حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَيَانٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ سَبِيلِ النَّفَقَةِ وَوَجْهِهَا . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ تُنْفِقُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَاللَّامُ الَّتِي فِي الْفُقَرَاءِ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْضِعِ اللَّامِ فِي فَلِأَنْفُسِكُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ - يَعْنِي بِهِ : وَمَا تَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ مَالٍ فَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

فَلَمَّا اعْتُرِضَ فِي الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ : فَلِأَنْفُسِكُمْ فَأَدْخَلَ الْفَاءَ الَّتِي هِيَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فِيهِ ، تُرِكَتْ إِعَادَتُهَا فِي قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ إِذْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ كَمَا : - 6211 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ أَمَّا : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ . وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَبَيَّنَ أَهْلَهَا ، فَقَالَ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ عَامَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ .

6212
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِيقَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُهَاجِرِي قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ .
6213
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَوْلَهُ: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ ، قَالَ : هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ .
6214
حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِالسُّدِّىِّ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ : فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : الَّذِينَ جَعَلَهُمْ جِهَادُهُمْ عَدُوَّهُمْ يَحْصُرُونَ أَنْفُسَهُمْ فَيَحْبِسُونَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَارِ تَصْيِيرُ الرَّجُلِ الْمَحْصَرِ بِمَرَضِهِ أَوْ فَاقَتِهِ أَوْ جِهَادِهِ عَدُوَّهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِلَلِهِ إِلَى حَالَةٍ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِيهَا عَنِ التَّصَرُّفِ فِي أَسْبَابِهِ ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6215 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ : حَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْغَزْوِ . 6216 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ : كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا كُفْرًا ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَخْرُجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، إِذَا خَرَجَ خَرَجَ فِي كُفْرٍ . وَقِيلَ : كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ ، وَكَانُوا لَا يَتَوَجَّهُونَ جِهَةً إِلَّا لَهُمْ فِيهَا عَدُوٌّ ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ ، كَانُوا هَهُنَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : الَّذِينَ أَحْصَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَمَنَعُوهُمُ التَّصَرُّفَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6217 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَصَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمَدِينَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ ، لَكَانَ الْكَلَامُ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حُصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّهُ أُحْصِرُوا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَ العَدُوِّ الَّذِي صَيَّرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ إِلَى الْحَالِ الَّتِي حَبَسُوا - وَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - أَنْفُسَهُمْ ، لَا أَنَّ الْعَدُوَّ هُمْ كَانُوا الْحَابِسِيهِمْ .

وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ حَبَسَهُ الْعَدُوُّ : حَصَرَهُ الْعَدُوُّ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الْمُحْبَسُ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ ، قِيلَ : أَحْصَرَهُ خَوْفُ الْعَدُوِّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : لَا يَسْتَطِيعُونَ تَقَلُّبًا فِي الْأَرْضِ ، وَسَفَرًا فِي الْبِلَادِ ، ابْتِغَاءَ الْمَعَاشِ وَطَلَبَ الْمَكَاسِبِ ، فَيَسْتَغْنُوا عَنِ الصَّدَقَاتِ ، رَهْبَةَ الْعَدُوِّ وَخَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ ، كَمَا : - 6218 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْعَدُوِّ ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تِجَارَةً . 6219 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَعْنِي التِّجَارَةَ .

6220 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلَهُ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ بِأَمْرِهِمْ وَحَالِهِمْ أَغْنِيَاءَ مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ، وَتَرْكِهِمُ التَّعَرُّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، صَبْرًا مِنْهُمْ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، كَمَا : - 6221 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ يَقُولُ : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ بِأَمْرِهِمْ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنَ التَّعَفُّفِ مِنْ تَرْكِ مَسْأَلَةِ النَّاسِ .

وَهُوَ التَّفَعُّلُ مِنِ الْعِفَّةِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَالْعِفَّةُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ : فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ يَعْنِي بَرِئَ وَتَجَنَّبَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : تَعْرِفُهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِسِيمَاهُمْ يَعْنِي بِعَلَامَتِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [ سُورَةُ الْفَتْحِ : 29 ] هَذِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : بِسِيمَائِهِمْ فَيَمُدُّهَا .

وَأَمَّا ثَقِيفٌ وَبَعْضُ أَسَدٍ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : بِسِيمْيِائِهِمْ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : . غُلامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بالْحُسْنِ يَافِعًا لَهُ سِيمِيَاءٌ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السِّيمَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهَا لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ .

6222
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالَ : التَّخَشُّعُ .
6223
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَاشِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
6224
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ قَالَ : كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ : هُوَ التَّخَشُّعُ .

وَقَالَ آخَرُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَا الْفَقْرِ وَجَهْدِ الْحَاجَةِ فِي وُجُوهِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6225 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ بِسِيمَا الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ . 6226 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ يَقُولُ : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمُ الْجَهْدَ مِنَ الْحَاجَةِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَعْرِفُهُمْ بِرَثَاثَةِ ثِيَابِهِمْ . وَقَالُوا : الْجُوعُ خَفِيٌّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6227 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالَ : السِّيمَا : رَثَاثَةُ ثِيَابِهِمْ ، وَالْجُوعُ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ الثِّيَابُ الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيهَا [ أَنْ ] تَخْفَى عَلَى النَّاسِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ بِعَلَامَاتِهِمْ وَآثَارِ الْحَاجَةِ فِيهِمْ . وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْرِكُ تِلْكَ الْعَلَامَاتِ وَالْآثَارَ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ بِالْعِيَانِ ، فَيَعْرِفُهُمْ وَأَصْحَابُهُ بِهَا ، كَمَا يُدْرَكُ الْمَرِيضُ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَرِيضٌ بِالْمُعَايَنَةِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ السِّيمَا كَانَتْ تَخَشُّعًا مِنْهُمْ ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ أَثَرَ الْحَاجَةِ وَالضُّرِّ ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ رَثَاثَةَ الثِّيَابِ ، وَأَنْ تَكُونَ كَانَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تُدْرَكُ عَلَامَاتُ الْحَاجَةِ وَآثَارُ الضُّرِّ فِي الْإِنْسَانِ ، وَيُعْلَمُ أَنَّهَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالضُّرِّ بِالْمُعَايَنَةِ دُونَ الْوَصْفِ .

وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَصِيرُ بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ مَرَضِهِ مِنَ المَرَضِ نَظِيرُ آثَارِ الْمَجْهُودِ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَقَدْ يَلْبَسُ الْغَنِيُّ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ الثِّيَابَ الرَّثَّةَ ، فَيَتَزَيَّى بِزِيِّ أَهْلِ الْحَاجَةِ ، فَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ بِالصِّفَةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهِ مُخْتَلٌّ ذُو فَاقَةٍ . وَإِنَّمَا يُدْرَى ذَلِكَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِسِيمَاهُ ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ نَظِيرَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَرِيضٌ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ دُونَ وَصْفِهِ بِصِفَتِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يُقَالُ : قَدْ أَلْحَفَ السَّائِلُ فِي مَسْأَلَتِهِ إِذَا أَلَحَّ فَهُوَ يُلْحِفُ فِيهَا إِلْحَافًا .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَفَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَسْأَلُونَ النَّاسَ غَيْرَ إِلْحَافٍ ؟ قِيلَ : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ تَعَفُّفٍ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يُعَرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ . فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ ، لَمْ تَكُنْ صِفَتُهُمُ التَّعَفُّفَ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَدِلَّةِ وَالْعَلَامَةِ حَاجَةٌ ، وَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الظَّاهِرَةُ تُنْبِئُ عَنْ حَالِهِمْ وَأَمْرِهِمْ . وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي : - 6228 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ حِصْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : أَعْوَزْنَا مَرَّةً فَقِيلَ لِي : لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتَهُ ! فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ مُعْنِقًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا وَاجَهَنِي بِهِ : مَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ ، وَمَنْ سَأَلَنَا لَمْ نَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا نَجِدُهُ .

قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي ، فَقُلْتُ : أَلَا أَسْتَعِفُّ فَيُعِفَّنِي اللَّهُ ! فَرَجَعْتُ ، فَمَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَمَرٍ حَاجَةً ، حَتَّى مَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا فَغَرَّقَتْنَا ، إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ . الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ مَعْنَى يَنْفِي مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ مِنَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالتَّعَفُّفِ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْمَسْأَلَةِ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَوْ غَيْرَ إِلْحَافٍ .

قِيلَ لَهُ : وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالتَّعَفُّفِ ، وَعَرَّفَ عِبَادَهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ مَسْأَلَةٍ بِحَالٍ بِقَوْلِهِ : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعَرَفُونَ بِالسِّيمَا - زَادَ عِبَادَهُ إِبَانَةً لِأَمْرِهِمْ ، وَحُسْنَ ثَنَاءٍ عَلَيْهِمْ ، بِنَفْيِ الشَّرَهِ وَالضَّرَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُلِحِّينَ مِنَ السُّؤَّالِ عَنْهُمْ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ يَقُولُ : ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ فُلَانٍ ! وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ أَحَدًا وَلَا نَظِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْإِلْحَافِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

6229
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ،عَنِ السُّدِّيِّ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَالَ : لَا يُلْحِفُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ .
6230
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِيقَوْلِهِ : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَالَ : هُوَ الَّذِي يُلِحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ .
6231
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَلِيمَ الْغَنِيَّ الْمُتَعَفِّفَ ،وَيُبْغِضُ الْغَنِيَّ الْفَاحِشَ الْبَذِىءَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا : قِيلًا وَقَالًا وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ .

فَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ فِي قِيلٍ وَقَالٍ يَوْمَهُ أَجْمَعَ وَصَدْرَ لَيْلَتِهِ ، حَتَّى يُلْقَى جِيفَةً عَلَى فِرَاشِهِ ، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مِنْ نَهَارِهِ وَلَا لَيْلَتِهِ نَصِيبًا . وَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ ذَا مَالٍ [ يُنْفِقُهُ ] فِي شَهْوَتِهِ وَلَذَّاتِهِ وَمَلَاعِبِهِ وَيَعْدِلُهُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ ، فَذَلِكَ إِضَاعَةُ الْمَالِ ، وَإِذَا شِئْتَ رَأَيْتَهُ بَاسِطًا ذِرَاعَيْهِ ، يَسْأَلُ النَّاسَ فِي كَفَّيْهِ ، فَإِذَا أُعْطِيَ أَفْرَطَ فِي مَدْحِهِمْ ، وَإِنْ مُنِعَ أَفْرَطَ فِي ذَمِّهِمْ . .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 2731 قراءة

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    يَحْسَبُهُمُ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين والباقون بكسرها . وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ سبق قريبا . سِرًّا رقق الراء ورش . فَأْذَنُوا قرأ شعبة وحمزة بفتح الهمزة وألف بعدها وكسر الذال والباقون بإسكان الهمزة وفتح الذال ، وأبدل ورش والسوسي وأبو جعفر الهمزة في الحالين ، ولحمزة فيها وقفا التحقيق والتسهيل . عُسْرَةٍ قرأ أبو جعفر بضم السين والباقون بإسكانها . مَيْسَرَةٍ قرأ نافع بضم السين والباقون بفتحها . وَأَنْ تَصَدَّقُوا قرأ عاصم بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها . يَوْمًا تُرْجَعُونَ قرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم . شَيْئًا فيه لورش التوسط والمد ولحمزة وقفا النقل والإدغام وتقدم مثله مرارا . أَنْ يُمِلَّ هُوَ قرأ أبو جعفر بإسكان الهاء والباقون بضمها . الشُّهَدَاءِ أَنْ قرأ المدنيان والمكي والبصري ورويس بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة والباقون بتحقيقها ، ولا خلاف بينهم في تحقيق الأولى . أَنْ تَضِلَّ قرأ حمزة بكسر الهمزة والباقون بفتحها . فَتُذَكِّرَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بإسكان الذال وتخفيف الكاف مع نصب الراء ، والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف مع نصب الراء إلا حمزة فبرفعها . الشُّهَدَاءُ إِذَا قرأ المدنيان والمكي والبصري ورويس بتسهيل الهمزة الثانية بينها وبين الياء وعنهم إبدالها واوا خالصة والباقون بتحقيقها ، وأجمعوا على تحقيق الأولى . وَلا تَسْأَمُوا فيه لحمزة وقفا نقل حركة الهمزة إلى السين مع حذف الهمزة . تِجَارَةً حَاضِرَةً قرأ عاصم بنصب التاء فيهما والباقون بالرفع ، ولا يخفى ترقيق ورش راء حَاضِرَةً . وَلا يُضَارَّ قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء وإسكانها والباقون بالتشديد مع الفتح ، وكلهم يشبعون المد لأجل الساكن . عَلِيمٌ آخر الربع . الممال هُدَاهُمْ ، فَانْتَهَى ، تُوَفَّى ، <آية

موقع حَـدِيث