الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : مَنْ هَذَا الَّذِي يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيُعِينُ مُضْعِفًا ، أَوْ يُقَوِّي ذَا فَاقَةٍ أَرَادَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيُعْطِي مِنْهُمْ مُقَتِّرًا؟ وَذَلِكَ هُوَ الْقَرْضُ الْحَسَنُ الَّذِي يُقْرِضُ الْعَبْدُ رَبَّهُ . وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَرْضًا لِأَنَّ مَعْنَى الْقَرْضِ إِعْطَاءُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ مَالَهُ مُمَلِّكًا لَهُ ، لِيَقْضِيَهُ مِثْلَهُ إِذَا اقْتَضَاهُ . فَلَمَّا كَانَ إِعْطَاءُ مَنْ أَعْطَى أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِنَّمَا يُعْطِيهِمْ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ عِنْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، سَمَّاهُ قَرْضًا إِذْ كَانَ مَعْنَى الْقَرْضِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَا وَصَفْنَا .
وَإِنَّمَا جَعَلَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - حَسَنًا لِأَنَّ الْمُعْطِيَ يُعْطِي ذَلِكَ عَنْ نَدْبِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَحَثِّهِ لَهُ عَلَيْهِ ، احْتِسَابًا مِنْهُ . فَهُوَ لِلَّهِ طَاعَةٌ ، وَلِلشَّيَاطِينِ مَعْصِيَةٌ . وَلَيْسَ ذَلِكَ لِحَاجَةٍ بِاللَّهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ : عِنْدِي لَكَ قَرْضُ صِدْقٍ ، وَقَرْضُ سُوءٍ لِلْأَمْرِ يَأْتِي فِيهِ لِلرَّجُلِ مَسَرَّتَهُ أَوْ مَسَاءَتَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ حَسَنًا أَوْ سَيِّئًا ، وَمَدِينًا بِالَّذِي دَانَا فَقَرْضُ الْمَرْءِ : مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ أَوْ سَيِّئِهِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرَةُ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 261 ] . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ : 5617 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قَالَ : هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً قَالَ : بِالْوَاحِدِ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ . 5618 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً جَاءَ ابْنُ الدَّحْدَاحِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَلَا أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُنَا؟ إِنَّمَا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا! وَإِنَّ لِي أَرْضَيْنِ : إِحْدَاهُمَا بِالْعَالِيَةِ ، وَالْأُخْرَى بِالسَّافِلَةِ ، وَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ خَيْرَهُمَا صَدَقَةً! قَالَ : فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كَمْ مِنْ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ! .
5619 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَمِعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : أَنَا أُقْرِضُ اللَّهَ فَعَمَدَ إِلَى خَيْرِ حَائِطٍ لَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ . قَالَ : وَقَالَ قَتَادَةُ : يَسْتَقْرِضُكُمْ رَبُّكُمْ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وَيَسْتَقْرِضُ عِبَادَهُ . 5620 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْأَنْمَاطِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَإِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟! قَالَ : نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ ! قَالَ : يَدَكَ! قَالَ : فَنَاوَلَهُ يَدَهُ ، قَالَ : فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي ، حَائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ .
ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ فِي عِيَالِهَا ، فَنَادَاهَا : يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ ! قَالَتْ : لَبَّيْكَ ! قَالَ : اخْرُجِي! قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً فَإِنَّهُ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُقْرِضَهُ وَمُنْفِقَ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ إِضْعَافِ الْجَزَاءِ لَهُ عَلَى قَرْضِهِ وَنَفَقَتِهِ ، مَا لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ ، كَمَا : - 5621 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً قَالَ : هَذَا التَّضْعِيفُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا هُوَ . وَقَدْ : - 5622 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ الدُّنْيَا قَرْضًا ، وَسَأَلَكُمُوهَا قَرْضًا ، فَإِنْ أَعْطَيْتُمُوهَا طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ ، ضَاعَفَ لَكُمْ مَا بَيْنَ الْحَسَنَةِ إِلَى الْعَشْرِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ ، إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ ، فَصَبَرْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ ، كَانَتْ لَكُمُ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ ، وَأَوْجَبَ لَكُمُ الْهُدَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( فَيُضَاعِفَهُ ) بِالْأَلِفِ وَرَفْعِهِ ، بِمَعْنَى : الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ ، نَسَقَ يُضَاعِفُ عَلَى قَوْلِهِ : يُقْرِضُ . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى : ( فَيُضَعِّفُهُ ) ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَإِسْقَاطِ الْأَلِفِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : فَيُضَاعِفَهُ لَهُ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي يُضَاعِفُ وَنَصْبِهِ ، بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . فَكَأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْكَلَامَ : مَنِ الْمُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ؟ فَجَعَلُوا قَوْلَهُ : فَيُضَاعِفَهُ جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ ، وَجَعَلُوا : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا اسْمًا . لِأَنَّ الَّذِي وَصِلَتَهُ ، بِمَنْزِلَةِ عَمْرٍو وَ زَيْدٍ .
فَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ : مَنْ أَخُوكَ فَتُكْرِمَهُ لِأَنَّ الْأَفْصَحَ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ بِالْفَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مَا يُعْطَفُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ ، نَصْبُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : فَيُضَاعِفَهُ لَهُ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ . وَرَفْعِ يُضَاعِفُ .
لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا مَعْنَى الْجَزَاءِ . وَالْجَزَاءُ إِذَا دَخَلَ فِي جَوَابِهِ الْفَاءُ لَمْ يَكُنْ جَوَابُهُ بِ الْفَاءِ إِلَّا رَفْعًا . فَلِذَلِكَ كَانَ الرَّفْعُ فِي يُضَاعِفُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا مِنَ النَّصْبِ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْأَلِفَ فِي يُضَاعِفُ مِنْ حَذْفِهَا وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَكْثَرُهُمَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ قَبْضُ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ وَبَسْطِهَا ، دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنِ ادَّعَى أَهْلُ الشِّرْكِ بِهِ أَنَّهُمْ آلِهَةٌ ، وَاتَّخَذُوهُ رَبًّا دُونَهُ يَعْبُدُونَهُ . وَذَلِكَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي : - 5623 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَأَبُو رَبِيعَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، غَلَا السِّعْرُ فَأَسْعِرْ لَنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ الْبَاسِطُ الْقَابِضُ الرَّازِقُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ لَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَمَالٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ الْغَلَاءَ وَالرِّخَصَ وَالسَّعَةَ وَالضِّيقَ بِيَدِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَقْبِضُ يُقَتِّرُ بِقَبْضِهِ الرِّزْقَ عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَ يَبْسُطُ يُوَسِّعُ بِبَسْطَةِ الرِّزْقِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ . وَإِنَّمَا أَرَادَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقِيلِهِ ذَلِكَ ، حَثَّ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ - الَّذِينَ قَدْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ - عَلَى تَقْوِيَةِ ذَوِي الْإِقْتَارِ مِنْهُمْ بِمَالِهِ ، وَمَعُونَتِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَحُمُولَتِهِ عَلَى النُّهُوضِ لِقِتَالِ عَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِهِ ، فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَنْ يُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ ذُخْرًا عِنْدِي بِإِعْطَائِهِ ضُعَفَاءَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِي ، فَأُضَاعِفُ لَهُ مِنْ ثَوَابِي أَضْعَافًا كَثِيرَةً مِمَّا أَعْطَاهُ وَقَوَّاهُ بِهِ؟ فَإِنِّي - أَيُّهَا الْمُوسِعُ - الَّذِي قَبَضْتُ الرِّزْقَ عَمَّنْ نَدَبْتُكَ إِلَى مَعُونَتِهِ وَإِعْطَائِهِ ، لِأَبْتَلِيَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ بِهِ وَالَّذِي بَسَطْتُ عَلَيْكَ لِأَمْتَحِنَكَ بِعَمَلِكَ فِيمَا بَسَطْتُ عَلَيْكَ ، فَأَنْظُرُ كَيْفَ طَاعَتُكَ إِيَّايَ فِيهِ ، فَأُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى قَدْرِ طَاعَتِكُمَا لِي فِيمَا ابْتَلَيْتُكُمَا فِيهِ وَامْتَحَنْتُكُمَا بِهِ ، مِنْ غِنًى وَفَاقَةٍ ، وَسَعَةٍ وَضِيقٍ ، عِنْدَ رُجُوعِكُمَا إِلَيَّ فِي آخِرَتِكُمَا ، وَمَصِيرِكُمَا إِلَيَّ فِي مَعَادِكُمَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5624 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الْآيَةَ ، قَالَ : عَلِمَ أَنَّ فِيمَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ مَنْ لَا يَجِدُ قُوَّةً ، وَفِيمَنْ لَا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ مَنْ يَجِدُ غِنًى ، فَنَدَبَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ؟ قَالَ : بَسَطَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الْخُرُوجِ لَا تُرِيدُهُ ، وَقَبَضَ عَنْ هَذَا وَهُوَ يَطِيبُ نَفْسًا بِالْخُرُوجِ وَيَخِفُّ لَهُ ، فَقَوِّهِ مِمَّا فِي يَدِكَ يَكُنْ لَكَ فِي ذَلِكَ حَظٌّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَإِلَى اللَّهِ مَعَادُكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوا فَرَائِضَهُ وَتَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ ، وَأَنْ يَعْمَلَ مَنْ بُسِطَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ مِنْ رِزْقِهِ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ رَبُّهُ ، وَأَنْ يَحْمِلَ الْمُقْتِرَ مِنْكُمْ - إِذْ قُبِضَ عَنْهُ رِزْقُهُ - إِقْتَارُهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَالتَّقَدُّمِ عَلَى مَا نَهَاهُ ، فَيَسْتَوْجِبُ بِذَلِكَ عِنْدَ مَصِيرِهِ إِلَى خَالِقِهِ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنَ أَلِيمِ عِقَابِهِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِلَى التُّرَابِ تُرْجَعُونَ . 5625 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مِنَ التُّرَابِ خَلَقَهُمْ ، وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُونَ .