الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ التَطْلِيقَةَ الثَّالِثَةَ بَعْدَ التَطْلِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِمَا : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ لَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ التَطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْمُطَلِّقِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4881 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَنْقُضِ الْعِدَّةُ ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ ، فَإِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَاجَعَهَا ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِوَاحِدَةٍ ، وَصَارَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا ، وَصَارَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ طَلَاقَ أَهْلِهِ نَظَرَ حَيْضَتَهَا ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فِي قُبْلِ عِدَّتِهَا عِنْدَ شَاهِدَيْ عَدْلٍ ، فَإِنْ بَدَا لَهُ مُرَاجَعَتُهَا رَاجَعَهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا وَإِنْ تَرْكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِوَاحِدَةٍ ، وَإِنْ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا بَعْدَ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا نَظَرَ حَيْضَتَهَا ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى قَبْلَ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ بَدَا لَهُ مُرَاجَعَتُهَا رَاجَعَهَا ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ عِنْدَ طُهْرِهَا ، فَهَذِهِ الثَّالِثَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ 4882 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يَقُولُ : إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4886 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قَالَ : عَادَ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . 4887 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ - أَوْ سُئِلَ فَقِيلَ : هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ الثَّالِثَةَ إِنَّمَا هِيَ قَوْلُهُ : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَإِذْ كَانَ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ الثَّالِثَةُ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ بِمَعْزِلٍ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ عَنِ الَّذِي يَحِلُّ لِلْمُسَرِّحِ بِالْإِحْسَانِ إِنْ سَرَّحَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ التَطْلِيقَتَيْنِ ، وَالَّذِي يُحَرَّمُ عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَالْحَالُ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا فِيهَا وَإِعْلَامٌ عِبَادَهُ أَنَّ بَعْدَ التَّسْرِيحِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَا رَجْعَةَ لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَيُّ النِّكَاحَيْنِ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ جِمَاعٌ أَمِ النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ عَقْدُ تَزْوِيجٍ؟ قِيلَ : كِلَاهُمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنْ نَكَحَتْ رَجُلًا نِكَاحَ تَزْوِيجٍ ، ثُمَّ لَمْ يَطَأْهَا فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ نَاكِحُهَا ، وَلَمْ يُجَامِعْهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا ، لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ إِنَّ وَطِئَهَا وَاطِئٌ بِغَيْرِ نِكَاحٍ ، لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ جَمِيعًا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِيهِ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا . فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّ ذِكْرَ الْجِمَاعِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْتَ؟ قِيلَ : الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ .
وَبَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَوْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ بِعَقِبِ الطَّلَاقِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهَا نَاكِحَةٌ نِكَاحًا بِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهَا ذَلِكَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الْعِدَّةِ مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِهِ ذِكْرُ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْإِفْضَاءِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانُهُ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ لِعِبَادِهِ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَتْ : وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي يَا أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! . 4894 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَدَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلِيمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ . 4896 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ صَاحِبُهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَإِنْ طَلَّقَ الْمَرْأَةَ - الَّتِي بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِآخِرِ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ مَا نَكَحَهَا مُطَلِّقُهَا الثَّانِي - زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا هَذَا الثَّانِي مِنْ بَعْدِ بَيْنُونَتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ ، وَبَعْدَ نِكَاحِهِ إِيَّاهَا - وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَتْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ بِآخِرِ التَّطْلِيقَاتِ أَنْ يَتَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . كَمَا : 4905 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ يَقُولُ : إِذَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ ، فَدَخَلَ الْآخَرُ بِهَا ، فَلَا حَرَجَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا طَلَّقَ الْآخَرُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَقَدْ حَلَتْ لَهُ . 4906 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ .
قَالَ : وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا - يَعْنِي الثَّالِثَةَ - فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيُدْخُلُ بِهَا فَإِنَّ طَلَّقَهَا هَذَا الْأَخِيرُ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ بِهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا يُعْنَى الْأَوَّلَ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ رَجَوْا مَطْمَعًا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ . وَإِقَامَتُهُمَا حُدُودَ اللَّهِ : الْعَمَلُ بِهَا ، وَحُدُودُ اللَّهِ : مَا أَمَرَهُمَا بِهِ ، وَأَوْجِبَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَأَلْزَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَهُمَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحُدُودِ ، وَمَعْنَى إِقَامَةِ ذَلِكَ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ مَا : - 4907 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ إِنْ ظَنَّا أَنَّ نِكَاحَهُمَا عَلَى غَيْرِ دُلْسَةٍ . 4908 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلَهُ إِنْ ظَنَّا إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : إِنْ أَيْقَنَا . وَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَا الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يُوقِنُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أَنَّهُمَا إِذَا تَرَاجَعَا أَقَامَا حُدُودَ اللَّهِ؟ وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنْ ظَنَّا بِمَعْنَى طَمِعَا بِذَلِكَ وَرَجَوْا وَأَنَّ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : أَنْ يُقِيمَا ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ ظَنَّا ، وَ أَنْ الَّتِي فِي أَنْ يَتَرَاجَعَا جَعَلَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفَقْدِ الْخَافِضِ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي أَنْ يَتَرَاجَعَا - فَلَمَّا حُذِفَتْ فِي الَّتِي كَانَتْ تَخْفِضُهَا نَصَبَهَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا تَرَاجُعَهُمَا .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : مَوْضِعُهُ خَفْضٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا خَافِضُهَا ، وَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا فَمَعْرُوفٌ مَوْضِعُهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي بَيَّنَهَا لِعِبَادِهِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفِدْيَةِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِيلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُهُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ، حُدُودُ اللَّهِ - مَعَالِمُ فُصُولِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَطَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، يُبَيِّنُهَا يُفَصِّلُهَا فَيُمَيِّزُ بَيْنَهَا ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَحْكَامَهَا لِقَوْمٍ يُعَلِّمُونَهَا إِذَا بَيَّنَهَا اللَّهُ لَهُمْ ، فَيَعْرِفُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَيُصَدِّقُونَ بِهَا ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا أَوْدَعَهُمُ اللَّهُ مَنْ عِلْمِهِ ، دُونَ الَّذِينَ قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّهَا تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . وَلِذَلِكَ خَصَّ الْقَوْمَ الَّذِي يَعْلَمُونَ بِالْبَيَانِ دُونَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ ، إِذْ كَانَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ قَدْ آيَسَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَيَّنَهَا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَلُزُومِ الْعَمَلِ لَهُمْ بِهَا ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ تَرْكِهِمُ الْإِقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يَعْنِي : مِيقَاتَهُنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ ، مِنِ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ ، إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْءِ ، وَانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الشُّهُورِ فَأَمْسِكُوهُنَّ يَقُولُ : فَرَاجِعُوهُنَّ إِنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتَهُنَّ فِي الطَّلْقَةِ الَّتِي فِيهَا رَجْعَةٌ : وَذَلِكَ إِمَّا فِي التَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ أَوِ التَّطْلِيقَتَيْنِ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ عَنَى : بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنَ الرَّجْعَةِ ، مِنَ الْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، دُونَ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ . لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ ، وَعَلَى الصُّحْبَةِ مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَةِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَبَيَّنَهُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يَقُولُ : أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَامَ عِدَّتِهِنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّةُ أَجَلِهِنَّ الَّذِي أَجَّلْتُهُ لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ ، بِمَعْرُوفٍ .
يَقُولُ : بِإِيفَائِهِنَّ تَمَامَ حُقُوقِهِنَّ عَلَيْكُمْ ، عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْرٍ وَمُتْعَةٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِنَّ قِبَلَكُمْ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا يَقُولُ : وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ ، إِنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ ، مُضَارَّةً لَهُنَّ ، لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّةَ انْقِضَاءِ عِدَدِهِنَّ ، أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْضَ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْعَ مِنْكُمْ ، لِمُضَارَّتِكُمْ إِيَّاهُنَّ ، بِإِمْسَاكِكُمْ إِيَّاهُنَّ ، وَمُرَاجَعَتِكُمُوهُنَّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاءً . وَقَوْلُهُ : لِتَعْتَدُوا يَقُولُ : لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرِهِنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتُهَا لَكُمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
4912 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنِ الضِّرَارِ ، وَالضِّرَارُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا ، وَسَائِرُ الْحَدِيثِ مِثْلُ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو . 4913 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا . يَفْعَلُ ذَلِكَ يُضَارُّهَا وَيَعْضِلُهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ .
4914 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا ، حَتَّى إِذَا مَا تَكَادُ تَخْلُو عِدَّتُهَا رَاجَعَهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ، حَتَّى إِذَا مَا كَادَ تَخْلُو عِدَّتُهَا رَاجَعَهَا . وَلَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُضَارَّهَا بِذَلِكَ . فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ ، وَقَالَ : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .
4922 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا قَالَ : الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، ثُمَّ يُرَاجِعُهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، ثُمَّ يُرَاجِعُهَا لِتَعْتَدُوا قَالَ : لَا يُطَاوِلُ عَلَيْهِنَّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ التَّسْرِيحِ مِنْ سَرَحَ الْقَوْمُ وَهُوَ مَا أُطْلِقَ مِنْ نَعَمِهِمْ لِلرَّعْيِ . يُقَالُ لِلْمَوَاشِي الْمُرْسَلَةِ لِلرَّعْيِ هَذَا سَرْحُ الْقَوْمِ يُرَادُ بِهِ مَوَاشِيهِمُ الْمُرْسَلَةُ لِلرَّعْيِ .
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٥ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 5 ، 6 ] يَعْنِي بِقَوْلِهِ : حِينَ تَسْرَحُونَ حِينَ تُرْسِلُونَهَا لِلرَّعْيِ . فَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا خَلَّاهَا زَوْجُهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ : سَرَّحَهَا ، تَمْثِيلًا لِذَلِكَ بِ تَسْرِيحِ الْمُسَرِّحِ مَاشِيَتَهُ لِلرَّعْيِ ، وَتَشْبِيهًا بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَمَنْ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا فِي الطَّلَاقِ الَّذِي لَهُ فِيهِ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ ضِرَارًا بِهَا لِيَعْتَدِيَ حَدَّ اللَّهِ فِي أَمْرِهَا ، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، يَعْنِي : فَأَكْسَبَهَا بِذَلِكَ إِثْمًا ، وَأَوْجَبَ لَهَا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةً بِذَلِكَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى ، وَأَنَّهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَفِعْلُ مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ فِعْلُهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا تَتَّخِذُوا أَعْلَامَ اللَّهِ وَفُصُولَهُ بَيْنَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، فِي وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ اسْتِهْزَاءً وَلَعِبًا ، فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِي تَنْزِيلِهِ وَآيِ كِتَابِهِ ، مَا لَكُمْ مِنَ الرَّجْعَةِ عَلَى نِسَائِكُمْ ، فِي الطَّلَاقِ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، وَمَا لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا ، وَمَا الْوَجْهُ الْجَائِزُ لَكُمْ مِنْهَا ، وَمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ ، وَمَا الطَّلَاقُ الَّذِي لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَةُ ، وَمَا لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَكَيْفَ وُجُوُهُ ذَلِكَ ، رَحْمَةً مِنْهُ بِكُمْ وَنِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْكُمْ ، لِيَجْعَلَ بِذَلِكَ لِبَعْضِكُمْ مِنْ مَكْرُوهٍ ، إِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِهِ مَا يُؤْذِيهِ الْمَخْرَجَ وَالْمَخْلَصَ بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ ، وَجَعَلَ مَا جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الرَّجْعَةِ سَبِيلًا لَكُمْ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا نَازَعَهُ إِلَيْهِ وَدَعَاهُ إِلَيْهِ هَوَاهُ ، بَعْدَ فِرَاقِهِ إِيَّاهُنَّ مِنْهُنَّ ، لِتُدْرِكُوا بِذَلِكَ قَضَاءَ أَوْطَارِكُمْ مِنْهُنَّ ، إِنْعَامًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، لَا لِتَتَّخِذُوا مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي آيِ كِتَابِي وَتَنْزِيلِي - تَفَضُّلًا مِنِّي بِبَيَانِهِ عَلَيْكُمْ وَإِنْعَامًا وَرَحْمَةً مِنِّي بِكُمْ - لَعِبًا وَسُخْرِيًّا . وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
4926 - حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ شَبَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ - يَعْنِي الدَّالَانِيِّ - عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْأَوْدِيُّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لِمَ يَقُولُ أَحَدُكُمْ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُكِ ، قَدْ رَاجَعْتُكِ ؟ لَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، طَلِّقُوا الْمَرْأَةَ فِي قُبُلِ طُهْرِهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ ، الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ فَهَدَاكُمْ لَهُ ، وَسَائِرَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّكُمْ بِهَا دُونَ غَيْرِكُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ ، فَاشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ ، وَاذْكُرُوا أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِهِ ، وَذَلِكَ : الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاذْكُرُوا ذَلِكَ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَاحْفَظُوا حُدُودَهُ فِيهِ وَ الْحِكْمَةِ يَعْنِي : وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ ، وَهِيَ السُّنَنُ الَّتِي عَلَّمَكُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَنَّهَا لَكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى الْحِكْمَةِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي قَوْلِهِ : ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 129 ] ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .