الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُنَافِقِ الَّذِي نَعَتَ نَعْتَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا : اتَّقِ اللَّهَ وَخَفْهُ فِي إِفْسَادِكَ فِي أَرْضِ اللَّهِ ، وَسَعْيِكَ فِيهَا بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ مَعَاصِيهِ ، وَإِهْلَاكِكَ حُرُوثَ الْمُسْلِمِينَ وَنَسْلَهُمْ - اسْتَكْبَرَ وَدَخَلَتْهُ عِزَّةٌ وَحَمِيَّةٌ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَتَمَادَى فِي غَيِّهِ وَضَلَالِهِ . قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَكَفَاهُ عُقُوبَةً مِنْ غَيِّهِ وَضَلَالِهِ ، صِلِيُّ نَارِ جَهَنَّمَ ، وَلَبِئْسَ الْمِهَادِ لِصَالِيهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَا كُلُّ فَاسِقٍ وَمُنَافِقٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3998 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَى : وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قَالَ عَلِيٌّ : اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . 3999 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا صَلَّى السُّبْحَةَ وَفَرَغَ ، دَخَلَ مِرْبَدًا لَهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى فِتْيَانٍ قَدْ قَرَأُوا الْقُرْآنَ ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَخِي عُيَيْنَةَ ، قَالَ : فَيَأْتُونَ فَيَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَهُ ، فَإِذَا كَانَتِ الْقَائِلَةُ انْصَرَفَ .
قَالَ فَمَرُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِبَعْضِ مَنْ كَانَ إِلَى جَنْبِهِ : اقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ؟ فَسَمِعَ عُمَرُ مَا قَالَ : فَقَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ قُلْتَ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ : مَاذَا قُلْتَ ؟ اقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ ؟ قَالَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرَى هَهُنَا مَنْ إِذَا أُمِرَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ، وَأَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، يَقُومُ هَذَا فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ، قَالَ هَذَا : وَأَنَا أَشْتَرِي نَفْسِي ! فَقَاتَلَهُ ، فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ! فَقَالَ عُمْرُ : لِلَّهِ بِلَادُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ الْأَخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَبِئْسَ الْفِرَاشُ وَالْوِطَاءُ جَهَنَّمُ الَّتِي أَوْعَدَ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذَا الْمُنَافِقَ ، وَوَطَّأَهَا لِنَفْسِهِ بِنِفَاقِهِ وَفُجُورِهِ وَتَمَرُّدِهِ عَلَى رَبِّهِ .