الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَسَنَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ . يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : رَبَّنَا أَعْطِنَا عَافِيَةً فِي الدُّنْيَا وَعَافِيَةً فِي الْآخِرَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3876 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ، قَالَ : فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً . قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ رَجُلٌ : اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَمَرِضَ مَرَضًا حَتَّى أَضْنَى عَلَى فِرَاشِهِ ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُهُ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ دَعَا بِكَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِعُقُوبَةِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ قُلْ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . فَقَالَهَا ، فَمَا لَبِثَ إِلَّا أَيَّامًا أَوْ : يَسِيرًا حَتَّى بَرِئَ .
3877 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ الْمَنْتُوفِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ؟ - أَوْ تَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَاقِبْنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا! . قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ! هَلْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أَحَدٌ أَوْ يُطِيقُهُ؟ فَهَلَّا قُلْتَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِ الْحَسَنَةِ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - فِي الدُّنْيَا ، الْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ ، وَفِي الْآخِرَةِ : الْجَنَّةَ .
3881 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ [ فِي ] هَذِهِ الْآيَةِ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ، قَالَ : الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا : الْعِلْمُ وَالرِّزْقُ الطَّيِّبُ ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الْجَنَّةُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا : الْمَالُ ، وَفِي الْآخِرَةِ : الْجَنَّةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3882 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ، قَالَ : فَهَؤُلَاءِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ .
3883 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ، هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ; أَمَّا حَسَنَةُ الدُّنْيَا فَالْمَالُ ، وَأَمَّا حَسَنَةُ الْآخِرَةِ فَالْجَنَّةُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ، مِمَّنْ حَجَّ بَيْتَهُ ، يَسْأَلُونَ رَبَّهُمُ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَالْحَسَنَةَ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ . وَقَدْ تَجْمَعُ الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَافِيَةَ فِي الْجِسْمِ وَالْمَعَاشِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَالْعِلْمَ وَالْعِبَادَةَ .
وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا الجَّنةُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَنَلْهَا يَوْمَئِذٍ فَقَدْ حُرِمَ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ ، وَفَارَقَ جَمِيعَ مَعَانِي الْعَافِيَةِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخَصِّصْ بِقَوْلِهِ - مُخْبِرًا عَنْ قَائِلٍ ذَلِكَ - مِنْ مَعَانِي الْحَسَنَةِ شَيْئًا ، وَلَا نَصَبَ عَلَى خُصُوصِهِ دَلَالَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ ، فَالْوَاجِبُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْ مَعَانِي ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَأَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِعُمُومِهِ عَلَى مَا عَمَّهُ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ النَّارِ .
وَيُقَالُ مِنْهُ : وَقَيْتُهُ كَذَا أَقِيهِ وِقَايَةً وَوَقَايَةً وَوِقَاءً ، مَمْدُودًا ، وَرُبَّمَا قَالُوا : وَقَاكَ اللَّهُ وَقْيًا ، إِذَا دَفَعْتَ عَنْهُ أَذًى أَوْ مَكْرُوهًا .