الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلِمَنْ طُلِّقَ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى مُطَلِّقِهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ ، مَتَاعٌ . يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا تَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ ثِيَابٍ وَكُسْوَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ خَادِمٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مَعْنَى ذَلِكَ ، وَاخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَا الثَّيِّبَاتُ اللَّوَاتِي قَدْ جُومِعْنَ . قَالُوا : وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ، لِأَنَّ [ الْحُقُوقَ اللَّازِمَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ ] غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي الْمُتْعَةِ ، قَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانَ أَمْرِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ قَالَ : الْمَرْأَةُ الثَّيِّبُ يُمَتِّعُهَا زَوْجُهَا إِذَا جَامَعَهَا بِالْمَعْرُوفِ . 5591 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ : ذَكَرَهُ شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ، وَإِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ آيِ الْمُتْعَةِ ، إِذْ كَانَ مَا سِوَاهَا مِنْ آيِ الْمُتْعَةِ إِنَّمَا فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ إِذَا طُلِّقَتْ ، وَفِي هَذِهِ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي الْمُتْعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5592 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ قَالَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ . 5593 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ - فِي الْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حُبْلَى - قَالَ : تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا . وَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِي مُتْعَةِ الْمَمْلُوكَةِ شَيْئًا أَذْكُرُهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَلَهَا الْمُتْعَةُ حَتَّى تَضَعَ .
5594 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَلِلْأَمَةِ مِنَ الْحُرِّ مُتْعَةٌ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَالْحُرَّةُ عِنْدَ الْعَبْدِ؟ قَالَ : لَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : نَعَمْ ، ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾. وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : فَإِنَّا لَا نَفْعَلُ إِنْ لَمْ نُرِدْ أَنْ نُحْسِنَ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ فَوَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5595 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فَقَالَ رَجُلٌ : فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَعَلْتُ ، وَإِنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْزَلَهَا دَلِيلًا لِعِبَادِهِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً .
لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ذَكَرَ فِي سَائِرِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، خُصُوصًا مِنَ النِّسَاءِ ، فَبَيَّنَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 49 ] ، مَا لَهُنَّ مِنَ الْمُتْعَةِ إِذَا طُلِّقْنَ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، وَبِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 28 ] ، حُكْمَ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ ، وَبَقِيَ حُكْمُ الصَّبَايَا إِذَا طُلِّقْنَ بَعْدَ الِابْتِنَاءِ بِهِنَّ ، وَحُكْمُ الْكَوَافِرِ وَالْإِمَاءِ . فَعَمَّ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ذِكْرَ جَمِيعِهِنَّ ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ لَهُنَّ الْمَتَاعَ ، كَمَا خَصَّ الْمُطَلَّقَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهِنَّ فِي سَائِرِ آيِ الْقُرْآنِ ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ ذِكْرَ جَمِيعِهِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : حَقًّا وَوَجْهَ نَصْبِهِ ، وَالِاخْتِلَافَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 236 ] ، فَفِي ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَأَمَّا الْمُتَّقُونَ : فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحُدُودِهِ ، فَقَامُوا بِهَا عَلَى مَا كَلَّفَهُمُ الْقِيَامَ بِهَا خَشْيَةً مِنْهُمْ لَهُ ، وَوَجَلًا مِنْهُمْ مِنْ عِقَابِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ تَأْوِيلِ ذَلِكَ نَصًّا بِالرِّوَايَةِ .