الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ . وَالْأَشْهُرُ مَرْفُوعَاتٌ بِ الْحَجِّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَقْتًا ، لَا صِفَةً وَنَعْتًا ، إِذْ لَمْ تَكُنْ مَحْصُورَاتٍ بِتَعْرِيفٍ ، بِإِضَافَةٍ إِلَى مَعْرِفَةٍ أَوْ مَعْهُودٍ ، فَصَارَ الرَّفْعُ فِيهِنَّ كَالرَّفْعِ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحَلِّ : الْمُسْلِمُونَ جَانِبٌ ، وَالْكُفَّارُ جَانِبٌ ، بِرَفْعِ الْجَانِبِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا عَلَى حَدٍّ مَعْرُوفٍ . وَلَوْ قِيلَ : جَانِبُ أَرْضِهِمْ ، أَوْ بِلَادِهِمْ ، لَكَانَ النَّصْبُ هُوَ الْكَلَامَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِ الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ : شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ ، وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3518 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُهُ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ قَالَ : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَعَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ .
3535 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَقِيلٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَعْنِي بِذَلِكَ شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ ، وَذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3536 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسَمِّي أَشْهُرَ الْحَجِّ؟ قَالَ : نَعَمْ ، شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ .
3543 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، مِثْلَهُ . 3544 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَشْهُرُ الْحَجِّ : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَمَلَ الْحَجِّ لَا يُعْمَلُ بَعْدَ تَقَضِّي أَيَّامِ مِنًى؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ ، وَإِنَّمَا عَنَوْا بِقِيلِهِمُ : الْحَجُّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ ، أَنَّهُنَّ أَشْهُرُ الْحَجِّ لَا أَشْهُرَ الْعُمْرَةِ ، وَأَنْ شُهُورَ الْعُمْرَةِ سِوَاهُنَّ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ مَا : - 3545 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَنْ تَفْصِلُوا بَيْنَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَتَجْعَلُوا الْعُمْرَةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ . 3546 - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : مَا لَقِيَنِي - أَيُّوبُ أَوْ قَالَ : مَا لَقِيتُ أَيُّوبَ - إِلَّا سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ : امْرَأَةٌ مِنَّا قَدْ حَجَّتْ ، أَوْ هِيَ تُرِيدُ أَنْ تَحُجَّ ، أَفَتَجْعَلُ مَعَ حَجِّهَا عُمْرَةً؟ فَقَالَ : مَا أَرَى هَؤُلَاءِ إِلَّا أَشْهُرَ الْحَجِّ . قَالَ : فَيَقُولُ لِي أَيُّوبُ وَمَنْ عِنْدَهُ : مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَكَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ؟ ! .
3547 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : إِنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ . قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : الْعُمْرَةُ فِي الْمُحَرَّمِ؟ فَقَالَ : كَانُوا يَرَوْنَهَا تَامَّةً . 3548 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، قَالَ : كَانُوا لَا يَرَوْنَهَا تَامَّةً .
3552 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَّا أَرَادَتْ أَنْ تَجْمَعَ مَعَ حَجِّهَا عُمْرَةً ، فَقَالَ : أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ مَا أَرَاهَا إِلَّا أَشْهُرَ الْحَجِّ . 3553 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حِزَامٌ الْقُطَعِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ : مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ شَكَّ أَنَّ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِاسْتِيعَابِ ذِكْرِهِ الْكِتَابُ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قِيلِ مَنْ قَالَ : وَقْتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَوَاملَ ، أَنَّهُنَّ مِنْ غَيْرِ شُهُورِ الْعُمْرَةِ ، وَأَنَّهُنَّ شُهُورٌ لِعَمَلِ الْحَجِّ دُونَ عَمَلِ الْعُمْرَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْحَجِّ إِنَّمَا يُعْمَلُ فِي بَعْضِهِنَّ لَا فِي جَمِيعِهِنَّ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا قَصَدَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ إِلَى تَعْرِيفِ خَلْقِهِ مِيقَاتَ حَجِّهِمْ ، لَا الْخَبَرَ عَنْ وَقْتِ الْعُمْرَةِ . قَالُوا : فَأَمَّا الْعُمْرَةُ ، فَإِنَّ السَّنَةَ كُلَّهَا وَقْتٌ لَهَا ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي بَعْضِ شُهُورِ الْحَجِّ ، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ خَبَرٌ . قَالُوا : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ عَمَلُ الْحَجِّ يَنْقَضِي وَقْتُهُ بِانْقِضَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ ، عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ إِنَّمَا هُوَ مِيقَاتُ الْحَجِّ ، شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : الْحَجُّ شَهْرَانِ وَعَشْرٌ مِنَ الثَّالِثِ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ عَنْ مِيقَاتِ الْحَجِّ ، وَلَا عَمَلَ لِلْحَجِّ يُعْمَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ جَمِيعَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِهِ جَمِيعُهُ ، صَحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ قِيلَ : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَهُوَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؟ قِيلَ : إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ خَاصَّةً فِي الْأَوْقَاتِ مِنِ اسْتِعْمَالِ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَتَقُولُ : لَهُ الْيَوْمُ يَوْمَانِ مُنْذُ لَمْ أَرَهُ ، وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ : يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 203 ] وَإِنَّمَا يَتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَنِصْفٍ . وَقَدْ يَفْعَلُ الْفَاعِلُ مِنْهُمُ الْفِعْلَ فِي السَّاعَةِ ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَامًّا عَلَى السَّنَةِ وَالشَّهْرِ ، فَيَقُولُ : زُرْتُهُ الْعَامَ ، وَأَتَيْتُهُ الْيَوْمَ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ أَخَذَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ فَعَلَهُ إِذْ ذَاكَ ، وَفِي ذَلِكَ الْحِينِ ، فَكَذَلِكَ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ : الْحَجُّ شَهْرَانِ وَبَعْضُ آخَرَ .
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : مِيقَاتُ حَجِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ ، وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى نَفْسِهِ وَأَلْزَمَهَا إِيَّاهُ فِيهِنَّ - يَعْنِي : فِي الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي بَيَّنَهَا . وَإِيجَابُهُ إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ ، الْعَزْمُ عَلَى عَمَلِ جَمِيعِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْحَاجِّ عَمَلَهُ ، وَتَرْكُ جَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّجُلُ فَارِضًا الْحَجَّ ، بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْفَرْضِ : الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَرْضُ الْحَجِّ الْإِهْلَالُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3554 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالَ : مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ .
3561 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالَ : التَّلْبِيَةُ . 3562 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الضَّرِيرُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ جَبْرِ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ : مَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ، قَالَ : إِذَا اغْتَسَلْتَ وَلَبِسْتَ ثَوْبَكَ وَلَبَّيْتَ ، فَقَدْ فَرَضْتَ الْحَجَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : فَرْضُ الْحَجِّ إِحْرَامُهُ .
3569 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَقِيلٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . 3570 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالَ : مَنْ أَحْرَمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ - كَانَ عِنْدَ قَائِلِهِ - الْإِيجَابَ بِالْعَزْمِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ عِنْدَهُ بِالْعَزْمِ وَالتَّلْبِيَةِ ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُونَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى ذَلِكَ . وَقُلْنَا : إِنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ إِيجَابُ الرَّجُلِ مَا يَلْزَمُ الْمُحَرِمَ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا آنِفًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غَيْرَ مُحَرِمٍ إِلَّا بِالتَّلْبِيَةِ وَفِعْلِ جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُوجِبِ الْإِحْرَامَ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَهُ ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُحَرِمًا إِلَّا بِالتَّجَرُّدِ لِلْإِحْرَامِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَجَرِّدًا فَغَيْرُ مُحَرِمٍ . وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحَرِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَجَرِّدًا مِنْ ثِيَابِهِ ، بِإِيجَابِهِ الْإِحْرَامَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ ، إِذْ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ بَعْضَ مَشَاعِرِ الْإِحْرَامِ ، كَمَا التَّجَرُّدُ لَهُ بَعْضُ مَشَاعِرِهِ .
وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحَرِمًا بِتَرْكِ بَعْضِ مَشَاعِرِ حَجِّهِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنْ مَشَاعِرِهِ حُكْمُهُ . أَوْ يَكُونُ - إِذْ فَسَدَ هَذَا الْقَوْلُ - قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ وَلَمْ يَتَجَرَّدْ وَلَمْ يَعْزِمِ الْعَزْمَ الَّذِي وَصَفْنَا . وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا مَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِحْرَامِ وَيُوجِبْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ ، مَا يُنْبِئُ عَنْ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ .
وَإِذْ فَسَدَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَبَيِّنَةٌ صِحَّةُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا بِإِيجَابِهِ الْإِحْرَامَ بِعَزْمِهِ عَلَى سَبِيلِ مَا بَيَّنَّا ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِالتَّجَرُّدِ وَالتَّلْبِيَةِ وَصَنِيعِ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِنْ مَنَاسِكِهِ . وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ ، هُوَ مَا قُرِنَ إِيجَابُهُ بِالْعَزْمِ ، عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا قَبْلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا رَفَثَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّفَثِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْإِفْحَاشُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْكَلَامِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ : إِذَا حَلَلْنَا فَعَلْتُ بِكِ كَذَا وَكَذَا ، لَا يُكَنِّي عَنْهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
3577 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيَحِلُّ لِلْمُحَرِمِ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ : إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ ؟ قَالَ : لَا ، ذَاكَ الرَّفَثُ . قَالَ : وَقَالَ عَطَاءٌ : الرَّفَثُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ . 3578 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : الرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ .
فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : صَدَقَ! قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَا الْإِعْرَابُ ؟ قَالَ : التَّعْرِيضُ . 3582 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ الْإِعْرَابَةُ . قَالَ طَاوُسٌ : وَالْإِعْرَابَةُ : أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مُحْرِمٌ : إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ .
وَالْإِعْرَابَةُ التَّعْرِيضُ . 3586 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَلَا رَفَثَ قَالَ : الرَّفَثُ الَّذِي ذُكِرَ هَهُنَا ، لَيْسَ بِالرَّفَثِ الَّذِي ذُكِرَ فِي : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 187 ] وَمِنَ الرَّفَثِ ، التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ ، وَهِيَ الْإِعْرَابَةُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ . 3587 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ : قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْرِيبَ لِلْمُحْرِمِ .
3591 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلْحَادِي : لَا تُعَرِّضْ بِذِكْرِ النِّسَاءِ . 3592 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّفَثُ فِي الصِّيَامِ : الْجِمَاعُ ، وَالرَّفَثُ فِي الْحَجِّ الْإِعْرَابَةُ . وَكَانَ يَقُولُ : الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ الْجِمَاعُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الرَّفَثُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْجِمَاعُ نَفْسُهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3593 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، قَالَ : الرَّفَثُ : الْجِمَاعُ . 3594 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
3598 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرْتَجِزُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، يَقُولُ : خَرَجْنَ يَسْرِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا قَالَ شَرِيكٌ : أَلَا إِنَّهُ لَمْ يُكَنِّ عَنِ الْجِمَاعِ - لَمِيسًا . فَقُلْتُ : أَلَيْسَ هَذَا الرَّفَثَ؟ قَالَ : لَا إِنَّمَا الرَّفَثُ : إِتْيَانُ النِّسَاءِ وَالْمُجَامَعَةُ . 3599 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عَوْنٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ - إِلَّا أَنَّ عَوْنًا صَرَّحَ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَى - مَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - عَنِ الرَّفَثِ ، فَقَالَ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ . وَ الرَّفَثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : أَصْلُهُ الْإِفْحَاشُ فِي الْمَنْطِقِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلُهُ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ الْجِمَاعِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَفِي هَذَا النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ مَعَانِي الرَّفَثِ أَمْ عَنْ جَمِيعِ مَعَانِيهِ؟ - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ ، إِذْ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ بِخُصُوصِ الرَّفَثِ الَّذِي هُوَ بِالْمَنْطِقِ عِنْدَ النِّسَاءِ مِنْ سَائِرِ مَعَانِي الرَّفَثِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ نَقْلُ حُكْمِ ظَاهِرِ آيَةٍ إِلَى تَأْوِيلٍ بَاطِنٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ حُكْمَهَا مِنْ عُمُومِ ظَاهِرِهَا إِلَى الْبَاطِنِ مِنْ تَأْوِيلِهَا ، مَنْقُولٌ بِإِجْمَاعٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الرَّفَثَ عِنْدَ غَيْرِ النِّسَاءِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى مُحْرِمٍ ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ مَعْنِيٌّ بِهَا بَعْضُ الرَّفَثِ دُونَ بَعْضٍ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ لَا يَحْرُمَ مِنْ مَعَانِي الرَّفَثِ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ إِلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ قَامَتْ بِتَحْرِيمِهِ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا .
قِيلَ : إِنَّ مَا خُصَّ مِنَ الْآيَةِ فَأُبِيحَ ، خَارِجٌ مِنَ التَّحْرِيمِ ، وَالْحَظْرُ ثَابِتٌ لِجَمِيعِ مَا لَمْ تُخَصِّصْهُ الْحُجَّةُ مِنْ مَعْنَى الرَّفَثِ بِالْآيَةِ ، كَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ لَوْ لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لَأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ وَأُخْرِجَ مِنْ عُمُومِهِ إِنَّمَا لَزِمَنَا إِخْرَاجُ حُكْمِهِ مِنَ الْحَظْرِ بِأَمْرِ مَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُ أَمْرِهِ ، فَكَانَ حُكْمُ مَا شَمِلَهُ مَعْنَى الْآيَةِ - بَعْدَ الَّذِي خُصَّ مِنْهَا - عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُ الْعِبَادَ فَرْضُهُ بِهَا لَوْ لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ لَأَنَّ الْعِلَّةَ فِيمَا لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا بَعْدَ الَّذِي خُصَّ مِنْهَا ، نَظِيرُ الْعِلَّةِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُخَصَّ مِنْهَا شَيْءٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا فُسُوقَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْفُسُوقِ ، الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3631 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ الْفُسُوقُ : الْمَعَاصِي .
3654 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الْفُسُوقُ : الْمَعَاصِي . وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْفُسُوقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْإِحْرَامِ مِمَّا نَهَى عَنْهُ فِيهِ ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ ، وَأَخْذِ شَعْرٍ ، وَقَلْمِ ظُفْرٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْإِحْرَامَ ، وَأَمَرَ بِالتَّجَنُّبِ مِنْهُ فِي خِلَالِ الْإِحْرَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3655 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْفُسُوقُ إِتْيَانُ مَعَاصِي اللَّهِ فِي الْحَرَمِ . 3656 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : الْفُسُوقُ : مَا أُصِيبَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِهِ ، صَيْدٌ أَوْ غَيْرُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْفُسُوقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : السِّبَابُ .
3666 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا فُسُوقَ قَالَ : الْفُسُوقُ : السِّبَابُ . 3667 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُسُوقُ : الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3668 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي الْفُسُوقِ : الذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ ، وَقَرَأَ : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الْأَنْعَامِ : 145 ] فَقَطَعَ ذَلِكَ أَيْضًا ، قَطْعَ الذَّبْحِ لِلْأَنْصَابِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ حَجَّ فَعَلَّمَ أُمَّتَهَ الْمَنَاسِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُسُوقُ : التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3669 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا فُسُوقَ النَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي إِصَابَةِ الصَّيْدِ ، وَفِعْلِ مَا نَهَى اللَّهُ الْمُحْرِمَ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلَا يَرْفُثْ ، وَلَا يَفْسُقْ ، أَيْ لَا يَفْعَلْ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ ، وَلَا يَخْرُجْ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي إِحْرَامِهِ . وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ مَعَاصِيَهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَكَذَلِكَ حَرَّمَ التَّنَابُزَ بِالْأَلْقَابِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ [ الْحُجُرَاتِ : 11 ] وَحَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ سِبَابَ أَخِيهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَرَضَ الْحَجَّ أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ الْعَبْدَ مِنَ الْفُسُوقِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ وَفَرْضِهِ الْحَجَّ ، هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فُسُوقًا فِي حَالِ إِحْلَالِهِ وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ بِحَجِّهِ ، كَمَا أَنَّ الرَّفَثَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ فِي حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ ، هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ إِحْرَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ فِيمَا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ : لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي كُلِّ حَالٍ . لِأَنَّ خُصُوصَ حَالِ الْإِحْرَامِ بِهِ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَقَدْ عَمَّ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ مِنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الْفُسُوقِ فَخُصَّ بِهِ حَالُ إِحْرَامِهِ ، وَقِيلَ لَهُ : إِذَا فَرَضْتَ الْحَجَّ فَلَا تَفْعَلْهُ ، هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا قَبْلَ حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ ، وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا وَذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ : مِنَ الطِّيبِ ، وَاللِّبَاسِ ، وَالْحَلْقِ ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَسَائِرِ مَا خَصَّ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الْمُحْرِمَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ ، فَلَا يَرْفُثْ عِنْدَ النِّسَاءِ فَيُصَرِّحْ لَهُنَّ بِجِمَاعِهِنَّ ، وَلَا يُجَامِعْهُنَّ ، وَلَا يَفْسُقْ بِإِتْيَانِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجِّهِ ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ ، وَأَخْذِ شَعْرٍ ، وَقَلْمِ ظُفْرٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُجَادِلَ الْمُحْرِمُ أَحَدًا .
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَهَى عَنْ أَنْ يُجَادِلَ صَاحِبَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3670 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، قَالَ : أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ .
3695 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ قَالَا هُوَ الصَّخَبُ وَالْمِرَاءُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ . 3696 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجِدَالَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : الْجِدَالُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَعْنَاهُ : السِّبَابُ .
3700 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، جَمِيعًا عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الْجِدَالُ : السِّبَابُ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ خَاصًّا مِنَ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ ، وَإِنَّمَا عَنَى الِاخْتِلَافَ فِي مَنْ هُوَ أَتَمُّ حَجًّا مِنَ الْحُجَّاجِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3701 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : الْجِدَالُ ، كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ : حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ! ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ : حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ! .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ كَانَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ الْحَجُّ ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3702 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ جَبْرِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ : الْحَجُّ الْيَوْمَ! ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : الْحَجُّ غَدًا ! . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اخْتِلَافُهُمْ ذَلِكَ فِي أَمْرِ مَوَاقِفِ الْحَجِّ أَيُّهُمُ الْمُصِيبُ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3703 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، قَالَ : كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً يَتَجَادَلُونَ ، كُلُّهُمْ يَدَّعِي أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ . فَقَطَعَهُ اللَّهُ حِينَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنَاسِكِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اسْتِقَامَةِ وَقْتِ الْحَجِّ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ لَا يَتَقَدَّمُهُ وَلَا يَتَأَخَّرُهُ ، وَبُطُولِ فِعْلِ النَّسِيءِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3704 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، قَالَ : قَدِ اسْتَقَامَ الْحَجُّ وَلَا جِدَالَ فِيهِ . 3705 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، قَالَ : لَا شَهْرَ يُنْسَأُ ، وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ ، قَدْ بُيِّنَ . كَانُوا يُسْقِطُونَ الْمُحَرَّمَ ثُمَّ يَقُولُونَ : صَفَرَانِ لِصِفْرٍ وَشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَقُولُونَ : شَهْرَا رَبِيعٍ لِشَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَى الْأُولَى ، ثُمَّ يَقُولُونَ : جُمَادِيَّانِ لِجُمَادَى الْآخِرَةِ وَلِرَجَبٍ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِشَعْبَانَ : رَجَبٌ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِرَمَضَانَ : شَعْبَانُ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِشَوَّالٍ : رَمَضَانُ ، وَيَقُولُونَ لِذِي الْقَعْدَةِ : شَوَّالٌ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِذِي الْحِجَّةِ : ذَا الْقَعْدَةِ ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِلْمُحَرَّمِ : ذَا الْحِجَّةِ ، فَيَحُجُّونَ فِي الْمُحَرَّمِ .
ثُمَّ يَأْتَنِفُونَ فَيَحْسُبُونَ عَلَى ذَلِكَ عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً عَلَى وَجْهِ مَا ابْتَدَءُوا ، فَيَقُولُونَ : الْمُحَرَّمُ وَصَفَرٌ وَشَهْرَا رَبِيعٍ ، فَيَحُجُّونَ فِي الْمُحَرَّمِ لِيَحُجُّوا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ ، فَيُسْقِطُونَ شَهْرًا آخَرَ ، فَيَعُدُّونَ عَلَى الْعُدَّةِ الْأُولَى ، فَيَقُولُونَ : صَفَرَانِ ، وَشَهْرَا رَبِيعٍ نَحْوَ عِدَّتِهِمْ فِي أَوَّلِ مَا أَسْقَطُوا . 3706 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ . 3707 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : صَاحِبُ النَّسِيءِ الَّذِي يَنْسَأُ لَهُمْ أَبُو ثُمَامَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ .
3714 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ قَالَ : الْمِرَاءُ بِالْحَجِّ . 3715 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ الْحَجُّ . قَالَ : كَانُوا يَحُجُّونَ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ ، وَفِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرٍ عَامَيْنِ .
وَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ ، ثُمَّ وَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَةٍ ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَابِلٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ . 3716 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ قَالَ : بَيَّنَ اللَّهُ أَمْرَ الْحَجِّ وَمَعَالِمَهُ فَلَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ : وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قَدْ بَطَلَ الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ وَوَقْتِهِ ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ وَوَقْتُهُ عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَمَنَاسِكَ مُتَّفِقَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ وَلَا مِرَاءَ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ، ثُمَّ نَفَى عَنْ وَقْتِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي شِرْكِهَا تَخْتَلِفُ فِيهِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ فِي ذَلِكَ ، وَرَأَيْنَاهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا خَالَفَهُ ، لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْبَيَانِ آنِفًا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَا فُسُوقَ ، أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الَّذِي خُصَّ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ [ إِلَّا مَا هُوَ ] مُطْلَقٌ مُبَاحٌ فِي الْحَالِ الَّتِي يُخَالِفُهَا ، وَهِيَ حَالُ الْإِحْلَالِ . وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ مَا خُصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ حَالِ الْإِحْرَامِ ، إِنْ كَانَ سَوَاءً فِيهِ حَالُ الْإِحْرَامُ وَحَالُ الْإِحْلَالِ ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِهِ بِهِ حَالًا دُونَ حَالٍ ، وَقَدْ عَمَّ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، أَنَّ تَأْوِيلَهُ : لَا تُمَارِ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ ، إِلَّا أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : لَا تُمَارِهِ بِبَاطِلٍ حَتَّى تُغْضِبَهُ ، فَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ نَهَى عَنِ الْمِرَاءِ بِالْبَاطِلِ فِي كُلِّ حَالٍ ، مُحْرِمًا كَانَ الْمُمَارِي أَوْ مُحِلًّا فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ حَالِ الْإِحْرَامِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، لِاسْتِوَاءِ حَالِ الْإِحْرَامِ وَالْإِحْلَالِ فِي نَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ . أَوْ يَكُونُ أَرَادَ : لَا تُمَارِهِ بِالْحَقِّ ، وَذَلِكَ أَيْضًا مَا لَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِمَ لَوْ رَأَى رَجُلًا يَرُومُ فَاحِشَةً ، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِرَاءَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْهَا ، أَوْ رَآهُ يُحَاوِلُ ظُلْمَهُ وَالذَّهَابَ مِنْهُ بِحَقٍّ لَهُ قَدْ غَصَبَهُ عَلَيْهِ ، كَانَ عَلَيْهِ مِرَاؤُهُ فِيهِ وَجِدَالُهُ حَتَّى يَتَخَلَّصَهُ مِنْهُ .
دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ بِمَعْنَى النَّفْيِ عَنِ الْحَجِّ بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ جِدَالٌ وَمِرَاءٌ دُونَ النَّهْيِ عَنْ جِدَالِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَعْنِيهِمْ مِنَ الْأُمُورِ أَوْ لَا يَعْنِيهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ ، اسْتَحَقَّ مِنَ اللَّهِ الْكَرَامَةَ مَا وَصَفَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِحَجِّهِ ، تَارِكًا لِلرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ اللَّذَيْنِ نَهَى اللَّهُ الْحَاجَّ عَنْهُمَا فِي حَجِّهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِمَا الْجِدَالَ . فَلَوْ كَانَ الْجِدَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ مِمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عَلَى نَحْوِ الَّذِي تَأَوَّلَ ذَلِكَ مَنْ تَأَوَّلَهُ مِنْ أَنَّهُ الْمِرَاءُ وَالْخُصُومَاتُ أَوِ السِّبَابُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - لَمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخُصَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا الْحَاجُّ الَّذِي وَصَفَ أَمْرَهُ ، بِاجْتِنَابِ خَلَّتَيْنِ مِمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَجِّهِ دُونَ الثَّالِثَةِ الَّتِي هِيَ مَقْرُونَةٌ بِهِمَا .
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْنَى الثَّالِثَةِ مُخَالِفًا مَعْنَى صَاحِبَتَيْهَا فِي أَنَّهَا خَبَرٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا ، وَأَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ بِمَعْنَى النَّهْيِ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُجْتَنِبَهُمَا فِي حَجِّهِ مُسْتَوْجِبٌ مَا وَصَفَ مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ مِمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُكْرِمُهُ بِهِ - إِذْ كَانَتَا بِمَعْنَى النَّهْيِ - وَكَانَ الْمُنْتَهِي عَنْهُمَا لِلَّهِ مُطِيعًا بِانْتِهَائِهِ عَنْهُمَا تَرَكَ ذِكْرَ الثَّالِثَةِ ، إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَاهُمَا ، وَكَانَتْ مُخَالِفَةً سَبِيلُهَا سَبِيلَهُمَا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ إِعْرَابِ الْجِدَالِ وَإِعْرَابِ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ ، لِيَعْلَمَ سَامِعُ ذَلِكَ - إِذَا كَانَ مَنْ أَهْلِ الْفَهْمِ بِاللُّغَاتِ - أَنَّ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خُولِفَ بَيْنَ إِعْرَابَيْهِمَا اخْتِلَافُ مَعْنَيَيْهِمَا . وَإِنْ كَانَ صَوَابًا قِرَاءَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ إِعْرَابِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهِ ، إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُتْبِعُ بَعْضَ الْكَلَامِ بَعْضًا بِإِعْرَابٍ ، مَعَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي ، وَخَاصَّةً فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَلَامِ .
فَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ - قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ، بِرَفْعِ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَتَنْوِينِهِمَا ، وَفَتْحِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ . وَذَلِكَ هُوَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : النَّهْيُ عَنِ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي أَتَمِّهِمْ حَجًّا ، وَالْقَائِلِينَ : ، مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : غَدًا الْحَجُّ مُخَالِفًا بِهِ قَوْلَ الْآخَرِ : الْيَوْمَ الْحَجُّ ، فَقَوْلٌ فِي حِكَايَتِهِ الْكِفَايَةُ عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى وَهَائِهِ وَضَعْفِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُدْرَكُ صِحَّتُهُ إِلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيضٍ أَوَخَبَرٍ صَادِقٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْجِدَالِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا .
وَأَمَّا دَلَالَتُنَا عَلَى قَوْلِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ شُهُورِ الْحَجِّ ، فَالِاخْتِلَافُ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَخْتَلِفُ فِيهَا بَيْنَهَا قَبْلُ كَمَا وَصَفْنَا . وَأَمَّا دَلَالَتُنَا عَلَى أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَالْخَبَرُ الْمُسْتَفِيضُ فِي أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَقَدَّسَ اسْمُهُ : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا [ التَّوْبَةِ : 37 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : افْعَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فِي حَجِّكُمْ ، مِنْ إِتْمَامِ مَنَاسِكِكُمْ فِيهِ ، وَأَدَاءِ فَرْضِكُمُ الْوَاجِبِ عَلَيْكُمْ فِي إِحْرَامِكُمْ ، وَتَجَنُّبِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنَ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ فِي حَجِّكُمْ ، لِتَسْتَوْجِبُوا بِهِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ، فَإِنَّكُمْ مَهْمَا تَفْعَلُوا مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ خَيْرٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي وَطَلَبَ ثَوَابِي ، فَأَنَا بِهِ عَالِمٌ ، وَلِجَمِيعِهِ مُحْصٍ ، حَتَّى أُوَفِّيَكُمْ أَجْرَهُ ، وَأُجَازِيَكُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنِّي لَا تَخْفَى عَلَيَّ خَافِيَةٌ ، وَلَا يَنْكَتِمُ عَنِّي مَا أَرَدْتُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ؛ لِأَنِّي مُطَّلِعٌ عَلَى سَرَائِرِكُمْ ، وَعَالَمٌ بِضَمَائِرِ نُفُوسِكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَحْرَمَ رَمَى بِمَا مَعَهُ مِنَ الزَّادِ وَاسْتَأْنَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَزْوِدَةِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَتَزَوَّدُ مِنْهُمْ بِالتَّزَوُّدِ لِسَفَرِهِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا زَادٍ أَنْ يَحْتَفِظَ بِزَادِهِ فَلَا يَرْمِي بِهِ .
قَالَ عَمْرٌو : وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ مَرَّةً يَقُولُ : حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ سُئِلَ سَالِمٌ عَنْ زَادِ الْحَاجِّ ، فَقَالَ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ . 3737 - حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ ، وَيَقُولُونَ : نَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ ! ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . 3738 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ الْحَاجُّ مِنْهُمْ لَا يَتَزَوَّدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .
3739 - حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانُوا يُسَافِرُونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ، فَنَزَلَتْ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ : كَانُوا يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ . 3740 - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
3741 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . 3742 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْآفَاقِ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ يَتَوَصَّلُونَ بِالنَّاسِ بِغَيْرِ زَادٍ ، يَقُولُونَ : نَحْنُ مُتَّكِلُونَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .
3743 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَتَزَوَّدُوا ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْآفَاقِ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ ، يَتَوَصَّلُونَ بِالنَّاسِ بِغَيْرِ زَادٍ ، فَأُمِرُوا أَنْ يَتَزَوَّدُوا . 3744 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَتَوَصَّلُونَ بِالنَّاسِ ، فَأُمِرُوا أَنْ يَتَزَوَّدُوا وَلَا يَسْتَمْتِعُوا . قَالَ : وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى .
3748 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَخْرُجُونَ بِغَيْرِ زَادٍ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَتَزَوَّدُوا ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . 3749 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِيهِمْ لَيْسَتْ مَعَهُمْ أَزْوِدَةٌ ، يَقُولُونَ : نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا! . فَقَالَ اللَّهُ : تَزَوَّدُوا مَا يَكُفُّ وُجُوهَكُمْ عَنِ النَّاسِ .
3753 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَطَاءٍ الْبُكَائِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : هُوَ الطَّعَامُ ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ الطَّعَامُ قَلِيلًا . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا الطَّعَامُ؟ قَالَ : التَّمْرُ وَالسَّوِيقُ . 3754 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكَ قَوْلُهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، وَخَيْرُ زَادِ الدُّنْيَا الْمَنْفَعَةُ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ .
3758 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : كَانَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ يُحْرِّمُونَ الزَّادَ إِذَا خَرَجُوا حُجَّاجًا وَعُمَّارًا لِأَنْ يَتَضَيَّفُوا النَّاسَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . 3759 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَقْدَمُونَ مَكَّةَ بِغَيْرِ زَادٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : فَمَنْ فَرَضَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ ، فَلَا يَرْفُثَنَّ وَلَا يَفْسُقَنَّ .
فَإِنَّ أَمْرَ الْحَجِّ قَدِ اسْتَقَامَ لَكُمْ ، وَعَرَّفَكُمْ رَبُّكُمْ مِيقَاتَهُ وَحُدُودَهُ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ حَجِّكُمْ وَمَنَاسِكِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ مَهْمَا تَفْعَلُوا مَنْ خَيْرٍ أَمَرَكُمْ بِهِ أَوْ نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ ، يَعْلَمْهُ . وَتَزَوَّدُوا مِنْ أَقْوَاتِكُمْ مَا فِيهِ بَلَاغُكُمْ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ وَمَنَاسِكِكُمْ ، فَإِنَّهُ لَا بِرَّ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَرْكِكُمُ التَّزَوُّدَ لِأَنْفُسِكُمْ وَمَسْأَلَتِكُمُ النَّاسَ وَلَا فِي تَضْيِيعِ أَقْوَاتِكُمْ وَإِفْسَادِهَا ، وَلَكِنَّ الْبَرَّ فِي تَقْوَى رَبِّكُمْ بِاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي سَفَرِكُمْ لِحَجِّكُمْ وَفِعْلِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، فَإِنَّهُ خَيْرُ التَّزَوُّدِ ، فَمِنْهُ تَزَوَّدُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ .
3760 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، قَالَ : وَالتَّقْوَى عَمَلٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّقْوَى فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ( 197 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّقَوْنِ يَا أَهْلَ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمُ الَّتِي أَوْجَبْتُهَا عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ وَمَنَاسِكِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دِينِي الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ وَخَافُوا عِقَابِي بِاجْتِنَابِ مَحَارِمِي الَّتِي حَرَّمْتُهَا عَلَيْكُمْ ، تَنْجُوا بِذَلِكَ مِمَّا تَخَافُونَ مِنْ غَضَبِي عَلَيْكُمْ وَعِقَابِي ، وَتُدْرِكُوا مَا تَطْلُبُونَ مِنَ الْفَوْزِ بِجَنَّاتِي .
وَخَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْخِطَابِ بِذَلِكَ أُولِي الْأَلْبَابِ ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَأَهْلُ الْفِكْرِ الصَّحِيحِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي بِالْعُقُولِ تُدْرَكُ وَبِالْأَلْبَابِ تُفْهَمُ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ فِي الْخِطَابِ بِذَلِكَ حَظًّا ؛ إِذْ كَانُوا أَشْبَاحًا كَالْأَنْعَامِ ، وَصُوَرًا كَالْبَهَائِمِ ، بَلْ هُمْ مِنْهَا أَضَلُّ سَبِيلًا . وَ الْأَلْبَابُ : جَمْعُ لُبٍّ ، وَهُوَ الْعَقْلُ .