الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رَغْبَةً مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عِنْدَهُ ، وَعِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِهِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . فَأَعْلَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا وَحَظًّا مِنْ حَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ ، وَثَوَابًا جَزِيلًا عَلَى عَمَلِهِمُ الَّذِي كَسَبُوهُ ، وَبَاشَرُوا مُعَانَاتَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، خَاصًّا ذَلِكَ لَهُمْ دُونَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ ، الَّذِينَ عَانَوْا مَا عَانَوْا مَنْ نَصَبِ أَعْمَالِهِمْ وَتَعَبِهَا ، وَتَكَلَّفُوا مَا تَكَلَّفُوا مِنْ أَسْفَارِهِمْ ، بِغَيْرِ رَغْبَةٍ مِنْهُمْ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ ، وَلَكِنْ رَجَاءَ خَسِيسٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ، وَابْتِغَاءَ عَاجِلِ حُطَامِهَا . كَمَا : - 3884 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، قَالَ : فَهَذَا عَبْدٌ نَوَى الدُّنْيَا ، لَهَا عَمِلَ وَلَهَا نَصِبَ ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ، أَيْ حَظٌّ مِنْ أَعْمَالِهِمْ .
3885 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، إِنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَةِ ، لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَةَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ، قَالَ : فَهَؤُلَاءِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ ، لِهَؤُلَاءِ الْأَجْرُ بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ مُحِيطٌ بِعَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ مِنْ مَسْأَلَةِ أَحَدِهِمَا : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ، وَمِنْ مَسْأَلَةِ الْآخَرِ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، فَمُحِصَ لَهُ بِأَسْرَعِ الْحِسَابِ ، ثُمَّ إِنَّهُ مُجَازٍ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَلِهِ . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ الْحِسَابِ ، لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يُحْصِي مَا يُحْصِي مِنْ أَعْمَالِ عِبَادِهِ بِغَيْرِ عَقْدِ أَصَابِعَ ، وَلَا فِكْرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ ، فِعْلَ الْعَجَزَةِ الضَّعَفَةِ مِنَ الْخَلْقِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِيهِمَا ، ثُمَّ هُوَ مُجَازٍ عِبَادَهُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ .
فَلِذَلِكَ امْتَدَحَ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِسُرْعَةِ الْحِسَابِ ، وَأَخْبَرَ خَلْقَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ بِمِثْلٍ ، فَيَحْتَاجُ فِي حِسَابِهِ إِلَى عَقْدِ كَفٍّ أَوْ وَعْيِ صَدْرٍ .