الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ جُنَاحٌ . وَ الْجُنَاحُ ، الْحَرَجُ ، كَمَا : - 3761 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، وَهُوَ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَهُ . وَقَوْلُهُ : أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، يَعْنِي : أَنْ تَلْتَمِسُوا فَضْلًا مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ .
يُقَالُ مِنْهُ : ابْتَغَيْتُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ - وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ - أَبْتَغِيهِ ابْتِغَاءً ، إِذَا طَلَبْتُهُ وَالْتَمَسْتُهُ ، وَبَغَيْتُهُ أَبْغِيهِ بَغْيًا ، كَمَا قَالَ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ : بَغَاكَ ، وَمَا تَبْغِيهِ حَتَّى وَجَدْتَهُ كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدًا يَعْنِي طَلَبَكَ وَالْتَمَسَكَ . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهِ ، الْتِمَاسُ رِزْقِ اللَّهِ بِالتِّجَارَةِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا لَا يَرَوْنَ أَنْ يَتَّجِرُوا إِذَا أَحْرَمُوا يَلْتَمِسُونَ الْبِرَّ بِذَلِكَ ، فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ لَا بِرَّ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ لَهُمُ الْتِمَاسَ فَضْلِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3762 - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانُوا يَحُجُّونَ وَلَا يَتَّجِرُونَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، قَالَ : فِي الْمَوْسِمِ .
3775 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، قَالَ : التِّجَارَةُ ، أُحِلَّتْ لَهُمْ فِي الْمَوَاسِمِ . قَالَ : فَكَانُوا لَا يَبِيعُونَ ، أَوْ يَبْتَاعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ . 3776 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
قَالَ : اتَّجِرُوا فِي الْمَوْسِمِ . 3783 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَتَبَايَعُوا حَتَّى يَقْضُوا حَجَّهُمْ ، فَأَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمْ . 3784 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ ، يَقُولُونَ : أَيَّامُ ذِكْرٍ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ، فَحَجُّوا .
فَأَحَلَّ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، أَنْ يَعْرُجُوا عَلَى حَاجَتِهِمْ ، وَأَنْ يَطْلُبُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ . 3788 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمْرَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُمْرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ : وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلَّا فِي الْحَجِّ . 3789 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا قَوْمٌ نُكْرَى فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا حَجٌّ ! قَالَ : أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ ، وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ ، وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ؟ قَالَ : بَلَى! قَالَ : فَأَنْتَ حَاجٌّ! جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ .
3790 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانُوا إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ لَمْ يَتَّجِرُوا بِتِجَارَةٍ ، وَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى كَسِيرٍ ، وَلَا عَلَى ضَالَّةٍ ، فَأَحَلَّ اللَّهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . 3791 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَكَانُوا يَتَّجِرُونَ فِيهَا . فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ تَأْثَّمُوا مِنْهَا ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ ، فَإِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي يَضْرِبُ الْقِدَاحَ بَيْنَ الْأَيْسَارِ : مُفِيضٌ ، لِجَمْعِهِ الْقِدَاحَ ثُمَّ إِفَاضَتُهُ إِيَّاهَا بَيْنَ الْيَاسِرِينَ . وَمِنْهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أَبِي خَازِمٍ الْأَسَدِيِّ : فُقُلْتُ لَهَا رُدِّي إِلَيْهِ جَنَانَهُ فَرَدَّتْ كَمَا رَدَّ الْمَنِيحَ مُفِيضُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي عَرَفَاتٍ ، وَالْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا صُرِفَتْ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ ، وَهَلْ هِيَ اسْمٌ لِبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ هِيَ لِجَمَاعَةِ بِقَاعٍ؟ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ اسْمٌ كَانَ لِجَمَاعَةٍ مِثْلَ مُسْلِمَاتٍ ، وَمُؤْمِنَاتٍ ، سُمِّيَتْ بِهِ بُقْعَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَصُرِفَ لَمَّا سُمِّيَتْ بِهِ الْبُقْعَةُ الْوَاحِدَةُ ، إِذْ كَانَ مَصْرُوفًا قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى بِهِ الْبُقْعَةُ ، تَرْكًا مِنْهُمْ لَهُ عَلَى أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّ التَّاءَ فِيهِ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ فِي مُسْلِمِينَ وَمُسْلِمُونَ ، لِأَنَّهُ تَذْكِيرُهُ ، وَصَارَ التَّنْوِينُ بِمَنْزِلَةِ النُّونِ .
فَلَمَّا سُمِّيَ بِهِ تُرِكَ عَلَى حَالِهِ ، كَمَا يُتْرَكُ الْمُسْلِمُونَ إِذَا سُمِّيَ بِهِ عَلَى حَالِهِ . قَالَ : وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَصْرِفُهُ إِذَا سُمِّيَ بِهِ ، وَيُشَبِّهُ التَّاءَ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ ، وَذَلِكَ قَبِيحٌ ضَعِيفٌ ، وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُنَوِّنُ أَدْرِعَاتِ وَكَذَلِكَ : عَانَاتُ ، وَهُوَ مَكَانٌ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنَّمَا انْصَرَفَتْ عَرَفَاتٌ ، لِأَنَّهُنَّ عَلَى جِمَاعِ مُؤَنَّثٍ بِالتَّاءِ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِمَاعِ مُؤَنَّثٍ بِالتَّاءِ ، ثُمَّ سَمَّيْتَ بِهِ رَجُلًا أَوْ مَكَانًا أَوْ أَرْضًا أَوِ امْرَأَةً ، انْصَرَفَتْ . قَالَ : وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُسَمِّي شَيْئًا مِنَ الْجِمَاعِ إِلَّا جِمَاعًا ، ثُمَّ تَجْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدًا . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : لَيْسَتْ عَرَفَاتٌ حِكَايَةً ، وَلَا هِيَ اسْمٌ مَنْقُولٌ ، وَلَكِنَّ الْمَوْضِعَ مُسَمَّى هُوَ وَجَوَانِبُهُ بِعَرَفَاتٍ ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا الْبُقْعَةُ .
اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ ، وَلَا يَنْفَرِدُ وَاحِدُهَا . قَالَ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا فِي الْأَمَاكِنِ وَالْمَوَاضِعِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ . قَالَ : وَلِذَلِكَ نَصَبَتِ الْعَرَبُ التَّاءَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ .
وَلَوْ كَانَ مَحْكِيًّا ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِ جَائِزًا ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمَّى رَجُلًا مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُسْلِمِينَ لَمْ يَنْقُلْهُ فِي الْإِعْرَابِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ ، فَلِذَلِكَ خَالَفَ : عَانَاتُ ، وَأَذْرُعَاتُ ، مَا سُمِّيَ بِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ لِعَرَفَاتٍ عَرَفَاتٌ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قِيلَ لَهَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمَّا رَآهَا عَرَفَهَا بِنَعْتِهَا الَّذِي كَانَ لَهَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُ ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ بِذَلِكَ .
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَائِلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَرَفَاتٍ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنَفْسِهَا وَمَا حَوْلَهَا ، كَمَا يُقَالُ : ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ ، وَأَرْضٌ سَبَاسِبُ ، فَتُجْمَعُ بِمَا حَوْلَهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3792 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ ، وَنَعَتَهَا فَخَرَجَ ، فَلَمَّا بَلَغَ الشَّجَرَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ، اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ يَرُدُّهُ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ ، فَصَدَّهُ أَيْضًا ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ . فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُ ، وَلَمْ يَدْرِ إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ يَذْهَبُ ، انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَازِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ جَازَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ : ذَا الْمَجَازِ .
ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَعَ بِعَرَفَاتٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا عَرَفَ النَّعْتَ ، قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ! فَسُمِّيَ : عَرَفَاتٍ . فَوَقَفَ إِبْرَاهِيمُ بِعَرَفَاتٍ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفَ إِلَى جَمْعٍ ، فَسُمِّيَتِ : الْمُزْدَلِفَةَ ، فَوَقَفَ بِجَمْعٍ . 3793 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، قَالَ : لَمَّا وَقَفَ جِبْرِيلُ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِعَرَفَاتٍ ، قَالَ : عَرَفْتَ! ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ لِذَلِكَ .
