الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾( 215 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَسْأَلُكَ أَصْحَابُكَ يَا مُحَمَّدُ ، أَيُّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ ؟ ، وَعَلَى مَنْ يُنْفِقُونَهُ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ ؟ فَقُلْ لَهُمْ : مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَأَنْفِقُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِهِ وَاجْعَلُوهُ لِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ وَأَقْرَبِيكُمْ ، وَلِلْيَتَامَى مِنْكُمْ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، فَإِنَّكُمْ مَا تَأْتُوا مِنْ خَيْرٍ وَتَصْنَعُوهُ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ، وَهُوَ مُحْصِيهِ لَكُمْ حَتَّى يُوَفِّيَكُمْ أُجُورَكُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيُثِيبَكُمْ عَلَى مَا أَطَعْتُمُوهُ بِإِحْسَانِكُمْ عَلَيْهِ .
وَ " الْخَيْرُ " الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْلِهِ : " قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ " ، هُوَ الْمَالُ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابُهُ مِنَ النَّفَقَةِ مِنْهُ ، فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا أَجَابَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَفِي قَوْلِهِ : " مَاذَا " ، وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ .
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ " مَاذَا " بِمَعْنَى : أَيُّ شَيْءٍ ؟ فَيَكُونُ نَصْبًا بِقَوْلِهِ : " يُنْفِقُونَ " .
فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَكَ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ؟ ، وَلَا يُنْصَبُ بِ " يَسْأَلُونَك " . وَالْآخَرُ مِنْهُمَا الرَّفْعُ . وَلِلرَّفْعِ فِي " ذَلِكَ " وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ " ذَا " الَّذِي مَعَ " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " ، فَيُرْفَعُ " مَا " بِ " ذَا " وَ " ذَا " لِ " مَا " ، وَ " يُنْفِقُونَ " مِنْ صِلَةِ " ذَا " ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَصِلُ " ذَا " و " َهَذَا " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
عَدَسْ! مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ!
فَ " تَحْمِلِينَ " مِنْ صِلَةِ " هَذَا " .
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَكَ مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ؟
وَالْآخَرُ مِنْ وَجْهَيِ الرَّفْعِ أَنْ تَكُونَ " مَاذَا " بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ ، فَيُرْفَعُ " مَاذَا " ،
وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ : " يُنْفِقُونَ " وَاقِعًا عَلَيْهِ ، إِذْ كَانَ الْعَامِلُ فِيهِ ، وَهُوَ " يُنْفِقُونَ " ، لَا يَصْلُحُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِعْلِ فِيهِ قَبْلَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
أَلَا تَسْأَلَانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاولُ أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ
وَكَمَا قَالَ الْآخَر :
وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ
فَرَفَعَ " كُلُّ " وَلَمْ يَنْصِبْهُ " بِعَارِفٍ " ، إِذْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَمَا كُلٌّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفٌ " جُحُودُ مَعْرِفَةِ مَنْ يَغْشَى مِنًى فَصَارَ فِي مَعْنَى مَا أَحَدٌ . وَهَذِهِ الْآيَةُ [ نَزَلَتْ ] - فِيمَا ذُكِرَ - قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4068 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا
أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " ، قَالَ : يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ تَكُنْ زَكَاةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ النَّفَقَةُ يُنْفِقُهَا الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَالصَّدَقَةُ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَنَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ .
4069 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَأَلَ الْمُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ : " يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ " ، فَذَلِكَ النَّفَقَةُ فِي التَّطَوُّعِ ، وَالزَّكَاةُ سِوَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سَأَلُوا فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ : " مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " وَمَا ذَكَرَ مَعَهُمَا .
4070 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ " ، قَالَ : سَأَلُوهُ فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ : " فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " وَمَا ذَكَرَ مَعَهُمَا .
4071 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ : " قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " قَالَ : هَذَا مِنَ النَّوَافِلِ ، قَالَ : يَقُولُ : هُمْ أَحَقُّ بِفَضْلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيُّ : مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ زَكَاةٌ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَفَقَةً يُنْفِقُهَا الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَصَدَقَةً يَتَصَدَّقُ بِهَا ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ قَوْلٌ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ ، وَمُمْكِنٌ غَيْرُهُ . وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " الْآيَةَ ، حَثًّا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَقْرِبَاءِ ، وَمَنْ سُمِّيَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَعْرِيفًا مِنَ
اللَّهِ عِبَادَهُ مَوَاضِعَ الْفَضْلِ الَّتِي تُصْرَفُ فِيهَا النَّفَقَاتُ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 177 ] . وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمَسْكَنَةِ ، وَمَعْنَى ابْنِ السَّبِيلِ فِيمَا مَضَى ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .