الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِلَّهِ مُلْكُ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَإِلَيْهِ تَدْبِيرُ جَمِيعِهِ ، وَبِيَدِهِ صَرْفُهُ وَتَقْلِيبُهُ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ مُدَبِّرُهُ وَمَالِكُهُ وَمُصَرِّفُهُ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - كِتْمَانَ الشُّهُودِ الشَّهَادَةَ ، يَقُولُ : لَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ أَيُّهَا الشُّهُودُ ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا يَفْجُرْ قَلْبُهُ ، وَلَنْ يَخْفَى عَلَيَّ كِتْمَانُهُ ذَلِكَ ، لِأَنِّي بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ ، وَبِيَدِي صَرْفُ كُلِّ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْكُهُ ، أَعْلَمُ خَفِيَّ ذَلِكَ وَجَلِيَّهُ ، فَاتَّقُوا عِقَابِي إِيَّاكُمْ عَلَى كِتْمَانِكُمُ الشَّهَادَةَ وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَنْ كَتَمَهَا ، وَتَخْوِيفًا مِنْهُ لَهُ بِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ وَبِمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنِ انْطَوَى كَشْحًا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَأَضْمَرَهَا ، أَوْ أَظْهَرَ مُوبِقَةً فَأَبْدَاهَا مِنْ نَفْسِهِ - مِنَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهَا فَقَالَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يَقُولُ : وَإِنْ تُظْهِرُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى حَقِّ رَبِّ الْمَالِ الْجُحُودَ وَالْإِنْكَارَ ، أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فَتُضْمِرُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِكُمْ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَمُجَازٍ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيئِينَ بِسُوءِ عَمَلِهِ ، وَغَافِرٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيئِينَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الشُّهُودَ فِي كِتْمَانِهِمُ الشَّهَادَةَ ، وَأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ أَضْمَرَ مَعْصِيَةً أَوْ أَبْدَاهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6449 - حَدَّثَنِي أَبُو زَائِدَةَ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يَقُولُ : يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ أَنَّهُ مُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهِمْ وَحَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ كَذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 286 ] ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6456 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْمِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّثُ بِهِ أَنْفُسَنَا ! هَلَكْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ : نَعَمْ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : نَعَمْ .
6457 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْهَا مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا . قَالَ : فَأَلْقَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : فَقَرَأَ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ . 6458 - حَدَّثَنِي أَبُو الرَّدَّادِ الْمِصْرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهَبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ قَالَ : جِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَئِنْ آخَذْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، لَنَهْلِكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ . قَالَ ثُمَّ جِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبَّاسٌ ، إِنِّي جِئْتُ ابْنَ عُمَرَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ وَاخَذْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ لَنَهْلِكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ! لَقَدْ فَرِقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا كَمَا فَرِقَ ابْنُ عُمَرَ مِنْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ، فَنَسَخَ اللَّهُ الْوَسْوَسَةَ ، وَأَثْبَتَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ . 6459 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَئِنْ آخَذْنَا اللَّهُ بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ ، فَقَالَ ابْنُ مَرْجَانَةَ : فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا تَلَا ابْنُ عُمَرَ ، وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! لِعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِينَ أُنْزِلَتْ مِثْلَ مَا وَجَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ مِمَّا لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَضَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ . 6460 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قَالَ : قَرَأَهَا ابْنُ عُمَرَ فَبَكَى وَقَالَ : إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّثُ بِهِ أَنْفُسَنَا ! فَبَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَذِكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عُمَرَ ! لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوًا مِمَّا وَجَدَ ، حَتَّى نَزَلَتْ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ . 6461 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ ، فَبَكَى .
فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ ، فَضَحِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عُمَرَ ! أَوَمَا يَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَمًّا شَدِيدًا وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْنَا ! فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فَنَسَخَتْهَا : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فَتُجُوِّزَ لَهُمْ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ . 6462 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ : أَنَّ أَبَاهُ قَرَأَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَدَمَعَتْ عَيْنُهُ ، فَبَلَغَ صَنِيعُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! لَقَدْ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أُنْزِلَتْ ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا . 6463 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ - لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا .
6464 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قَالُوا : أَنُؤَاخَذُ بِمَا حَدَّثْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا ، وَلَمْ تَعْمَلْ بِهِ جَوَارِحُنَا ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قَالَ : وَيَقُولُ : قَدْ فَعَلْتُ . قَالَ : فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ تُعْطَهَا الْأُمَمُ قَبْلَهَا . 6465 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَامِرٍ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ قَالَ : فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ بَعْدَهَا ، قَوْلُهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ : الْإِعْلَامُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ أَنَّهُ مُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهِمْ وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحُهُمْ ، وَبِمَا حَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مُحَاسِبٌ خَلْقَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا أَسَرُّوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ ، فَيَغْفِرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيُؤَاخِذُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6481 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِذَا جَمَعَ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِمَّا لَمْ تَطَلَّعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يَقُولُ : يُخْبِرُكُمْ . وَأَمَّا أَهْلُ الشَّكِّ وَالرِّيَبِ ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفَوْا مِنَ التَّكْذِيبِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 225 ] ، مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ .
6482 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَذَلِكَ سِرُّ عَمَلِكُمْ وَعَلَانِيَتِهِ ، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُسِرُّ فِي نَفْسِهِ خَيْرًا لِيَعْمَلَ بِهِ ، فَإِنْ عَمِلَ بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ ، وَاللَّهُ يَرْضَى سِرَّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَانِيَتَهُمْ . وَإِنْ كَانَ سُوءًا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ ، اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ ﴿يَوْمَ تَبْلَى السَّرَائِرُ ﴾، وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَمْ يُؤَاخِذْهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ ، فَإِنْ هُوَ عَمِلَ بِهِ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [ سُورَةُ الْأَحْقَافِ : 16 ] . 6483 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ، الْآيَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : إِنْ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا مِنْ أَعْمَالِكُمْ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ، فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فَأَنَا أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ ، فَأَغْفِرُ لِمَنْ شِئْتُ وَأُعَذِّبُ مَنْ شِئْتُ .
6484 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا بَيَانٌ عَنْ بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ : إِنَّمَا كَانَ كُتَّابِي يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا ظَهَرَ مِنْكُمْ ، فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فَلَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَهُ وَلَا يُعْلِمُونَهُ ، أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْكُمْ ، فَأَغْفِرُ لِمَنْ شِئْتُ ، وَأُعَذِّبُ مَنْ شِئْتُ . 6485 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا دُعِيَ النَّاسُ لِلْحِسَابِ أُخْبِرَهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ فَيَقُولُ : إِنَّهُ كَانَ لَا يَعْزُبُ عَنِّي شَيْءٌ ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تُسِرُّونَ مِنَ السُّوءِ ، وَلَمْ تَكُنْ حَفَظَتُكُمْ عَلَيْكُمْ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ . فَهَذِهِ الْمُحَاسَبَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ : وَإِنْ تَبْدُوَا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ فَتُظْهِرُوهُ بِأَبْدَانِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ ، أَوْ تُخْفُوهُ فَتُسِرُّوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ ، فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي ، أُحَاسِبْكُمْ بِهِ ، فَأَغْفِرُ كُلَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ ، وَأُعَذِّبُ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ فِي دِينِي . وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الضَّحَّاكُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ ، وَعَلَى مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهَا : إِنْ تُظْهِرُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَتَعْمَلُوهُ مِنَ الْمَعَاصِي ، أَوْ تُضْمِرُوا إِرَادَتَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ فَتُخْفُوهُ ، يُعْلِمْكُمْ بِهِ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ . وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، فَشَبِيهٌ مَعْنَاهُ بِمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ ، وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَوَافَقُوا الَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَعْلَمَ عِبَادَهُ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِيمَا أَبْدَوْا وَأَخْفَوْا مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَعْنَاهَا : إِنَّ اللَّهَ مُحَاسِبٌ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ ، وَجَمِيعِ مَا أَسَرُّوهُ ، وَمُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ . غَيْرَ أَنَّ عُقُوبَتَهُ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا أَخْفَوْهُ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ ، مَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْأُمُورِ الَّتِي يَحْزَنُونَ عَلَيْهَا وَيَأْلَمُونَ مِنْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6492 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ : مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ مِثْلَ الَّذِي هَمَّ بِهِ مِنَ السَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا ، فَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ فِي حُكْمٍ إِلَّا بِنَفْيِهِ بِآخَرَ ، هُوَ لَهُ نَافٍ مِنْ كُلِّ وُجُوهِهِ . وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ نَفْيُ الْحُكْمِ الَّذِي أَعْلَمَ عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ : أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ .
لِأَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ عُقُوبَةً ، وَلَا مُؤَاخَذَةً بِمَا حُوسِبَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ حِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ كُتُبُ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ : يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 49 ] . فَأَخْبَرَ أَنَّ كُتُبَهُمْ مُحْصِيَةٌ عَلَيْهِمْ صَغَائِرَ أَعْمَالِهِمْ وَكَبَائِرَهَا ، فَلَمْ تَكُنِ الْكُتُبُ - وَإِنْ أَحْصَتْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرَهَا - بِمُوجِبٍ إِحْصَاؤُهَا عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَأَهَّلِ الطَّاعَةِ لَهُ ، أَنْ يَكُونُوا بِكُلِّ مَا أَحْصَتْهُ الْكُتُبُ مِنَ الذُّنُوبِ مُعَاقَبِينَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَدَهُمُ الْعَفْوَ عَنِ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِهِمُ الْكَبَائِرِ فَقَالَ فِي تَنْزِيلِهِ : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 31 ] .
فَذَلِكَ مُحَاسَبَةُ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُوَ مُحَاسِبُهُمْ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَخْفَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ، غَيْرَ مُوجِبٍ لَهُمْ مِنْهُ عُقُوبَةً ، بَلْ مُحَاسَبَتُهُ إِيَّاهُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَيْهَا ، لِيُعَرِّفَهُمْ تَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا ، كَمَا بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ الَّذِي : - 6496 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُدْنِي اللَّهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ، فَيُقَرِّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ! فَيَقُولُ : سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا الْيَوْمَ ! ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتَهُ فَيَقُولُ : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : 19 ] أَوْ كَمَا قَالَ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُنَادِي بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ . 6497 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَامٌ قَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ يَطُوفُ ، إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا ابْنَ عُمَرَ ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ - مَرَّتَيْنِ - حَتَّى إِذَا بَلَّغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ . قَالَ : فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ - أَوْ : كِتَابَهُ - بِيَمِينِهِ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادِي بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ .
[ سُورَةُ هُودٍ : 18 ] . أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ تَعْرِيفِهِ إِيَّاهُ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ ، حَتَّى يُعَرِّفَهُ تَفَضُّلَهُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ لَهُ عَنْهَا . فَكَذَلِكَ فِعْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فِي مُحَاسَبَتِهِ إِيَّاهُ بِمَا أَبْدَاهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبِمَا أَخْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُ كُلَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ تَفَضُّلَهُ وَتَكَرُّمَهُ عَلَيْهِ ، فَيَسْتُرُهُ عَلَيْهِ .
وَذَلِكَ هُوَ الْمَغْفِرَةُ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ إِلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ أَنْفُسُهُمْ مِنْ ذَنْبٍ ، وَلَا مُثَابِينَ إِلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ مِنْ خَيْرٍ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِهِ ، أَوْ تَرْكِ مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَا مَعْنَى وَعِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِيَّانَا عَلَى مَا أَخْفَتْهُ أَنْفُسُنَا بِقَوْلِهِ : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ إِنْ كَانَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ، وَمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبُنَا وَأَخْفَتْهُ أَنْفُسُنَا - : مَنْ هَمٍّ بِذَنْبٍ ، أَوْ إِرَادَةٍ لِمَعْصِيَةٍ - لَمْ تَكْتَسِبْهُ جَوَارِحُنَا ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَدْ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ لَهُمْ عَمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا هَمَّ بِهِ أَحَدُهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَفْعَلْهُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَعْدِهِ إِيَّاهُمُ الْعَفْوَ عَنْ صَغَائِرِ ذُنُوبِهِمْ إِذَا هُمُ اجْتَنَبُوا كَبَائِرَهَا ، وَإِنَّمَا الْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نُفُوسُ الَّذِينَ كَانَتْ أَنْفُسُهُمْ تُخْفِي الشَّكَّ فِي اللَّهِ ، وَالْمِرْيَةَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ ، أَوْ فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَوْ فِي الْمَعَادِ وَالْبَعْثِ - مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمَا إِنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ عَلَى الشَّكِّ وَالْيَقِينِ .
غَيْرَ أَنَا نَقُولُ إِنَّ الْمُتَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ هُوَ مَنْ كَانَ إِخْفَاءُ نَفْسِهِ مَا تُخْفِيهِ الشَّكَّ وَالْمِرْيَةَ فِي اللَّهِ ، وَفِيمَا يَكُونُ الشَّكُّ فِيهِ بِاللَّهِ كُفْرًا وَالْمَوْعُودُ الْغُفْرَانُ بِقَوْلِهِ : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ هُوَ الَّذِي إِخْفَاءُ مَا يُخْفِيهِ الْهِمَّةَ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى بَعْضِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاءً تَحْلِيلُهُ وَإِبَاحَتُهُ ، فَحَرَّمَهُ عَلَى خَلْقِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَوْ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ ، مِمَّا كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاءً إِبَاحَةُ تَرْكِهِ ، فَأَوْجَبَ فِعْلَهُ عَلَى خَلْقِهِ . فَإِنَّ الَّذِي يَهُمُّ بِذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - إِذَا هُوَ لَمْ يُصَحِّحُ هَمَّهُ بِمَا يَهُمُّ بِهِ ، وَيُحَقِّقُ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ - لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا بِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : 6498 - مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ . فَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ اللَّهُ بِهِ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ ، ثُمَّ لَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ .
فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ شَكًّا فِي اللَّهِ وَارْتِيَابًا فِي نُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ ، فَذَلِكَ هُوَ الْهَالِكُ الْمُخَلَّدُ فِي النَّارِ الَّذِي أَوْعَدَهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بِقَوْلِهِ : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَا : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَتُظْهِرُوهُ أَوْ تُخْفُوهُ فَتَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُكُمْ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيُعَرِّفُ مُؤْمِنَكُمْ تَفَضُّلَهُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ وَمَغْفِرَتِهِ لَهُ فَيَغْفِرُهُ لَهُ ، وَيُعَذِّبُ مُنَافِقَكُمْ عَلَى الشَّكِّ الَّذِي انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِهِ وَنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى الْعَفْوِ عَمَّا أَخْفَتْهُ نَفْسُ هَذَا الْمُؤْمِنِ مِنَ الْهِمَّةِ بِالْخَطِيئَةِ ، وَعَلَى عِقَابِ هَذَا الْكَافِرِ عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الشَّكِّ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ ، وَمُجَازَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ مَا كَانَ مِنْهُ ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ قَادِرٌ .