الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ الْقَرَأَةُ فِي الْأَمْصَارِ جَمِيعًا ( كَاتِبًا ) ، بِمَعْنَى : وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابَ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ . وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ، بِمَعْنَى : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ سَبِيلٌ ، إِمَّا بِتَعَذُّرِ الدَّوَاةِ وَالصَّحِيفَةِ ، وَإِمَّا بِتَعَذُّرِ الْكَاتِبِ وَإِنْ وَجَدْتُمُ الدَّوَاةَ وَالصَّحِيفَةَ .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا هِيَ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا بِمَعْنَى : مَنْ يَكْتُبُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ . [ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ] : وَإِنْ كُنْتُمْ ، أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي سَفَرٍ بِحَيْثُ لَا تَجِدُونَ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى بَيْنَكُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِاكْتِتَابِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، فَارْتَهِنُوا بِدُيُونِكُمُ الَّتِي تَدَايَنْتُمُوهَا إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى رُهُونًا تَقْبِضُونَهَا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ كَذَلِكَ ، لِيَكُونَ ثِقَةً لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 6435 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَمَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَبَايَعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي الرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِنْ وَجَدَ كَاتِبًا أَنْ يَرْتَهِنَ .
6436 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا يَقُولُ : كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ . 6437 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُكْتَبَ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ فِي الْمُقَامِ . فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ تَبَايَعُوا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدُوا [ كَاتِبًا ] ، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
6441 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا يَقُولُ : مِدَادًا ، - يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ - يَقُولُ : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِدَادًا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الرُّهُونُ الْمَقْبُوضَةُ فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ قَالَ : لَا يَكُونُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ . 6442 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ قَالَ : إِنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ كَانَ يَقْرَؤُهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : تُوجَدُ الدَّوَاةُ وَلَا تُوجَدُ الصَّحِيفَةُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ، بِمَعْنَى جِمَاعِ رَهْنٍ كَمَا الْكِبَاشُ جِمَاعُ كَبْشٍ وَ الْبِغَالُ جِمَاعُ بَغْلٍ وَ النِّعَالُ جِمَاعُ نَعْلٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ : ( فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ ) عَلَى مَعْنَى جَمْعِ رِهَانٍ وَرُهُنٌ جَمْعُ الْجَمْعِ ، وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ رَهْنٍ : ، مِثْلَ سَقْفٍ وَسُقُفٍ . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : ( فَرُهْنٌ ) مُخَفِّفَةَ الْهَاءِ عَلَى مَعْنَى جِمَاعِ رَهْنٍ كَمَا تَجْمَعُ السَّقْفُ سُقْفًا .
قَالُوا : وَلَا نَعْلَمُ اسْمًا عَلَى فَعْلٍ يَجْمَعُ عَلَى فُعُلٍ وَفُعْلٍ إِلَّا الرُّهُنُ وَالرُّهْنُ . وَ السُّقُفُ وَالسُّقْفُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعُ الْمَعْرُوفُ لَمَّا كَانَ مِنَ اسْمٍ عَلَى فَعْلٍ كَمَا يُقَالُ : حَبْلٌ وَحِبَالٌ وَ كَعْبٌ وَكِعَابٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ . فَأَمَّا جَمْعُ الْفَعْلِ عَلَى الْفُعُلِ أَوِ الْفُعْلِ فَشَاذٌّ قَلِيلٌ ، إِنَّمَا جَاءَ فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ وَقِيلَ : سَقْفٌ وَسُقُفٌ وَسُقْفٌ وَقَلْبٌ وَقُلُبٌ وَقُلْبٌ مِنْ : قَلْبِ النَّخْلِ . وَجَدٌّ وَجُدٌّ لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَظِّ .
وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ فَعْلٍ عَلَى فُعْلٍ فَ ثَطٌّ ، وَثُطٌّ وَ وَرْدٌ وَوُرْدٌ وَ خَوْدٌ وَخُودٌ . وَإِنَّمَا دَعَا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ : فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ إِلَى قِرَاءَتِهِ فِيمَا أَظُنُّ كَذَلِكَ ، مَعَ شُذُوذِهِ فِي جَمْعِ فَعْلٍ أَنَّهُ وَجَدَ الرِّهَانَ مُسْتَعْمَلَةً فِي رِهَانِ الْخَيْلِ ، فَأَحَبَّ صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُلْتَبِسِ بِرِهَانِ الْخَيْلِ ، الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ مَعْنَى الرِّهَانِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ رَهْنٍ وَوَجَدَ الرُّهُنَ مَقُولًا فِي جَمْعِ رَهْنٍ كَمَا قَالَ قَعْنَبُ : بَانَتْ سُعادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ أَمِينًا عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ وَالدَّيْنِ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ فِي سَفَرِهِ رَهْنًا بِدَيْنِهِ لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ عَلَى مَالِهِ وَثِقَتِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ الْمَدِينُ رَبَّهُ يَقُولُ : فَلْيَخَفِ اللَّهَ رَبَّهُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ أَنْ يَجْحَدَهُ ، أَوْ يَلُطَّ دُونَهُ ، أَوْ يُحَاوِلَ الذَّهَابَ بِهِ ، فَيَتَعَرَّضُ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَا لَا قِبَلَ لَهُ ، بِهِ وَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ : هَذَا الْحُكْمَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - نَاسِخٌ الْأَحْكَامَ الَّتِي فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِالشُّهُودِ وَالْكِتَابِ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ : - 6443 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فِي السَّفَرِ ، فَأَمَّا الْحَضَرُ فَلَا وَهُوَ وَاجِدٌ كَاتِبًا ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ وَلَا يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الضَّحَّاكُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الدَّيْنِ ائْتِمَانُ الْمَدِينِ وَهُوَ وَاجِدٌ إِلَى الْكَاتِبِ وَالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَإِنْ كَانَا فِي سَفَرٍ ، فَكَمَا قَالَ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الرَّهْنِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، مِثْلَ الِائْتِمَانِ : فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْحَقِّ الِارْتِهَانُ بِمَالِهِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ سَبِيلًا فِي حَضَرٍ أَوْ سِفْرٍ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : - 6444 - أَنَّهُ اشْتَرَى طَعَامًا نَسَاءً ، وَرَهَنَ بِهِ دِرْعًا لَهُ . فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ بِمَا عَلَيْهِ ، وَيَرْتَهِنَ بِمَالِهِ مِنْ حَقٍّ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ - لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ - حِينَ رَهَنَ مَنْ ذَكَرْنَا - غَيْرَ وَاجِدٍ كَاتِبًا وَلَا شَهِيدًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَذِّرًا عَلَيْهِ بِمَدِينَتِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا بِرَهْنٍ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا إِذَا وَجَدَا سَبِيلًا إِلَى كَاتِبٍ وَشَهِيدٍ ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ أَوِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَنْ يَكْتُبَا ذَلِكَ وَيُشْهِدَا عَلَى الْمَالِ وَالرَّهْنِ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ فِي ذَلِكَ ، حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خُطَّابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَمَرَ الْمُسْتَدِينَ وَرَبَّ الْمَالِ بِإِشْهَادِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا - وَلَا تَكْتُمُوا أَيُّهَا الشُّهُودُ بَعْدَمَا شَهِدْتُمْ شَهَادَتَكُمْ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، كَمَا شَهِدْتُمْ عَلَى مَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ أَجِيبُوا مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ إِذَا دَعَاكُمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتِكُمْ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي يَأْخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَا عَلَيْهِ فِي كِتْمَانِ شَهَادَتِهِ ، وَإِبَائِهِ مِنْ أَدَائِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْتَشْهِدِ إِلَى قِيَامِهِ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ ذِي سُلْطَانٍ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَكْتُمْهَا . يَعْنِي : وَمَنْ يَكْتُمْ شَهَادَتَهُ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ ، مُكْتَسِبٌ بِكِتْمَانِهِ إِيَّاهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، كَمَا : - 6445 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ شَهَادَةً هِيَ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ وَالْوَالِدَيْنِ ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَقَدْ رَكِبَ إِثْمًا عَظِيمًا .
6446 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ يَقُولُ : فَاجِرٌ قَلْبُهُ . 6447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 72 ] ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ حَيْثُمَا اسْتُشْهِدَ ، وَيُخْبِرَ بِهَا حَيْثُ اسْتُخْبِرَ .
6448 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا كَانَتْ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَسَأَلَكَ عَنْهَا فَأَخْبِرْهُ بِهَا ، وَلَا تَقُلْ : أَخْبِرْ بِهَا عِنْدَ الْأَمِيرِ أَخْبِرْهُ بِهَا لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ أَوْ يَرْعَوِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِمَا تَعْمَلُونَ فِي شَهَادَتِكُمْ مِنْ إِقَامَتِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا ، أَوْ كِتْمَانِكُمْ إِيَّاهَا عِنْدَ حَاجَةِ مِنَ اسْتَشْهَدَكُمْ إِلَيْهَا ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَرَائِرِ أَعْمَالِكُمْ وَعَلَانِيَتِهَا عَلِيمٌ يُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ ، لِيَجْزِيَكُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمْ ، إِمَّا خَيْرًا وَإِمَّا شَرًّا عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِكُمْ .