الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ فَيَصَّدَّقُونَ بِهَا ، وَيَحْمِلُونَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيُقَوُّونَ بِهَا أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنَ الْغُزَاةِ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ . وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَتَثْبِيتًا لَهُمْ عَلَى إِنْفَاقِ ذَلِكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَتَحْقِيقًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : ثَبَّتُّ فُلَانًا فِي هَذَا الْأَمْرِ - إِذَا صَحَّحْتُ عَزْمَهُ ، وَحَقَّقْتُهُ ، وَقَوَّيْتُ فِيهِ رَأْيَهُ - أُثَبِّتُهُ تَثْبِيتًا كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ : فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ - جَلَّ وَعَزَّ - بِذَلِكَ أَنَّ أَنْفُسَهُمْ كَانَتْ مُوقِنَةً مُصَدِّقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهَا فِيمَا أَنْفَقَتْ فِي طَاعَتِهِ بِغَيْرِ مَنٍّ وَلَا أَذًى ، فَثَبَّتَتْهُمْ فِي إِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، وَصَحَّحَتْ عَزْمَهُمْ وَآرَاءَهُمْ ، يَقِينًا مِنْهَا بِذَلِكَ ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهَا مَا وَعَدَهَا . وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَثْبِيتًا ) وَتَصْدِيقًا ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ : وَيَقِينًا ؛ لِأَنَّ تَثْبِيتَ أَنْفُسِ الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَنْ يَقِينٍ مِنْهَا وَتَصْدِيقٍ بِوَعْدِ اللَّهِ .
قَالَ : التَّثْبِيتُ الْيَقِينُ . 6066 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَقُولُ : يَقِينًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَثَبَّتُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُونَ فِيهِ صَدَقَاتِهِمْ .
6070 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ : كَانُوا يَتَثَبَّتُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ - يَعْنِي زَكَاتَهُمْ . 6071 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ : ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ مَضَى ، وَإِنْ خَالَطَهُ شَكٌّ أَمْسَكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ ، تَأْوِيلٌ بَعِيدُ الْمَعْنَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَعْنَى : وَتَثَبُّتًا فَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قِيلَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَتَثَبَّتُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ .
وَلَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ كَذَلِكَ ، لَكَانَ : وَتَثَبُّتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ مِنَ الْكَلَامِ إِنْ كَانَ عَلَى تَفَعَّلْتُ التَّفَعُّلُ فَيُقَالُ : تَكَرَّمْتُ تَكَرُّمًا وَتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ [ النَّحْلِ : 47 ] مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : تَخَوَّفَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ تَخَوُّفًا . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَوْ كَانَ مِنْ تَثَبُّتِ الْقَوْمِ فِي وَضْعِ صَدَقَاتِهِمْ مَوَاضِعَهَا لَكَانَ الْكَلَامُ : وَتَثَبُّتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَا وَتَثْبِيتًا . وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ : وَتَثْبِيتٌ مِنْ أَنْفُسِ الْقَوْمِ إِيَّاهُمْ بِصِحَّةِ الْعَزْمِ وَالْيَقِينِ بِوَعْدِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا [ الْمُزَّمِّلِ : 8 ] ، وَلَمْ يَقُلْ : تَبَتُّلًا . قِيلَ : إِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : تَبْتِيلًا لِظُهُورِ وَتَبَتَّلَ إِلَيْهِ فَكَانَ فِي ظُهُورِهِ دَلَّالَةٌ عَلَى مَتْرُوكٍ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي مِنْهُ قِيلَ : تَبْتِيلًا .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ : تَبَتَّلْ فَيُبَتِّلَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا ، تُخْرِجُ الْمَصَادِرَ عَلَى غَيْرِ أَلْفَاظِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا ، إِذَا كَانَتِ الْأَفْعَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَدُلُّ عَلَى مَا أُخْرِجَتْ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ﴾ [ نُوحٍ : 17 ] . وَقَالَ : وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [ آلِ عِمْرَانَ : 37 ] .
وَالنَّبَاتُ : مَصْدَرُ نَبَتَ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِمَجِيءِ أَنْبَتَ قَبْلَهُ ، فَدَلَّ عَلَى الْمَتْرُوكِ الَّذِي مِنْهُ قِيلَ نَبَاتًا وَالْمَعْنَى : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ فَنَبَتُّمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا . وَلَيْسَ [ فِي ] قَوْلِهِ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَلَامًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَهَّمًا بِهِ أَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ بِنَائِهِ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَيَتَثَبَّتُونَ فِي وَضْعِ الصَّدَقَاتِ مَوَاضِعَهَا فَيُصْرَفُ إِلَى الْمَعَانِي الَّتِي صُرِفَ إِلَيْهَا قَوْلُهُ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ المَصَادِرِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ قَبْلَهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ احْتِسَابًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6073 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَقُولُ : احْتِسَابًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بَعِيدُ الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى التَّثْبِيتِ لِأَنَّ التَّثْبِيتَ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ بِمَعْنَى الِاحْتِسَابِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مُفَسِّرُهُ كَذَلِكَ : أَنَّ أَنْفُسَ الْمُنْفِقِينَ كَانَتْ مُحْتَسِبَةً فِي تَثْبِيتِهَا أَصْحَابَهَا .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُ مَعْنَى الْكَلَامِ ، فَلَيْسَ الِاحْتِسَابُ بِمَعْنًى حِينَئِذٍ لِلتَّثْبِيتِ ، فَيُتَرْجَمُ عَنْهُ بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ وَعَزَّ : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ، فَيَتَصَدَّقُونَ بِهَا ، وَيُسَبِّلُونَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَنٍّ عَلَى مَنْ تَصَدَّقُوا بِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا أَذًى مِنْهُمْ لَهُمْ بِهَا ، ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَتَصْدِيقًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِوَعْدِهِ كَمَثَلِ جَنَّةٍ . وَالْجَنَّةُ : الْبُسْتَانُ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ الْبُسْتَانُ ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ . ( بِرَبْوَةٍ ) وَالرَّبْوَةُ مِنَ الْأَرْضِ : مَا نَشَزَ مِنْهَا فَارْتَفَعَ عَنِ السَّيْلِ . وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِأَنَّ مَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَسَايِلِ وَالْأَوْدِيَةِ أَغْلَظُ ، وَجِنَانُ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ أَحْسَنُ وَأَزْكَى ثَمَرًا وَغَرْسًا وَزَرْعًا مِمَّا رَقَّ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي وَصْفِ رَوْضَةٍ : مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا مِنْ رِيَاضِ الْحُزْنِ ؛ لِأَنَّ الْحُزُونَ : غُرُوسُهَا وَنَبَاتُهَا أَحْسَنُ وَأَقْوَى مِنْ غُرُوسِ الْأَوْدِيَةِ وَالتِّلَاعِ وَزُرُوعِهَا .
وَفِي الرَّبْوَةِ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ ، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْهُنَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَرَأَةِ ، وَهِيَ رُبْوَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَبِهَا قَرَأَتْ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . وَ رَبْوَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَبِهَا قَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَيُقَالُ إِنَّهَا لُغَةٌ لِتَمِيمٍ . وَرِبْوَةٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَبِهَا قَرَأَ - فِيمَا ذُكِرَ - ابْنُ عَبَّاسٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدِي أَنْ يُقْرَأَ ذَلِكَ إِلَّا بِإِحْدَى اللُّغَتَيْنِ : إِمَّا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِمَّا بِضَمِّهَا ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ النَّاسِ فِي أَمْصَارِهِمْ بِإِحْدَاهُمَا . وَأَنَا لِقِرَاءَتِهَا بِضَمِّهَا أَشَدُّ إِيثَارًا مِنِّي بِفَتْحِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ فِي الْعَرَبِ . فَأَمَّا الْكَسْرُ فَإِنَّ فِي رَفْضِ الْقِرَاءَةِ بِهِ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ .
وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الرَّبْوَةُ لِأَنَّهَا رَبَتَ فَغَلُظَتْ وَعَلَتْ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَبَا هَذَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا انْتَفَخَ فَعَظُمَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6074 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ، قَالَ : الرَّبْوَةُ الْمَكَانُ الظَّاهِرُ الْمُسْتَوِي .
وَكَانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ : هِيَ الْمُسْتَوِيَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6081 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ قَالَ : هِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الَّتِي تَعْلُو فَوْقَ الْمِيَاهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَصَابَهَا وَابِلٌ فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَصَابَ الْجَنَّةَ الَّتِي بِالرَّبْوَةِ مِنَ الْأَرْضِ وَابِلٌ مِنَ المَطَرِ ، وَهُوَ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ الْقَطْرِ مِنْهُ .
وَقَوْلُهُ : فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي الْجَنَّةَ : أَنَّهَا أَضْعَفَ ثَمَرُهَا ضِعْفَيْنِ حِينَ أَصَابَهَا الْوَابِلُ مِنَ المَطَرِ . وَالْأُكْلُ : هُوَ الشَّيْءُ الْمَأْكُولُ ، وَهُوَ مِثْلُ الرُّعْبِ وَالْهُزْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى فُعْلٍ . وَأَمَّا الْأَكْلُ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَتَسْكِينِ الْكَافِ فَهُوَ فِعْلُ الْآكِلِ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَكَلْتُ أَكْلًا وَأَكَلْتُ أُكْلَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا أَكْلَةٌ إِنْ نِلْتُهَا بِغَنِيمَةٍ وَلَا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُهَا بِغَرَامِ فَفَتَحَ الْأَلِفَ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ .
وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَا جَوْعَةَ . وَإِنْ ضُمَّتِ الْأَلِفُ مِنَ الْأُكْلَةِ كَانَ مَعْنَاهُ : الطَّعَامُ الَّذِي أَكَلْتَهُ ، فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ : مَا طَعَامٌ أَكَلْتُهُ بِغَنِيمَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ فَإِنَّ الطَّلَّ هُوَ النَّدَى وَاللَّيِّنُ مِنَ المَطَرِ كَمَا : - 6082 - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : ( فَطَلٌّ ) نَدَى عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
6086 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : ( فَطَلٌّ ) أَيْ طَشٌّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِهَذَا الْمَثَلِ : كَمَا ضَعَّفْتُ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي وَصَفْتُ صِفَتَهَا حِينَ جَادَ الْوَابِلُ ، فَإِنْ أَخْطَأَ هَذَا الْوَابِلُ فَالطَّلُّ كَذَلِكَ يُضَعِّفُ اللَّهُ صَدَقَةَ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُنْفِقِ مَالَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلَا أَذًى ، قَلَّتْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ ، لَا تَخِيبُ وَلَا تُخْلِفُ نَفَقَتُهُ ، كَمَا تُضَعَّفُ الْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتهَا ، قَلَّ مَا أَصَابَهَا مِنَ المَطَرِ أَوْ كَثُرَ لَا يُخْلَفُ خَيْرُهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
6090 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ . الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ قَدْ مَضَى ؟ قِيلَ : يُرَادُ فِيهِ كَانَ وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَابِلُ أَصَابَهَا ، أَصَابَهَا طَلٌّ .
وَذَلِكَ فِي الْكَلَامِ نَحْوَ قَوْلِ الْقَائِلِ : حَبَسْتُ فَرَسَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ أَحْبِسِ اثْنَيْنِ فَوَاحِدًا بِقِيمَتِهِ بِمَعْنَى : إِلَّا أَكُنْ - لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ كَانَ لِأَنَّهُ خَبَرٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : . إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدًّا الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : ( 265 ) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا النَّاسُ فِي نَفَقَاتِكُمُ الَّتِي تُنْفِقُونَهَا ( بَصِيرٌ ) لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا شَيْءٌ ، يَعْلَمُ مَنِ الْمُنْفِقُ مِنْكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ، وَالْمُنْفِقُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ نَفْسِهِ ، فَيُحْصِي عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا .
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهَذَا الْقَوْلِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - التَّحْذِيرَ مِنْ عِقَابِهِ فِي النَّفَقَاتِ الَّتِي يُنْفِقُهَا عِبَادُهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، أَوْ يُفَرِّطَ فِيمَا قَدْ أُمِرَ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ وَمَسْمَعٍ ، يَعْلَمُهُ وَيُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ لِخَلْقِهِ بِالْمِرْصَادِ .