَاهَدُهُ جَهْدًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ الْإِفْطَارُ وَقَضَاءُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْإِفْطَارِ فَقَدْ كُلِّفَ عُسْرًا ، وَمُنِعَ يُسْرًا . وَذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أَرَادَهُ بِخَلْقِهِ بِقَوْلِهِ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وَأَمَّا مَنْ كَانَ الصَّوْمُ غَيْرَ جَاهِدِهِ ، فَهُوَ بِمَعْنَى الصَّحِيحِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ ، فَعَلَيْهِ أَدَاءُ فَرْضِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا : أَيَّامًا مَعْدُودَةً سِوَى هَذِهِ الْأَيَّامِ . وَأَمَّا الْأُخَرُ ، فَإِنَّهَا جُمَعُ أُخْرَى كَجَمْعِهِمْ الْكُبْرَى عَلَى الْكُبَرِ وَ الْقُرْبَى عَلَى الْقُرَبِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَلَيِسَتْ الْأُخَرُ مِنْ صِفَةِ الْأَيَّامِ؟ قِيلَ : بَلَى .
فَإِنْ قَالَ : أَوَلِيسَ وَاحِدُ الْأَيَّامِ يَوْمٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ؟ قِيلَ : بَلَى . فَإِنْ قَالَ : فَكَيْفَ يَكُونُ وَاحِدُ الْأُخَرِ أُخْرَى ، وَهِيَ صِفَةٌ لِ الْيَوْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ آخَرَ ؟ قِيلَ : إِنَّ وَاحِدَ الْأَيَّامِ وَإِنْ كَانَ إِذَا نُعِتَ بِوَاحِدِ الْأُخَرِ فَهُوَ آخَرُ ، فَإِنَّ الْأَيَّامَ فِي الْجَمْعِ تَصِيرُ إِلَى التَّأْنِيثِ ، فَتَصِيرُ نُعُوتُهَا وَصِفَاتُهَا كَهَيْئَةِ صِفَاتِ الْمُؤَنَّثِ ، كَمَا يُقَالُ : مَضَتِ الْأَيَّامُ جَمْعٌ ، وَلَا يُقَالُ : أَجْمَعُونَ ، وَلَا أَيَّامٌ آخَرُونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَكَ : فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، كَمَا قَدْ وَصَفْتُ فِيمَا مَضَى .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ ، فَمَا قَوْلُكَ فِيمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَصَامَ الشَّهْرَ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ الْإِفْطَارُ ، أَيَجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، أَوْ غَيْرُ مُجْزِيهِ ذَلِكَ ، وَفَرْضُ صَوْمِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ بِهَيْئَتِهِ ، وَإِنْ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ؟ وَهَلْ لِمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَمْ ذَلِكَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ صَوْمُهُ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ فِيهِ ، حَتَّى يُقِيمَ هَذَا وَيَبْرَأَ هَذَا؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَنَحْنُ ذاكرُونَ اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَمُخْبِرُونَ بِأَوْلَاهُ بِالصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْإِفْطَارُ فِي الْمَرَضِ عَزْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ ، وَلَيْسَ بِتَرْخِيصٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2857 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - جَمِيعًا ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ : الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ عَزْمَةٌ .
وَقَالَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا قَامَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2861 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ : أَنَّ عُمَرَ أَمْرَ الَّذِي صَامَ فِي السَّفَرِ أَنْ يُعِيدَ . 2862 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَمَرَ عُمَرُ رَجُلًا صَامَ فِي السَّفَرِ أَنْ يُعِيدَ صَوْمَهُ .
2863 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ ، فَكُنْتُ أَصُومُ وَيُفْطِرُ . فَقَالَ لِي أَبِي : أَمَا إِنَّكَ إِذَا أَقَمْتَ قَضَيْتَ . 2864 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ مَوْلَى قَرِيبَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ يَأْمُرُ رَجُلًا صَامَ فِي السَّفَرِ أَنْ يَقْضِيَ .
2865 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ مَوْلَى قَرِيبَةَ : أَنَّ رَجُلًا صَامَ فِي السَّفَرِ ، فَأَمَرَهُ عُرْوَةُ أَنْ يَقْضِيَ . 2866 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ صُبَيْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، عَنْ أَبِيهِ كُلْثُومٍ : أَنَّ قَوْمًا قَدَمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ صَامُوا رَمَضَانَ فِي سَفَرٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : وَاللَّهِ لَكَأَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَصُومُونَ! فَقَالُوا : وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ صُمْنَا! قَالَ : فَأَطَقْتُمُوهُ! قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَاقْضُوهُ ، فَاقْضُوهُ .
وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَرَضَ بِقَوْلِهِ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ شَهِدَهُ مُقِيمًا غَيْرَ مُسَافِرٍ ، وَجَعَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا صَوْمَ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرَ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . قَالُوا : فَكَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِلْمُقِيمِ إِفْطَارُ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَوْمُ عِدَّةٍ أَيَّامٍ أُخَرَ مَكَانَهَا - لِأَنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِشُهُودِهِ الشَّهْرَ صَوْمُ الشَّهْرِ دُونَ غَيْرِهِ - فَكَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ مُقِيمًا ، صَوْمُهُ . لِأَنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
وَاعْتَلَوْا أَيْضًا مِنَ الْخَبَرِ بِمَا : - 2867 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . 2868 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِبَاحَةُ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، رَخَّصَهَا لِعِبَادِهِ ، وَالْفَرْضُ الصَّوْمُ .
فَمَنْ صَامَ فَرْضَهُ أَدَّى ، وَمَنْ أَفْطَرَ فَبِرُخْصَةِ اللَّهِ لَهُ أَفْطَرَ . قَالُوا : وَإِنْ صَامَ فِي سَفَرٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا أَقَامَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2869 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُرْوَةُ وَسَالِمٌ : أَنَّهُمَا كَانَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ هُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ فَتُذَاكِرُوا الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ، قَالَ سَالِمٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ .
وَقَالَ عُرْوَةُ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَصُومُ . فَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أَخَذْتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أَخَذْتُ عَنْ عَائِشَةَ .
حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ عفوًا ! إِذَا كَانَ يُسْرًا فَصُومُوا ، وَإِذَا كَانَ عُسْرًا فَأَفْطِرُوا . 2870 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ قَالَ : ذُكِرَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ .
2871 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي لَيَالٍ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ قَدْ تَشَعْشَعَ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ : أَوْ : تَسَعْسَعَ ، وَلَمْ يَشُكَّ يَعْقُوبُ - فَلَوْ صُمْنَا! فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ . ثُمَّ أَقْبَلَ مُرَّةُ قَافِلًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ أَهَلَّ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى السَّفَرَ ، فَلَوْ صُمْنَا وَلَمْ نَثْلَمْ شَهْرَنَا! قَالَ : فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ . 2872 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ - عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : قَدْ أَمَرْتُ غُلَامِي أَنْ يَصُومَ فَأَبَى .
قُلْتُ : فَأَيْنَ هَذِهِ الْآيَةُ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؟ قَالَ : نَزَلَتْ وَنَحْنُ يَوْمئِذٍ نَرْتَحِلُ جِيَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى غَيْرِ شِبَعٍ ، وَإِنَّا الْيَوْمَ نَرْتَحِلُ شِبَاعًا وَنَنْزِلُ عَلَى شِبَعٍ . 2873 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ . 2874 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : مَنْ أَفْطَرَ فَبِرُخْصَةِ اللَّهِ ، وَمَنْ صَامَ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ .
قَالَ : قُلْتُ : فَأَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ ، وَأَنْ تَصُومَ رَمَضَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 2884 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، وَالصَّوْمُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ . 2885 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ لِي مُجَاهِدٌ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ - يَعْنِي صَوْمَ رَمَضَانَ - : وَاللَّهِ مَا مِنْهُمَا إِلَّا حَلَالٌ ، الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ ، وَمَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْإِفْطَارِ إِلَّا التَّيْسِيرَ لِعِبَادِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَرِيضًا لَوْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ - وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ الْإِفْطَارُ لِمَرَضِهِ - أَنَّ صَوْمَهُ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ بِعِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْمُسَافِرِ حُكْمُهُ فِي أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِنْ صَامَهُ فِي سَفَرِهِ . لِأَنَّ الَّذِي جَعَلَ لِلْمُسَافِرِ مِنَ الْإِفْطَارِ وَأَمَرَ بِهِ مِنْ قَضَاءِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، مِثْلُ الَّذِي جُعِلَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ وَأُمِرَ بِهِ مِنَ الْقَضَاءِ . ثُمَّ فِي دَلَالَةِ الْآيَةِ كِفَايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ اسْتِشْهَادِ شَاهِدٍ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِهَا .
وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، وَلَا عُسْرَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ صَامَهُ فِي سَفَرِهِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَقَدْ تَكَلَّفَ أَدَاءَ فَرْضِهِ فِي أَثْقَلِ الْحَالَيْنِ عَلَيْهِ حَتَّى قَضَاهُ وَأَدَّاهُ . فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَبَاوَةٍ أَنَّ الَّذِي صَامَهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضَهُ الْوَاجِبَ ، فَإِنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، مَا يُنْبِئُ أَنَّ الْمَكْتُوبَ صَوْمُهُ مِنَ الشُّهُورِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ، هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا ، لِعُمُومِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مَعْنَاهُ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَأَفْطَرَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أَيَّامٍ أُخَرَ مَكَانَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَ فِي سِفْرِهِ أَوْ مَرَضِهِ ثُمَّ فِي تَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ - إِذْ سُئِلَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ - الْكِفَايَةُ الْكَافِيَةُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهِ . 2889 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ وَوَكِيعٌ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ حَمْزَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ - وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ .
2890 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَعُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهُبَارِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . 2891 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ ، فَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ ، فَمَنْ فَعَلَهَا فَحَسَنٌ جَمِيلٌ ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ . فَكَانَ حَمْزَةُ يَصُومُ الدَّهْرَ ، فَيَصُومُ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ .
وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَصُومُ الدَّهْرَ ، فَيَصُومُ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَمْرَضُ فَلَا يُفْطِرُ . وَكَانَ أَبُو مُرَاوِحٍ يَصُومُ الدَّهْرَ ، فَيَصُومُ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ . فَفِي هَذَا ، مَعَ نَظَائِرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ ، الدَّلَالَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّ الْإِفْطَارَ رُخْصَةٌ لَا عَزْمٌ ، وَالْبَيَانُ الْوَاضِحُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ الْأَخْبَارَ بِمَا قُلْتُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَظَاهِرَةً ، فَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الصِّيَامُ فِي مَثَلِ الْحَالِ الَّتِي جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ قَالَ لَهُ . 2892 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ السَّبِيعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا فِي سَفَرِهِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، فَقَالَ : مِنْ هَذَا؟ قَالُوا : صَائِمٌ . قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّيْخُ غَلَطٌ ، وَبَيْنَ ابْنِ إِدْرِيسَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شُعْبَةُ . 2892 م - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : هَذَا رَجُلٌ صَائِمٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . فَمَنْ بَلَغَ مِنْهُ الصَّوْمُ مَا بَلَغَ مِنَ الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَلِكَ ، فَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ صَوْمُهُ .
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَعْرِيضَ نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ هَلَاكُهَا ، وَلَهُ إِلَى نَجَاتِهَا سَبِيلٌ . وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْبِرُّ بِمَا نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، لَا بِمَا نَهَى عَنْهُ . وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لِمَنْ بَلَغَ مِنْهُ الصَّوْمُ مَا بَلَغَ مِنْ هَذَا الَّذِي ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، إِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ أَنْ يُضَافَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنْ كَانَ قِيلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي جَاءَتْ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاهِيَةُ الْأَسَانِيدِ ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا فِي الدِّينِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ عَطَفَ عَلَى الْمَرِيضِ ، وَهُوَ اسْمٌ بِقَوْلِهِ : أَوْ عَلَى سَفَرٍ وَ عَلَى صِفَةٌ لَا اسْمٌ . قِيلَ : جَازَ أَنْ يُنَسِّقَ بِ عَلَى عَلَى الْمَرِيضِ ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْفِعْلِ .
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَوْ مُسَافِرًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [ يُونُسُ : 12 ] ، فَعَطَفَ بِ الْقَاعِدِ ، وَالْقَائِمِ عَلَى اللَّامِ الَّتِي فِي لِجَنْبِهِ ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا الْفِعْلُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : دَعَانَا مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - بِتَرْخِيصِهِ لَكُمْ فِي حَالِ مَرَضِكِمْ وَسَفَرِكُمْ فِي الْإِفْطَارِ ، وَقَضَاءِ عِدَّةِ أَيَّامٍ أُخَرَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرْتُمُوهَا بَعْدَ إِقَامَتِكُمْ وَبَعْدَ بُرْئِكُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ - التَّخْفِيفَ عَلَيْكُمْ ، وَالتَّسْهِيلَ عَلَيْكُمْ ، لِعِلْمِهِ بِمَشَقَّةِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، يَقُولُ : وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الشِّدَّةَ وَالْمَشَقَّةَ عَلَيْكُمْ ، فَيُكَلِّفُكُمْ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، مَعَ عِلْمِهِ شِدَّةَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، وَثِقَلَ حِمْلِهِ عَلَيْكُمْ لَوْ حَمَّلَكُمْ صَوْمَهُ ، كَمَا : - 2893 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ، قَالَ : الْيُسْرُ : الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ ، وَالْعُسْرُ : الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ . 2894 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : يُسْرٌ وَعُسْرٌ .
فَخُذْ بِيُسْرِ اللَّهِ . 2895 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ . قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ شِبْلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ - قَالَ : هُوَ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ ، وَجَعْلُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ - وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، عِدَّةَ مَا أَفْطَرْتُمْ ، مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ قَضَاءَ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ بَعْدَ بُرْئِكُمْ مَنْ مَرَضِكُمْ ، أَوْ إِقَامَتِكُمْ مَنْ سَفَرِكُمْ ، كَمَا : 2899 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، قَالَ : عِدَّةَ مَا أَفْطَرَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ . 2900 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَالَ : إِكْمَالُ الْعِدَّةِ : أنَ يَصُومَ مَا أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ فِي سِفْرٍ أَوْ مَرَضٍ [ إِلَى ] أَنْ يُتِمَّهُ ، فَإِذَا أَتَمَّهُ فَقَدْ أَكْمَلَ الْعِدَّةَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا الَّذِي عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عَطَفَتْ؟ .
قِيلَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَيُرِيدُ لِتُكْمِلُوا الْعُدَّةَ وَلِتَكْبُرُوا اللَّهَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : وَهَذِهِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا لَامُ كَيْ لَوْ أُلْقِيَتْ كَانَ صَوَابًا .
قَالَ : وَالْعَرَبُ تُدْخِلُهَا فِي كَلَامِهَا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا ، وَلَا تَكُونُ شَرْطًا لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا وَفِيهَا الْوَاوُ ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : جِئْتُكَ لِتُحْسِنَ إِلَيَّ ، وَلَا تَقُولُ : جِئْتُكَ وَلِتُحْسِنَ إِلَيَّ ، فَإِذَا قَلْتَهُ فَأَنْتَ تُرِيدُ : وَلِتُحْسِنَ جِئْتُكَ . قَالَ : وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، مِنْهُ قَوْلُهُ : وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [ سُورَةَ الْأَنْعَامِ : 113 ] ، وَقَوْلُهُ : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [ سُورَةَ الْأَنْعَامِ : 75 ] ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْوَاوُ كَانَ شَرْطًا عَلَى قَوْلِكَ : أَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَكُونَ . فَإِذَا كَانَتِ الْوَاوُ فِيهَا فَلَهَا فِعْلٌ مُضْمَرٌ بَعْدَهَا ، وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، أَرَيْنَاهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي الْعَرَبِيَّةِ . لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، لَيْسَ قَبْلَهُ لَامٌ بِمَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فَتَعْطِفَ بِقَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ عَلَيْهَا - وَإِنَّ دُخُولَ الْوَاوِ مَعَهَا ، يُؤْذَنُ بِأَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهَا ، إِذْ كَانَتِ الْوَاوُ لَوْ حُذِفَتْ كَانَتْ شَرْطًا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْفِعْلِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ بِالذِّكْرِ لَهُ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ ، مِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي خُذِلَ عَنْهَا غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَثْلُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِيهِ ، فَضَلُّوا عَنْهُ بِإِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَخَصَّكُمْ بِكَرَامَتِهِ فَهَدَاكُمْ لَهُ ، وَوَفَّقَكُمْ لِأَدَاءِ مَا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ صَوْمِهِ ، وَتَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ لَهُ .
وَالذِّكْرُ الَّذِي حَضَّهُمُ اللَّهُ عَلَى تَعْظِيمِهِ بِهِ ، التَّكْبِيرُ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فِيمَا تَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2901 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ يَقُولُ : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ، قَالَ : إِذَا رَأَى الْهِلَالَ ، فَالتَّكْبِيرُ مِنْ حِينِ يَرَى الْهِلَالَ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ ، فِي الطَّرِيقِ وَالْمَسْجِدِ ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ كَفَّ فَلَا يُكَبِّرْ إِلَّا بِتَكْبِيرِهِ . 2902 - حَدَّثَنِي الْمُثْنِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ، قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ التَّكْبِيرُ يَوْمَ الْفِطْرِ .
2903 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى هِلَالِ شَوَّالٍ أَنْ يُكَبِّرُوا اللَّهَ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْ عِيدِهِمْ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَقُولُ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : يَنْبَغِي لَهُمْ إِذَا غَدَوَا إِلَى الْمُصَلَّى كَبَّرُوا ، فَإِذَا جَلَسُوا كَبَّرُوا ، فَإِذَا جَاءَ الْإِمَامُ صَمَتُوا ، فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَبَّرُوا ، وَلَا يَكْبِّرُونَ إِذَا جَاءَ الْإِمَامُ إِلَّا بِتَكْبِيرِهِ ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ وَانْقَضَتِ الصَّلَاةُ فَقَدِ انْقَضَى الْعِيدُ . قَالَ يُونُسُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : وَالْجَمَاعَةُ عِنْدَنَا عَلَى أَنْ يَغْدُوَا بِالتَّكْبِيرِ إِلَى الْمُصَلَّى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَلِتَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ ، وَتَيْسِيرِ مَا لَوْ شَاءَ عَسُرَ عَلَيْكُمْ . وَ لَعَلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى كَيْ وَلِذَلِكَ عُطِفَ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .