الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِمْ : آمَنَّا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ كِتَابِ رَبِّنَا ، كُلِّ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا : يَا رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ عَمَّا تُرِكَ ذِكْرُهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَاغْفِرْ لَنَا يَوْمَئِذٍ وَاعْفُ عَنَّا ، فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ وَعْدَكَ : أَنَّ مَنْ آمَنَ بِكَ ، وَاتَّبَعَ رَسُولَكَ ، وَعَمِلَ بِالَّذِي أَمَرْتَهُ بِهِ فِي كِتَابِكَ ، أَنَّكَ غَافِرُهُ يَوْمَئِذٍ .
وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ الْقَوْمِ مَسْأَلَةُ رَبِّهُمْ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ بَصِيرَتِهِمْ ، بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ تَنْزِيلِهِ ، حَتَّى يَقْبِضَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَجَبَتْ لَهُمُ الْجَنَّةُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَعَدَ مِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ . فَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهَا مِنَ الْقَوْمِ مَسْأَلَةٌ وَدُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ إِلَى رَبِّهِمْ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ فَإِنَّهُ : لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لِيَوْمٍ فِي يَوْمٍ . وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَهُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ فِي مَوْقِفٍ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ .
وَالْمِيعَادُ الْمِفْعَالُ مِنَ الْوَعْدِ .