3794 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَحَجَّ بِهِ ، فَلَمَّا أَتَى عَرَفَةَ قَالَ : قَدْ عَرَفْتَ! ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهَا مَرَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ بِنَفْسِهَا وَبِبِقَاعٍ أُخَرَ سِوَاهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3795 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِي طَهْفَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ يَقُولُ لِإِبْرَاهِيمَ : هَذَا مَوْضِعُ كَذَا ، هَذَا مَوْضِعُ كَذَا ، فَيَقُولُ : قَدْ عَرَفْتَ! ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ .
3796 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُرِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ الْمَنَاسِكَ ، فَيَقُولُ : عَرَفْتَ ، عَرَفْتَ! فَسُمِّيَ عَرَفَاتٍ . 3797 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَصْلُ الْجَبَلِ الَّذِي يَلِي عُرَنَةَ وَمَا وَرَاءَهُ مَوْقِفٌ ، حَتَّى يَأْتِيَ الْجَبَلَ جَبَلَ عَرَفَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : عَرَفَاتٌ : النَّبْعَةُ وَ النَّبِيعَةُ وَ ذَاتُ النَّابِتِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ، وَهُوَ الشِّعْبُ الْأَوْسَطُ .
وَقَالَ زَكَرِيَّا : مَا سَالَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ إِلَى عَرَفَةَ ، فَهُوَ مِنْ عَرَفَةَ ، وَمَا دَبَرَ ذَلِكَ الْجَبَلَ فَلَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ . وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ نَظِيرَ مَا يُسَمَّى الْوَاحِدُ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَشْخَاصِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : هُوَ اسْمٌ لِوَاحِدٍ سُمِّيَ بِجِمَاعٍ ، فَإِذَا صُرِفَ ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الْجِمَاعِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَصْلًا .
وَإِذَا تُرِكَ صَرْفُهُ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْرُوفَةٍ ، فَتُرِكَ صَرْفُهُ كَمَا يُتْرَكُ صَرْفُ أَسْمَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى الْمَعَارِفِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ فَكَرَّرْتُمْ رَاجِعِينَ مِنْ عَرَفَةَ ، إِلَى حَيْثُ بَدَأْتُمُ الشُّخُوصَ إِلَيْهَا مِنْهُ ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : الصَّلَاةَ ، وَالدُّعَاءَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ الْمَشَاعِرَ هِيَ الْمَعَالِمُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : شَعَرْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ ، أَيْ عَلِمْتُ ، فَ الْمَشْعَرُ ، هُوَ الْمَعْلَمُ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ وَالْمَقَامَ وَالْمَبِيتَ وَالدُّعَاءَ ، مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ وَفُرُوضِهِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ .
وَقَدْ : - 3798 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، قَالَ : يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إِنِ اسْتَطَاعَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ . فَأَمَّا الْمَشْعَرُ : فَإِنَّهُ هُوَ مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِلَى مُحَسِّرٍ . وَلَيْسَ مَأْزِمَا عَرَفَةَ مِنَ الْمَشْعَرِ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3799 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : رَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ عَلَى الْجُبَيْلِ بِجَمْعٍ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ جَمْعًا كُلَّهَا مَشْعَرٌ . 3800 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، قَالَ : هُوَ الْجَبَلُ وَمَا حَوْلَهُ .
قَالَ : فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، فَوَقَفْنَا حَتَّى إِذَا أَفَاضَ الْإِمَامُ سَارَ وَسِرْنَا مَعَهُ ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْدِي الرِّكَابِ ، وَكُنَّا فِي أَقْصَى الْجِبَالِ مِمَّا يَلِي عَرَفَاتٍ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ؟ أَخَذْتَ فِيهِ ! قُلْتُ : مَا أَخَذْتُ فِيهِ؟ قَالَ : كُلُّهَا مَشَاعِرُ إِلَى أَقْصَى الْحَرَمِ . 3807 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَالَ : إِنْ تَلْزَمْنِي أُرِكَهُ . قَالَ : فَلَمَّا أَفَاضَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ وَهَبَطَتْ أَيْدِي الرِّكَابِ فِي أَدْنَى الْجِبَالِ ، قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ؟ قَالَ : قُلْتُ : هَأَنَذَا ، قَالَ : أَخَذْتَ فِيهِ! قُلْتُ : مَا أَخَذْتُ فِيهِ ! قَالَ : حِينَ هَبَطَتْ أَيْدِي الرِّكَابِ فِي أَدْنَى الْجِبَالِ فَهُوَ مَشْعَرٌ إِلَى مَكَّةَ .
قَالَ : وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مَأْزِمَا عَرَفَةَ مِنَ الْمُزْدَلِفَة ، وَلَكِنْ مُفَاضَاهُمَا . قَالَ : قِفْ بَيْنَهُمَا إِنْ شِئْتَ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَقِفَ دُونَ قُزَحٍ . هَلُمَّ إِلَيْنَا مِنْ أَجْلِ طَرِيقِ النَّاسِ ! .
3814 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَذَلِكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ . قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ مَشْعَرٌ . 3815 - حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ هُوَ مَا بَيْنَ جِبَالِ الْمُزْدَلِفَةِ وَيُقَالُ : هُوَ قَرْنُ قُزَحٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ صَارَ بِالْمُزْدَلِفَةِ : هَذَا كُلُّهُ مَشَاعِرُ إِلَى مَكَّةَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَعَالِمُ مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ يَنْسَكُ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ مِنْهَا بَعْضَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ لَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الَّذِي يَكُونُ الْوَاقِفُ حَيْثُ وَقَفَ مِنْهُ إِلَى بَطْنِ مَكَّةَ قَاضِيًا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْ جَمْعٍ . وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ : لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي عَنْ حَدِّ أَوَّلِهِ وَمُنْتَهَى آخِرِهِ عَلَى حَقِّهِ وَصِدْقِهِ ؛ لِأَنَّ حُدُودَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهَا حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ ، لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا . غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَدِّ أَوَّلِهِ وَمُنْتَهَى آخِرِهِ وُقُوفًا لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ إِلَّا مَنْ ذَكَرْتُ ، فَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ لِلْوُقُوفِ لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ سُكَّانِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَشَاعِرِ الْحَجِّ ، وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَنْسُكُوا عِنْدَهَا كَعَرَفَاتٍ وَمِنًى وَالْحَرَمِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَى أَيَادِيهِ عِنْدَكُمْ ، وَلْيَكُنْ ذِكْرُكُمْ إِيَّاهُ بِالْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ ، وَالطَّاعَةِ لَهُ وَالشُّكْرِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِنَ التَّوْفِيقِ ، لِمَا وَفَّقَكُمْ لَهُ مِنْ سُنَنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ بَعْدَ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْحَيْرَةِ وَالْعَمَى عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَبَعْدَ الضَّلَالَةِ كَذِكْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْهُدَى ، حَتَّى اسْتَنْقَذَكُمْ مِنَ النَّارِ بِهِ بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْهَا ، فَنَجَّاكُمْ مِنْهَا . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : كَمَا هَدَاكُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ، فَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ إِنَّ إِلَى تَأْوِيلِ مَا ، وَتَأْوِيلَ اللَّامِ الَّتِي فِي لَمِنَ إِلَى إِلَّا . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى : وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ هِدَايَةِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ لِمَا هَدَاكُمْ لَهُ مِنْ مِلَّةِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي اصْطَفَاهَا لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ إِنَّ إِلَى قَدْ .
فَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهُدَى ، فَهَدَاكُمْ لِمَا رَضِيَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ ، وَقَدْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ مِنَ الضَّالِّينَ .