الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ . وَقَالُوا : أُمِرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِ بَرَاءَةٍ .
وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ، هُوَ نَهْيُهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِي . قَالُوا : وَالنَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِمْ ثَابِتٌ حُكْمُهُ الْيَوْمَ . قَالُوا : فَلَا شَيْءَ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ .
3094 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ يَقُولُ : لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ وَلَا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَكَفَ يَدَهُ ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا فَقَدَ اعْتَدَيْتُمْ . 3095 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ : إِنِّي وَجَدْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ أَيْ : لَا تُقَاتِلْ مَنْ لَا يُقَاتِلُكَ ، يَعْنِي : النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالرُّهْبَانَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي نَسْخَ آيَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ ، بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، تَحَكُّمٌ . وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ . وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى مَعْنَى النُّسَخِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ يُثْبِتُ صِحَّةَ النَّسْخِ ، بِمَا قَدْ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ - إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : وَقَاتِلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَسَبِيلُهُ : طَرِيقُهُ الَّذِي أَوْضَحَهُ ، وَدِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَاتَلُوا فِي طَاعَتِي وَعَلَى مَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنْ دِينِي ، وَادْعُوَا إِلَيْهِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ وَاسْتَكْبَرَ بِالْأَيْدِي وَالْأَلْسُنِ ، حَتَّى يَنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي ، أَوْ يُعْطُوكُمُ الْجِزْيَةَ صَغَارًا إِنَّ كَانُوا أَهْلَ كُتَّابٍ . وَأَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقِتَالِ مَنْ كَانَ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ مُقَاتِلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَّارِيهِمْ ، فَإِنَّهُمْ أَمْوَالٌ وَخَوَلٌ لَهُمْ إِذَا غُلِبَ الْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ فَقُهِرُوا ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْكَفَّ عَمَّنْ كَفَّ ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالْكَافِّينَ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ صَغَارًا . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَلَا تَعْتَدُوا : لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا مَنْ أَعْطَاكُمُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ حُدُودَهُ ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَذَرَارِيهِمْ .