الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذَلِكَ : وَأَنْزَلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَحْزَابُ وَأَهْلُ الْمِلَلِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْفُرْقَانَ إِنَّمَا هُوَ الْفُعْلَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ : فَرَقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَصَلَ بَيْنِهِمَا بِنَصْرِهِ الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ ، إِمَّا بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ ، وَإِمَّا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِالْأَيْدِ وَالْقُوَّةِ . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَبَعْضَهُمْ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ ، أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَأَنَّ يَكُونَ مَعْنَى الْفُرْقَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَصْلَ اللَّهِ بَيْنَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي أَمْرِ عِيسَى ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ ، بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ وَعُذْرَ نُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ الْقُرْآنَ - قَبْلَ إِخْبَارِهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - قَدْ مَضَى بِقَوْلِهِ : نَـزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ الْقُرْآنُ لَا غَيْرُهُ ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَكْرِيرِهِ ، لَيْسَتْ فِي ذِكْرِهِ إِيَّاهُ وَخَبَرِهِ عَنْهُ ابْتِدَاءً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 4 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا أَعْلَامَ اللَّهِ وَأَدِلَّتَهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ لَهُ ، وَاتَّخَذُوا الْمَسِيحَ إِلَهًا وَرَبًّا أَوِ ادَّعَوْهُ لِلَّهِ وَلَدًا لَهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ شَدِيدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا آيَاتِ اللَّهِ وَ آيَاتُ اللَّهِ أَعْلَامُ اللَّهِ وَأَدِلَّتُهُ وَحُجَجُهُ . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ الْفَصْلُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَعْنِي : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا ذَلِكَ الْفَصْلَ وَالْفُرْقَانَ الَّذِي أَنْزَلَهُ فَرْقًا بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ عَانَدَ الْحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ ، وَخَالَفَ سَبِيلَ الْهُدَى بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَزِيزٌ فِي سُلْطَانِهِ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِمَّنْ أَرَادَ عَذَابَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَانِدَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَأَنَّهُ ذُو انْتِقَامٍ مِمَنْ جَحَدَ حُجَجَهُ وَأَدِلَّتَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا عَلَيْهِ ، وَبَعْدَ وُضُوحِهَا لَهُ وَمَعْرِفَتِهِ بِهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6564 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أَيْ إِنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا . 6565 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .
.