الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ : اذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ فِي أَيَّامٍ مُحْصَيَاتٍ ، وَهِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ . أَمَرَ عِبَادَهُ يَوْمَئِذٍ بِالتَّكْبِيرِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ ، وَعِنْدَ الرَّمْيِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْ حَصَى الْجِمَارِ يَرْمِي بِهَا جَمْرَةً مِنَ الْجِمَارِ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ : ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3886 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، قَالَ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .
3908 - حُدِّثْتُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ قَالَ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ . 3910 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرَقِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ و الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ ، فَقَالَ : الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ ، يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَيَوْمُ النَّحْرِ ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ ، هِيَ أَيَّامُ مِنًى وَأَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهَا : إِنَّهَا أَيَّامُ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِذَلِكَ : 3911 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَخَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ طُعْمٍ وَذِكْرٍ . 3912 - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى : لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 3912 م - وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَا ، جَمِيعًا حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ .
3913 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَالَ : هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ . 3914 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِشْرَ بْنَ سُحَيْمٍ ، فَنَادَى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ . 3915 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ .
قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنَ قَيْسٍ فَنَادَى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ، إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ هَدْيٍ . 3916 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ الزُّرَقَيِّ ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ : لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَاءِ حِينَ وَقَفَ عَلَى شِعْبِ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَيَّامِ صِيَامٍ ، إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ فِي أَيَّامِ مِنًى : إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ ، لَمْ يُخْبِرْ أُمَّتَهُ أَنَّهَا الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَذِكْرُ اللَّهِ ، الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ ؟ قِيلَ : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ عَنَى ذَلِكَ .
لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهَا مَا أَوْجَبَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ . وَإِنَّمَا وَصَفَ الْمَعْلُومَاتِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِأَنَّهَا أَيَّامٌ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ عَلَى بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ ، فَقَالَ : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [ الْحَجِّ : 28 ] ، فَلَمْ يُوجِبْ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ ذِكْرِهِ كَالَّذِي أَوْجَبَهُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ مِنْ ذِكْرِهِ ، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهَا أَيَّامُ ذِكْرِهِ علىَ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ . فَكَانَ مَعْلُومًا إِذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ : إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ فَأَخْرَجَ قَوْلَهُ : وَذِكْرِ اللَّهِ مُطْلَقًا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا إِضَافَةٍ ، إِلَى أَنَّهُ الذِّكْرُ عَلَى بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الذِّكْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، فَأَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ مُطْلَقًا بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَا إِضَافَةٍ إِلَى مَعْنًى فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصْفَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ بِهِ ، لَوَصَلَ قَوْلَهُ : وَذِكْرٍ ، إِلَى أَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ ، كَالَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ بِاسْمِ الذِّكْرِ مِنْ غَيْرِ وَصْلِهِ بِشَيْءٍ ، كَالَّذِي أَطْلَقَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِاسْمِ الذِّكْرِ ، فَقَالَ : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَوْجَبَهُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي نَفْرِهِ وَتَعَجُّلِهِ فِي النَّفْرِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنِ النَّفَرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَأَخُّرِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 3917 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَعْجِيلِهِ ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3933 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ ثُوَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ . 3934 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَمَّادٍ . عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَيْ غُفِرَ لَهُ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : غُفِرَ لَهُ .
3944 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ سَوَادَةَ الْقَطَّانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3945 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : لِمَنْ فِي الْحَجِّ ، لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ حَتَّى الْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ . فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنِ اتَّقَى اللَّهَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3946 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : ذَهَبَ إِثْمُهُ كُلُّهُ إِنِ اتَّقَى فِيمَا بَقِيَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَيْ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي تَعْجِيلِهِ النَّفْرَ ، إِنْ هُوَ اتَّقَى قَتْلَ الصَّيْدِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَمْ يَنْفِرْ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3953 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ : لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ . 3954 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ صَيْدًا حَتَّى تَخْلُوَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَنَفَرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَيْ مَغْفُورٌ لَهُ - وَمَنْ تَأَخَّرَ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَيْ مَغْفُورٌ لَهُ إِنِ اتَّقَى عَلَى حَجِّهِ أَنْ يُصِيبَ فِيهِ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3955 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : لِمَنِ اتَّقَى ، قَالَ : يَقُولُ لِمَنِ اتَّقَى عَلَى حَجِّهِ قَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : مَنِ اتَّقَى فِي حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ - أَوْ : مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، لِحَطِّ اللَّهِ ذُنُوبَهُ ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ ، فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ ، وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ ، وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، لِتَكْفِيرِ اللَّهِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ وَإِجْرَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ [ بِالصِّحَّةِ ] ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . 3956 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ . 3957 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
3958 - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، قَالَ : . حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمْرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ مُتَابَعَةَ مَا بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ أَوْ : خَبَثَ الْحَدِيدِ . 3959 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأَنْتَ مِثْلَ مَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ .
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِ جَمِيعِهَا الْكِتَابُ ، مِمَّا يُنْبِئُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ حَجَّ فَقَضَاهُ بِحُدُودِهِ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ . فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوَضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ ، مَحْطُوطَةٌ عَنْهُ آثَامُهُ ، مَغْفُورَةٌ لَهُ أَجْرَامُهُ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي نَفْرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي مُقَامِهِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ إِنَّمَا يُوضَعُ عَنِ الْعَامِلِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ عَمَلِهِ ، فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي عَمَلِهِ بِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي عَمَلِهِ; أَوْ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ، فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِهِ بِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي تَرْكِهِ . فَأَمَّا مَا عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُهُ فَلَا وَجْهَ لِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيهِ إِنْ هُوَ عَمِلَهُ ، وَفَرْضُهُ عَمَلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي فَرْضًا عَلَيْهِ حَرِجًا بِأَدَائِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : قَدْ وَضَعْنَا عَنْكَ فِيهِ الْحَرَجَ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ الْحَاجُّ لَا يَخْلُو عِنْدَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ، أَوْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهُ النَّفْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَوُضِعَ عَنْهُ الْحَرَجُ فِي الْمُقَامِ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهُ الْمُقَامَ ، إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، فَوُضِعَ عَنْهُ الْحَرَجُ فِي النَّفْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَإِنْ يَكُنْ فَرْضُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الْمُقَامَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا ، فَوُضِعَ عَنْهُ الْحَرَجُ فِي نَفْرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْهَا - وَذَلِكَ هُوَ التَّعَجُّلُ الَّذِي قِيلَ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ - فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِنَّمَا هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ أَدَاءِ فَرْضٍ عَلَيْهِ ، تَارِكٌ قَبُولَ رُخْصَةِ النَّفْرِ ، فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ : لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي مُقَامِكَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ - أَوْ يَكُونَ فَرْضُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي النَّفْرَ ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي الْمُقَامِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، فَلَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ : لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي تَعَجُّلِكَ النَّفْرَ الَّذِي هُوَ فَرْضُكَ وَعَلَيْكَ فِعْلُهُ ، لِلَّذِي قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ . وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي نَفْرِهِ ذَلِكَ ، إِنِ اتَّقَى قَتْلَ الصَّيْدِ إِلَى انْقِضَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ تَأْوِيلًا مُسَلَّمًا لِقَائِلِهِ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، مَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الصَّيْدَ لِلْحَاجِّ بَعْدَ نَفْرِهِ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَلَالٌ ، فَمَا الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وُضِعَ عَنْهُ الْحَرَجُ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، إِذَا هُوَ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ثُمَّ نَفَرَ ؟ هَذَا ، مَعَ إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا رَمَى وَذَبَحَ وَحَلَقَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَتَصْرِيحِ الرِّوَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، الَّتِي : - 3960 - حَدَّثَنَا بِهَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ الْحَنْظَلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَتَى يَحِلُّ الْمُحْرِمُ ؟ فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَمَيْتُمْ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَّقْتُمْ ، حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ قَالَ : وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
وَأَمَّا الَّذِي تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى : لَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْدِيدِ ذَلِكَ بِوَقْتٍ ، وَإِسْقَاطِهِ الْإِثْمَ عَنِ الْحَاجِّ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً ، دُونَ آثَامِهِ السَّالِفَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْصُرْ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِ إِثْمِ وَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَلَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، بَلْ دَلَالَةُ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ تُبَيِّنُ عَنْ أَنَّ الْمُتَعَجِّلَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالْمُتَأَخِّرَ لَا إِثْمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَالِهِ الَّتِي هُوَ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ . وَالْخَبَرُ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ بِانْقِضَاءِ حَجِّهِ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ ، خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . فَفِي ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَصَرِيحِ قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ انْقِضَاءِ حَجِّهِ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : مَا الْجَالِبُ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ : لِمَنِ اتَّقَى ؟ وَمَا مَعْنَاهَا ؟ قِيلَ : الْجَالِبُ لَهَا مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مَعْنَى : حَطَطْنَا ذُنُوبَهُ وَكَفَّرْنَا آثَامَهُ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَعْنَى : جَعَلْنَا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ جَعَلْنَا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّهُ كَأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ ، فَقَالَ : لِمَنِ اتَّقَى أَيْ : هَذَا لِمَنِ اتَّقَى . وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا ، وَلَكِنَّهَا فِيمَا زَعَمَ مِنْ صِلَةِ قَوْلٍ مَتْرُوكٍ ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ قُلْنَا : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ، وَقَامَ قَوْلُهُ : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، مَقَامَ الْقَوْلِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَوْضِعَ طَرْحِ الْإِثْمِ فِي الْمُتَعَجِّلِ ، فَجُعِلَ فِي الْمُتَأَخِّرِ وَهُوَ الَّذِي أَدَّى وَلَمْ يُقَصِّرْ مِثْلَ مَا جُعِلَ عَلَى الْمُقَصِّرِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : إِنْ تَصَدَّقْتَ سِرًّا فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَظْهَرْتَ فَحَسَنٌ ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ ، لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ عَلَانِيَةً إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الرِّيَاءَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَارُ أَحْسَنَ . وَلَيْسَ فِي وَصْفِ حَالَتَيِ الْمُتَصَدِّقَيْنِ بِالْحُسْنِ وَصْفُ إِحْدَاهُمَا بِالْإِثْمِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ النَّافِرِينَ بِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهُمَا ، وَمُحَالٌ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمَا إِلَّا مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ الْإِثْمُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ .
وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَوْ تَرَكَا النَّفْرَ وَأَقَامَا بِمِنىً لَمْ يَكُونَا آثِمَيْنِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ . وَقَالَ أَيْضًا : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَعْنَى نَهْيِ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ أَنْ يُؤَثِّمَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ الْآخَرَ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، لَا يَقُلِ الْمُتَعَجِّلُ لِلْمُتَأَخِّرِ : أَنْتَ آثِمٌ ، وَلَا الْمُتَأَخِّرُ لِلْمُتَعَجِّلِ : أَنْتَ آثِمٌ ، بِمَعْنَى : فَلَا يُؤَثِّمَنَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ . وَهَذَا أَيْضًا تَأْوِيلٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مُخَالِفٌ ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فَخَافُوهُ فِي تَضْيِيعِهَا وَالتَّفْرِيطِ فِيهَا ، وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي حَجِّكُمْ وَمَنَاسِكِكُمْ أَنْ تَرْتَكِبُوهُ أَوْ تَأْتُوهُ وَفِيمَا كَلَّفَكُمْ فِي إِحْرَامِكُمْ لِحَجِّكُمْ أَنْ تُقَصِّرُوا فِي أَدَائِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، فَمُجَازِيكُمْ هُوَ بِأَعْمَالِكُمْ - الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ - وَمُوَفٍّ كُلَّ نَفْسٍ مِنْكُمْ مَا عَمِلَتْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ .