الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ - أَوْ فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ - كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ قَدْ هَوَّدُوهُمْ أَوْ نَصَّرُوهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ أَرَادُوا إِكْرَاهَهُمْ عَلَيْهِ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونُوا هُمْ يَخْتَارُونَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5812 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا ، فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ .
فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالُوا : لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . 5813 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلًى وَلَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - قَالَ شُعْبَةُ : وَإِنَّمَا هُوَ مِقْلَاتٌ - فَتَجْعَلُ عَلَيْهَا إِنْ بَقِيَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ . قَالَ : فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَبْنَائِنَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .
قَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ . 5814 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَكُونُ مِقْلَاتًا لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ ، فَتَنْذُرُ إِنْ عَاشَ وَلَدُهَا أَنْ تَجْعَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَطَوَائِفُ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى دِينِهِمْ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ دِينَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِينِنَا ! وَإِذْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنُكْرِهَنَّهُمْ ! فَنَزَلَتْ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فَكَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَ مَنِ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ، فَمَنْ لَحِقَ بِهِمُ اخْتَارَ الْيَهُودِيَّةَ ، وَمَنْ أَقَامَ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِحُمَيْدٍ . 5815 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، بِنَحْوِ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَكَانَ فَصْلُ مَا بَيْنَهُمْ إِجْلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَمْ يُسَلِمْ مِنْهُمْ ، وَبَقِيَ مَنْ أَسْلَمَ .
قَالَ : فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِيهِمْ ، قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ خُيِّرَ أَصْحَابُكُمْ ، فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ قَالَ : فَأَجْلَوْهُمْ مَعَهُمْ . 5819 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ إِلَى : لَا انْفِصَامَ لَهَا قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحُصَيْنِ : كَانَ لَهُ ابْنَانِ ، فَقَدِمَ تُجَّارٌ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَحْمِلُونَ الزَّيْتَ . فَلَمَّا بَاعُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَرْجِعُوا أَتَاهُمُ ابْنَا أَبِي الْحُصَيْنِ ، فَدَعَوْهُمَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، فَتَنَصَّرَا فَرَجَعَا إِلَى الشَّامِ مَعَهُمْ .
فَأَتَى أَبُوهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنَّ ابْنَيَّ تَنَصَّرَا وَخَرَجَا ، فَأَطْلُبُهُمَا ؟ فَقَالَ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ . وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : أَبْعَدَهُمَا اللَّهُ ! هُمَا أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ ! فَوَجَدَ أَبُو الْحُصَيْنِ فِي نَفْسِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لَمْ يَبْعَثْ فِي طَلَبِهِمَا ، فَنَزَلَتْ : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 65 ] ثُمَّ إِنَّهُ نُسِخَ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فَأُمِرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ . 5820 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : كَانَتْ فِي الْيَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ ، أَرْضَعُوا رِجَالًا مِنَ الْأَوْسِ ، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِجْلَائِهِمْ ، قَالَ أَبْنَاؤُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ : لَنَذْهَبَنَّ مَعَهُمْ ، وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ ! فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
5821 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . 5822 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتِ النَّضِيرُ يَهُودًا فَأَرْضَعُوا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ دَانَ بِدِينِهِمْ أَبْنَاءُ الْأَوْسِ ، دَانُوا بِدِينِ النَّضِيرِ .
5826 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَوَائِلٌ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِي بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَمَّا أُجْلَوْا أَرَادَ أَهْلُوهُمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِدِينِهِمْ ، فَنَزَلَتْ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الدِّينِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ . وَقَالُوا : الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَلَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5827 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قَالَ : أُكْرِهَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ يَعْرِفُونَهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ . وَلَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ أَوْ بِالْخَرَاجِ ، وَلَمْ يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ ، فَيُخَلَّى عَنْهُمْ . 5828 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : هُوَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ أَوِ الْإِسْلَامُ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ قُبِلَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلَمْ يُقْتَلُوا .
5829 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقَاتِلَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوِ السَّيْفَ . ثُمَّ أُمِرَ فِي مَنْ سِوَاهُمْ بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ، فَقَالَ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . 5830 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ لَيْسَ لَهَا دِينٌ ، فَأُكْرِهُوا عَلَى الدِّينِ بِالسَّيْفِ .
قَالَ : وَلَا يُكْرَهُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى وَالْمَجُوسُ ، إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ . 5831 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ لِغُلَامٍ لَهُ نَصْرَانِيٍّ : يَا جَرِيرُ أَسْلِمْ . ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُمْ .
5832 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قَالَ : وَذَلِكَ لَمَّا دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَعْطَى أَهْلُ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5833 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا فِي الدِّينِ ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي قِتَالِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ - وَقَالَ : عَنَى بِقَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسَ وَكُلَّ مَنْ جَاءَ إِقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ الْمُخَالِفِ دِينَ الْحَقِّ ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مَنْسُوخًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ؛ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِنَا ( كِتَابِ اللَّطِيفِ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ) : مِنْ أَنَّ النَّاسِخَ غَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا إِلَّا مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ ، فَلَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُهُمَا . فَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصَ ، فَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُقَالَ : لَا إِكْرَاهَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا قَدْ نَقَلُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَكْرَهَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَوْمًا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ ، وَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ إِنِ امْتَنَعُوا مِنْهُ ، وَذَلِكَ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَكَالْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْكُفْرِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، وَأَنَّهُ تَرَكَ إِكْرَاهَ الْآخَرِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَبُولِهِ الْجِزْيَةَ مِنْهُ وَإِقْرَارِهِ عَلَى دِينِهِ الْبَاطِلِ ، وَذَلِكَ كَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمِنْ أَشْبَهَهُمْ - كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَلَّ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِأَدَائِهِ الْجِزْيَةَ ، وَرِضَاهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ ، بِالْإِذْنِ بِالْمُحَارَبَةِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرَادُوا أَنْ يُكْرِهُوا أَوْلَادَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ؟ قُلْنَا : ذَلِكَ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ قَدْ تَنْزِلُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْأَمْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا عَامًّا فِي كُلِّ مَا جَانَسَ الْمَعْنَى الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ .
فَالَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ - عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ - إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا دَانُوا بِدِينِ أَهْلِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ ثُبُوتِ عَقْدِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ ، فَنَهَى اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ إِكْرَاهِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْزَلَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ آيَةً يَعُمُّ حُكْمُهَا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمْ ، مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ الَّتِي يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ . لَا يُكْرَهُ أَحَدٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الدِّينِ تَعْرِيفًا لِلدِّينِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ لَا إِكْرَاهَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْإِسْلَامُ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُدْخِلَتَا عَقِيبًا مِنَ الْهَاءِ الْمَنْوِيَّةِ فِي الدِّينِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، لَا إِكْرَاهَ فِي دِينِهِ ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَشَدْتُ فَأَنَا أَرْشُدُ رَشَدًا وَرُشْدًا وَرَشَادًا وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ .
وَأَمَّا الْغَيُّ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَدْ غَوَى فُلَانٌ فَهُوَ يَغْوَى غَيًّا وَغِوَايَةً وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ : غَوِيَ فُلَانٌ يَغْوَى وَالَّذِي عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقَرَأَةِ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ [ سُورَةُ النَّجْمِ : 2 ] بِالْفَتْحِ ، وَهِيَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَا الْحَقَّ وَتَجَاوَزَهُ ، فَضَلَّ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : قَدْ وَضَحَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَاسْتَبَانَ لِطَالِبِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ وَجْهُ مَطْلَبِهِ ، فَتَمَيَّزَ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ ، فَلَا تُكْرِهُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ - وَمَنْ أَبَحْتُ لَكُمْ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ - [ أَحَدًا ] عَلَى دِينِكُمْ دِينِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ مَنْ حَادَ عَنِ الرَّشَادِ بَعْدَ اسْتِبَانَتِهِ لَهُ ، فَإِلَى رَبِّهِ أَمْرُهُ ، وَهُوَ وَلِيُّ عُقُوبَتِهِ فِي مَعَادِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الطَّاغُوتِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّيْطَانُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5834 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ . 5835 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ .
5839 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ الطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ . 5840 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ بِالشَّيْطَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الطَّاغُوتُ : هُوَ السَّاحِرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5841 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، أَنَّهُ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ . وَقَدْ خُولِفَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَا ذَاكِرٌ الْخِلَافَ بَعْدُ . 5842 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الطَّاغُوتُ هُوَ الْكَاهِنُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5843 - حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ . 5844 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ رُفَيْعٍ قَالَ : الطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
5845 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ قَالَ : كُهَّانٌ تَنَزَّلُ عَلَيْهَا شَيَاطِينُ ، يُلْقُونَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ . أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : - وَسُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فَقَالَ - : كَانَ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ ، وَهِيَ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي الطَّاغُوتِ أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ ، فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ ، وَإِنْسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ ، أَوْ شَيْطَانًا ، أَوْ وَثَنًا ، أَوْ صَنَمًا ، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ .
وَأَرَى أَنَّ أَصْلَ الطَّاغُوتِ الطَّغَوُوتُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : طَغَا فُلَانٌ يَطْغُو إِذَا عَدَا قَدْرَهُ ، فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ ، كَ الْجَبَرُوتِ مِنَ التَّجَبُّرِ وَ الْخَلَبُوتِ مِنَ الْخَلَبِ . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى تَقْدِيرِ فَعَلُوتٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَالتَّاءِ . ثُمَّ نُقِلَتْ لَامُهُ - أَعْنِي لَامَ الطَّغَوُوتِ فَجُعِلَتْ لَهُ عَيْنًا ، وَحُوِّلَتْ عَيْنُهُ فَجُعِلَتْ مَكَانَ لَامِهِ ، كَمَا قِيلَ : جَذَبَ وَجَبَذَ وَجَاذَبَ وَجَابَذَ وَصَاعِقَةٌ وَصَاقِعَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : فَمَنْ يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَكْفُرُ بِهِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَقُولُ : وَيُصَدِّقُ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَرَبُّهُ وَمَعْبُودُهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى يَقُولُ : فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَوْثَقِ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْخَلَاصِ لِنَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ كَمَا : - 5846 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا مِنْ جِيرَتِهِ ، فَوَجَدَهُ فِي السَّوْقِ وَهُوَ يُغَرْغِرُ ، لَا يَفْقَهُونَ مَا يُرِيدُ . فَسَأَلَهُمْ : يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَفَرْتُ بِالطَّاغُوتِ . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ ؟ قَالُوا : لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى انْكَسَرَ لِسَانُهُ ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَفْلَحَ صَاحِبُكُمْ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْعُرْوَةُ فِي هَذَا الْمَكَانِ ، مَثَلٌ لِلْإِيمَانِ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ الْمُؤْمِنُ ، فَشَبَّهَهُ فِي تَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالْمُتَمَسِّكِ بِعُرْوَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ عُرْوَةٌ يُتَمَسَّكُ بِهَا ، إِذْ كَانَ كُلُّ ذِي عُرْوَةٍ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ مَنْ أَرَادَهُ بِعُرْوَتِهِ . وَجَعَلَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْإِيمَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْكَافِرُ بِالطَّاغُوتِ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْأَشْيَاءِ بِقَوْلِهِ : الْوُثْقَى وَالْوُثْقَى فُعْلَى مِنَ الْوَثَاقَةِ .
يُقَالُ فِي الذَّكَرِ : هُوَ الْأَوْثَقُ وَفِي الْأُنْثَى : هِيَ الْوُثْقَى كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ الْأَفْضَلُ ، وَفُلَانَةٌ الْفُضْلَى . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى قَالَ : الْإِيمَانُ .
5851 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ . 5852 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَاكِ : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى مِثْلَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا انْفِصَامَ لَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : لا انْفِصَامَ لَهَا لَا انْكِسَارَ لَهَا .
وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : لَهَا عَائِدٌ عَلَى الْعُرْوَةِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، فَقَدِ اعْتَصَمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ بِمَا لَا يَخْشَى مَعَ اعْتِصَامِهِ خِذْلَانَهُ إِيَّاهُ ، وَإِسْلَامَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي أَهْوَالِ الْآخِرَةِ ، كَالْمُتَمَسِّكِ بِالْوَثِيقِ مِنْ عُرَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُخْشَى انْكِسَارُ عُرَاهَا . وَأَصْلُ الْفَصْمِ الْكَسْرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ : وَمَبْسِمَهَا عَنْ شَتِيتِ النَّبَاتِ غَيْرَ أَكَسَّ وَلَا مُنْفَصِمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَاللَّهُ سَمِيعٌ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ الْكَافِرِ بِالطَّاغُوتِ عِنْدَ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَتَبَرُّئِهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ . عَلِيمٌ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ رُبُوبِيَّتِهِ قَلْبُهُ ، وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ ضَمِيرُهُ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْفَتْهُ نَفْسُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، لَا يَنْكَتِمُ عَنْهُ سِرٌّ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرٌ ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ ، وَأَضْمَرَتْهُ نَفْسُهُ ، إِنْ خَيْرَا فَخَيْرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا .