الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : اللَّهُ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُعْبَدَ شَيْءٌ غَيْرُ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ . يَقُولُ : اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا إِلَهَ سِوَاهُ ، لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ ، يَعْنِي : وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ، وَالَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَقْوَالُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخْبَرَنَا - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَاقْتَتَلُوا فِيهِ كُفْرًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَإِيمَانًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ . فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّصْدِيقِ بِهِ ، وَوَفَّقَنَا لِلْإِقْرَارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْحَيُّ فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ ، وَالْبَقَاءُ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ بِحَدٍّ ، وَلَا آخِرَ لَهُ بِأَمَدٍ ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلِحَيَاتِهِ أَوَّلٌ مَحْدُودٌ ، وَآخِرٌ مَمْدُودٌ ، يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعٍ أَمَدِهَا ، وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ غَايَتِهَا .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5763 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : الْحَيُّ حَيٌّ لَا يَمُوتُ . 5764 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ حَيًّا لِصَرْفِهِ الْأُمُورَ مَصَارِفَهَا وَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ مَقَادِيرَهَا ، فَهُوَ حَيٌّ بِالتَّدْبِيرِ لَا بِحَيَاةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَيٌّ بِحَيَاةٍ هِيَ لَهُ صِفَةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ اسْمٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ تَسَمَّى بِهِ ، فَقُلْنَاهُ تَسْلِيمًا لِأَمْرِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْقَيُّومُ فَإِنَّهُ الْفَيْعُولُ مِنَ الْقِيَامِ وَأَصْلُهُ الْقَيْوُومُ : سَبَقَ عَيْنَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ وَاوٌ يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، فَأُدْغِمَتَا فَصَارَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ وَاوٍ كَانَتْ لِلْفِعْلِ عَيْنًا ، سَبَقَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : الْقَيُّومُ الْقَائِمُ بِرِزْقِ مَا خَلَقَ وَحَفِظِهِ ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ : لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمْسُ مَعَهَا قَمَرٌ يَعُومُ قَدَّرَهُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّومُ وَالْجِسْرُ وَالْجَنَّةُ وَالْجَحِيمُ إِلَّا لِأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5765 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : الْقَيُّومُ قَالَ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . 5766 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : الْقَيُّومُ قَيِّمُ كُلِّ شَيْءٍ ، يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيَحْفَظُهُ .
5767 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : الْقَيُّومُ وَهُوَ الْقَائِمُ . 5768 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ : الْقَائِمُ الدَّائِمُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ لَا يَأْخُذُهُ نُعَاسٌ فَيَنْعَسُ ، وَلَا نَوْمٌ فَيَسْتَثْقِلُ نَوْمًا .
وَالْوَسَنُ خُثُورَةُ النَّوْمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقَاعِ : وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا خُثُورَةُ النَّوْمِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ ، قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ : تُعَاطِي الضَّجِيعَ إِذَا أَقْبَلَتْ بُعَيْدَ النُّعَاسِ وَقَبْلَ الْوَسَنِ وَقَالَ آخَرُ : بَاكَرَتْهَا الْأَغْرَابُ فِي سِنَةِ النَّوْ مِ فَتَجْرِي خِلَالَ شَوْكِ السَّيَالِ يَعْنِي عِنْدَ هُبُوبِهَا مِنَ النَّوْمِ وَوَسَنُ النَّوْمِ فِي عَيْنِهَا ، يُقَالُ مِنْهُ : وَسَنَ فُلَانٌ فَهُوَ يَوْسَنُ وَسَنًا وَسِنَةً وَهُوَ وَسْنَانُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5769 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ تَعَالَى : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ قَالَ : السِّنَةُ : النُّعَاسُ ، وَالنَّوْمُ : هُوَ النَّوْمُ .
5777 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَرْثِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ قَالَ : النُّعَاسُ . 5778 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قَالَ : الْوَسْنَانُ : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ لَا يَعْقِلُ ، حَتَّى رُبَّمَا أَخَذَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا عَنَى - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَا تَحُلُّهُ الْآفَاتُ ، وَلَا تَنَالُهُ الْعَاهَاتُ .
وَذَلِكَ أَنَّ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ مَعْنَيَانِ يَغْمُرَانِ فَهْمَ ذِي الْفَهْمِ ، وَيُزِيلَانِ مَنْ أَصَابَاهُ عَنِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَاهُ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ الْقَيُّومُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ دُونَهُ بِالرِّزْقِ وَالْكَلَاءَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَا يُغَيِّرُهُ مَا يُغَيِّرُ غَيْرَهُ ، وَلَا يُزِيلُهُ عَمَّا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ تَنَقُّلُ الْأَحْوَالِ وَتَصْرِيفُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، بَلْ هُوَ الدَّائِمُ عَلَى حَالٍ ، وَالْقَيُّومُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ ، لَوْ نَامَ كَانَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا ؛ لَأَنَّ النَّوْمَ غَالِبُ النَّائِمِ قَاهِرُهُ ، وَلَوْ وَسَنَ لَكَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِمَا دَكًّا ؛ لِأَنَّ قِيَامَ جَمِيعِ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَالنَّوْمُ شَاغِلُ الْمُدَبِّرِ عَنِ التَّدْبِيرِ ، وَالنُّعَاسُ مَانِعُ الْمُقَدِّرِ عَنِ التَّقْدِيرِ بِوَسَنِهِ كَمَا : 5779 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ الْمَلَائِكَةَ : هَلْ يَنَامُ اللَّهُ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَرِّقُوهُ ثَلَاثًا فَلَا يَتْرُكُوهُ يَنَامُ . فَفَعَلُوا ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ قَارُورَتَيْنِ فَأَمْسَكُوهُ ، ثُمَّ تَرَكُوهُ وَحَذَّرُوهُ أَنْ يَكْسِرَهُمَا .
قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُمَا فِي يَدَيْهِ ، فِي كُلِّ يَدٍ وَاحِدَةٌ . قَالَ : فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، وَيَنْعَسُ وَيَنْتَبِهُ ، حَتَّى نَعَسَ نَعْسَةً ، فَضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَكَسَرَهُمَا . قَالَ مَعْمَرٌ : إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ، يَقُولُ : فَكَذَلِكَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي يَدَيْهِ .
5780 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْكِي عَنْ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى : هَلْ يَنَامُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدِ قَارُورَةٌ ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا . قَالَ : فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ . قَالَ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا نَدِيدٍ ، وَخَالِقُ جَمِيعَهُ دُونَ كُلِّ آلِهَةٍ وَمَعْبُودٍ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ إِنَّمَا هُوَ طَوْعُ يَدِ مَالِكِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ خِدْمَةُ غَيْرِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ . يَقُولُ : فَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكِي وَخَلْقِي ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي غَيْرِي وَأَنَا مَالِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ مَالِكِهِ ، وَلَا يُطِيعَ سِوَى مَوْلَاهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْنِي بِذَلِكَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ لِمَمَالِيكِهِ إِنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُمْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَهُ ، وَيَأْذَنَ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ لَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : مَا نَعْبُدُ أَوْثَانَنَا هَذِهِ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ! فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَهُمْ : لِي مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكًا ، فَلَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِغَيْرِي ، فَلَا تَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُقَرِّبُكُمْ مِنِّي زُلْفَى ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُكُمْ عِنْدِي وَلَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَشْفَعُ عِنْدِي أَحَدٌ لِأَحَدٍ إِلَّا بِتَخْلِيَتِي إِيَّاهُ وَالشَّفَاعَةِ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ مِنْ رُسُلِي وَأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ مَا كَانَ وَبِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ عِلْمًا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الدُّنْيَا وَمَا خَلْفَهُمْ الْآخِرَةُ . 5782 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ الْآخِرَةِ .
5783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا مَضَى أَمَامَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا خَلْفَهُمْ مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . 5784 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَالَ : [ وَأَمَّا ] مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَالدُّنْيَا وَمَا خَلْفَهُمْ فَالْآخِرَةُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ فَإِنَّهُ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَنَّهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، مُحْصٍ لَهُ دُونَ سَائِرِ مَنْ دُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ سِوَاهُ شَيْئًا إِلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُ ، فَأَرَادَ فَعَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ بِالْأَشْيَاءِ جَاهِلًا فَكَيْفَ يُعْبَدُ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ مِنْ وَثَنٍ وَصَنَمٍ ؟ ! يَقُولُ : أَخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِمَنْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ، يَعْلَمُهَا ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5786 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ يَقُولُ : لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ هُوَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكُرْسِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ عِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5787 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَسَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ قَالَ : كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ . 5788 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
وَزَادَ فِيهِ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ؟ وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5789 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : الْكُرْسِيُّ : مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ ، وَلَهُ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ . 5790 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ .
5794 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : فَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ . قَالَ : وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْكُرْسِيُّ : هُوَ الْعَرْشُ نَفْسُهُ .
5798 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ عِلْمُهُ . وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَئُودُهُ حِفْظُ مَا عَلِمَ ، وَأَحَاطَ بِهِ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي دُعَائِهِمْ : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [ غَافِرِ : 7 ] فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّ عِلْمَهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ الْكُرْسِيِّ الْعِلْمُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ يَكُونُ فِيهَا عِلْمٌ مَكْتُوبٌ كُرَّاسَةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ فِي صِفَةِ قَانِصٍ : حَتَّى إِذَا مَا احْتَازَهَا تَكَرَّسَا . يَعْنِي عَلِمَ .
وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْعُلَمَاءِ الْكَرَاسِيُّ ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يُقَالُ : أَوْتَادُ الْأَرْضِ . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ تَصْلُحُ بِهِمُ الْأَرْضُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيٌّ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ يَعْنِي بِذَلِكَ : عُلَمَاءُ بِحَوَادِثِ الْأُمُورِ وَنَوَازِلِهَا . وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ الْكِرْسَ يُقَالُ مِنْهُ : فُلَانٌ كَرِيمُ الْكِرْسِ أَيْ كَرِيمُ الْأَصْلِ ، قَالَ الْعَجَّاجُ : قَدْ عَلِمَ الْقُدُّوسِ مَوْلَى الْقُدْسِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ أَوْلَى نَفْسِ بِمَعْدِنِ الْمُلْكِ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ يَعْنِي بِذَلِكَ : الْكَرِيمُ الْأَصْلِ .
وَيُرْوَى : فِي مَعْدِنِ الْعِزِّ الْكَرِيمِ الْكِرْسِ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَا يُثْقِلُهُ . يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ آدَنِي هَذَا الْأَمْرُ فَهُوَ يَؤُودُنِي أَوْدًا وَإِيَادًا وَيُقَالُ : مَا آدَكَ فَهُوَ لِي آئَدُ يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا أَثْقَلَكَ فَهُوَ لِي مُثْقِلٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : حِفْظُهُمَا مِنْ ذِكْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَهُوَ الْعَلِيُّ فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاللَّهُ الْعَلِيُّ .
وَالْعَلِيُّ الْفَعِيلُ مِنْ قَوْلِكَ : عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا إِذَا ارْتَفَعَ ، فَهُوَ عَالٍ وَعَلِيٌّ وَالْعَلِيُّ ذُو الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : الْعَظِيمُ ذُو الْعَظَمَةِ ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ مِنْهُ كَمَا : - 5811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : .
وَهُوَ الْعَلِيُّ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِذَلِكَ ; وَهُوَ الْعَلِيُّ عَنِ النَّظِيرِ وَالْأَشْبَاهِ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْمَكَانِ . وَقَالُوا : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَكَانٌ ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهِ بِعُلُوِّ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُوَ الْعَلِيُّ عَلَى خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَخَلْقُهُ دُونَهُ ، كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، فَهُوَ عَالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : الْعَظِيمُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى الْعَظِيمُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْمُعَظَّمُ ، صَرَفَ الْمُفْعَّلَ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا قِيلَ لِلْخَمْرِ الْمُعَتَّقَةِ : خَمْرٌ عَتِيقٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
وَكَأَنَّ الْخَمْرَ الْعَتِيقَ مِنَ الْإِسْ فِنْطِ مَمْزَوجَةً بِمَاءٍ زُلَالٍ وَإِنَّمَا هِيَ مُعَتَّقَةٌ . قَالُوا : فَقَوْلُهُ الْعَظِيمُ مَعْنَاهُ : الْمُعْظَّمُ الَّذِي يُعَظِّمُهُ خَلْقُهُ وَيَهَابُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ الْقَائِلِ : هُوَ عَظِيمٌ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مُعْظَّمٌ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ .
قَالُوا : وَفِي بِطُولِ الْقَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : الْعَظِيمُ هُوَ أَنَّ لَهُ عَظَمَةً هِيَ لَهُ صِفَةٌ . وَقَالُوا : لَا نَصِفُ عَظَمَتَهُ بِكَيْفِيَّةٍ ، وَلَكِنَّا نُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مُشَابَهَةِ الْعِظَمِ الْمَعْرُوفِ مِنَ العِبَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ لَهُ بِخَلْقِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَدَّمَنَا ذِكْرَهَا ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُعْظَّمٌ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ غَيْرَ عَظِيمٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، وَأَنْ يَبْطُلَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْظِّمَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَوْلُهُ : إِنَّهُ الْعَظِيمُ وَصْفٌ مِنْهُ نَفْسَهُ بِالْعِظَمِ . وَقَالُوا : كُلُّ مَا دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَبِمَعْنَى الصِّغَرِ لِصِغَرِهِمْ عَنْ عَظَمَتِهِ .