الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا نَصِيرُهُمْ وَظَهِيرُهُمْ ، يَتَوَلَّاهُمْ بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ يَعْنِي بِذَلِكَ : يُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ . وَإِنَّمَا عَنَى بِ الظُّلُمَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْكُفْرَ . وَإِنَّمَا جَعَلَ الظُّلُمَاتِ لِلْكُفْرِ مَثَلًا ؛ لِأَنَّ الظُّلُمَاتِ حَاجِبَةٌ لِلْأَبْصَارِ عَنْ إِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ وَإِثْبَاتِهَا ، وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ حَاجِبٌ أَبْصَارَ الْقُلُوبِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَصِحَّةِ أَسْبَابِهِ .
فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عِبَادَهُ أَنَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُبَصِّرُهُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَسُبُلَهُ وَشَرَائِعَهُ وَحُجَجَهُ ، وَهَادِيهِمْ ، فَمُوَفِّقُهُمْ لِأَدِلَّتِهِ الْمُزِيلَةِ عَنْهُمُ الشُّكُوكَ ، بِكَشْفِهِ عَنْهُمْ دَوَاعِيَ الْكُفْرِ ، وَظُلَمَ سَوَاتِرِهِ [ عَنْ ] أَبْصَارِ الْقُلُوبِ . ثُمَّ أَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيَّتَهُ أَوْلِيَاؤُهُمْ يَعْنِي نُصَرَاؤُهُمْ وَظُهَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُمُ الطَّاغُوتُ يَعْنِي الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَعْنِي بِ النُّورِ الْإِيمَانَ ، عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا إِلَى الظُّلُمَاتِ وَيَعْنِي بِ الظُّلُمَاتِ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَشُكُوكَهُ الْحَائِلَةَ دُونَ أَبْصَارِ الْقُلُوبِ وَرُؤْيَةِ ضِيَاءِ الْإِيمَانِ وَحَقَائِقِ أَدِلَّتِهِ وَسُبُلِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ : ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5856 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ يَقُولُ : مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ يَقُولُ : مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ .
5860 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ مَنْصُورًا ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ إِلَى أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَرُوا بِهِ ، وَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَعْنَاهَا الْخُصُوصُ ، وَأَنَّهَا - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا - نَزَلَتْ فِيمَنْ كَفَرَ مِنَ النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى ، وَسَائِرِ الْمِلَلِ الَّتِي كَانَ أَهْلُهَا يُكَذِّبُ بِعِيسَى . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَكَانَتِ النَّصَارَى عَلَى حَقٍّ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَذَّبُوا بِهِ ؟ قِيلَ : مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ عَلَى حَقٍّ ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النِّسَاءِ : 136 ] .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ غَيْرُ الَّذِينَ ذَكَرَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدَةُ : أَنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعِيسَى ، أَوْ غَيْرِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ ؟ . قِيلَ : نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ ، وَيُضِلُّونَهُمْ فَيَكْفُرُونَ ، فَيَكُونُ تَضْلِيلُهُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَكْفُرُوا إِخْرَاجًا مِنْهُمْ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ ، يَعْنِي صَدَّهُمْ إِيَّاهُمْ عَنْهُ ، وَحِرْمَانَهُمْ إِيَّاهُمْ خَيْرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَانُوا فِيهِ قَبْلُ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ : أَخْرَجَنِي وَالِدِي مِنْ مِيرَاثِهِ إِذَا مَلَّكَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ غَيْرَهُ ، فَحَرَمَهُ مِنْهُ حَظَّهُ وَلَمْ يُمَلِّكْ ذَلِكَ الْقَائِلَ هَذَا الْمِيرَاثَ قَطُّ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا حَرَمَهُ ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا كَانَ يَكُونُ لَهُ لَوْ لَمْ يَحْرِمْهُ ، قِيلَ : أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَخَرَجَنِي فُلَانٌ مِنْ كَتِيبَتِهِ يَعْنِي لَمْ يَجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ أَشْبَهَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ فَجَمَعَ خَبَرَ الطَّاغُوتِ بِقَوْلِهِ : يُخْرِجُونَهُمْ وَالطَّاغُوتُ وَاحِدٌ ؟ قِيلَ : إِنَّ الطَّاغُوتَ اسْمٌ لِجَمَاعٍ وَوَاحِدٍ ، وَقَدْ يُجْمَعُ طَوَاغِيتُ . وَإِذَا جُعِلَ وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَانَ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ : رَجُلٌ عَدْلٌ ، وَقَوْمٌ عَدْلٌ وَرَجُلٌ فِطْرٌ وَقَوْمٌ فِطْرٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي مُوَحَّدًا فِي اللَّفْظِ وَاحِدُهَا وَجَمْعُهَا ، وَكَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الْإِحَنِ الصُّدُورُ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 257 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَصْحَابُ النَّارِ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ يَخْلُدُونَ فِيهَا - يَعْنِي فِي نَارِ جَهَنَّمَ - دُونَ غَيْرِهِمْ مَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَلَا نِهَايَةٍ أَبَدًا .