الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : يُؤْتِي اللَّهُ الْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَنْ يُؤْتَ الْإِصَابَةَ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ ، الْحِكْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هِيَ : الْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ بِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْحِكْمَةِ الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6183 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ قَالَ : الْإِصَابَةُ . 6184 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ قَالَ : يُؤْتِي الْإِصَابَةَ مَنْ يَشَاءُ .
6185 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ قَالَ : الْكِتَابُ ، يُؤْتِي إِصَابَتَهُ مَنْ يَشَاءُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْعِلْمُ بِالدِّينِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6186 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ : الْعَقْلُ فِي الدِّينِ ، وَقَرَأَ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا .
6187 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْحِكْمَةُ : الْعَقْلُ . 6188 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْحِكْمَةُ ؟ قَالَ : الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ ، وَالْفِقْهُ فِيهِ ، وَالِاتِّبَاعُ لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحِكْمَةُ الْفَهْمُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6190 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْحِكْمَةُ : هِيَ الْفَهْمُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الْخَشْيَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6191 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ الْآيَةَ ، قَالَ : الْحِكْمَةُ الْخَشْيَةُ ؛ لِأَنَّ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللَّهِ .
وَقَرَأَ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 28 ] . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ النُّبُوَّةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6192 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ الْآيَةَ ، قَالَ : الْحِكْمَةُ : هِيَ النُّبُوَّةُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْحِكْمَةِ - وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحُكْمِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَأَنَّهَا الْإِصَابَةُ - بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا الْقَائِلُونَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ دَاخِلًا فِيمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فَهْمٍ بِهَا وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ الْمُصِيبُ عَنْ فَهْمٍ مِنْهُ بِمَوَاضِعِ الصَّوَابِ فِي أُمُورِهِ مُفَهَّمًا خَاشِيًا لِلَّهِ فَقِيهًا عَالِمًا وَكَانَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ أَقْسَامِهِ . لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسَدَّدُونَ مُفَهَّمُونَ ، وَمُوَفَّقُونَ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَالنُّبُوَّةُ بَعْضُ مَعَانِي الْحِكْمَةِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : يُؤْتِي اللَّهُ إِصَابَةَ الصَّوَابِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ ذَلِكَ فَقَدْ آتَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ( 269 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا يَتَّعِظُ بِمَا وَعَظَ بِهِ رَبُّهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَعَظَ فِيهَا الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَغَيْرَهُمْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ آيِ كِتَابِهِ - فَيَذْكُرُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ فِيهَا ، فَيَنْزَجِرُ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ رَبُّهُ ، وَيُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ - إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ يَعْنِي : إِلَّا أُولُو الْعُقُولِ ، الَّذِينَ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ . فَأَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ الْمَوَاعِظَ غَيْرُ نَافِعَةٍ إِلَّا أُولِي الْحِجَا وَالْحُلُومِ ، وَأَنَّ الذِّكْرَى غَيْرُ نَاهِيَةٍ إِلَّا أَهْلَ النُّهَى وَالْعُقُولِ .