الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ وَالْمُحْكَمُ مِنْ آيِهِ مِنْ تَنْزِيلِ رَبِّنَا وَوَحْيِهِ . وَيَقُولُونَ أَيْضًا : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ رَغْبَةً مِنْهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ فِي أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ مَا ابْتَلَى بِهِ الَّذِينَ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ اتِّبَاعٍ مُتَشَابِهِ آيِ الْقُرْآنِ ، ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ : يَا رَبَّنَا ، لَا تَجْعَلْنَا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْحَقِّ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِكَ لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا لَا تَمِلْهَا فَتَصْرِفْهَا عَنْ هُدَاكَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا لَهُ ، فَوَفَّقْتَنَا لِلْإِيمَانِ بِمُحْكَمِ كِتَابِكَ وَمُتَشَابِهِهِ وَهَبْ لَنَا يَا رَبَّنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً يَعْنِي : مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً ، يَعْنِي بِذَلِكَ : هَبْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ تَوْفِيقًا وَثَبَاتًا لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِمُحْكَمِ كِتَابِكَ وَمُتَشَابِهِهِ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ يَعْنِي : إِنَّكَ أَنْتَ الْمُعْطِي عِبَادَكَ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ لِلثَّبَاتِ عَلَى دِينِكَ ، وَتَصْدِيقِ كِتَابِكَ وَرُسُلِكَ ، كَمَا : - 6649 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا أَيْ : لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي مَدْحِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِمَا مَدَحَهُمْ بِهِ مِنْ رَغْبَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ ، وَأَنْ يُعْطِيَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ مَعُونَةً لَهُمْ لِلثَّبَاتِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ الْبَصِيرَةِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مَا أَبَانَ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ : أَنَّ إِزَاغَةَ اللَّهِ قَلْبَ مَنْ أَزَاغَ قَلْبَهُ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ طَاعَتِهِ وَإِمَالَتَهُ لَهُ عَنْهَا جَوْرٌ .
لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا ، لَكَانَ الَّذِينَ قَالُوا : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا بِالذَّمِّ أَوْلَى مِنْهُمْ بِالْمَدْحِ . لِأَنَّ الْقَوْلَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا ، لَكَانَ الْقَوْمُ إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ بِمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ أَنْ لَا يَظْلِمَهُمْ وَلَا يَجُورَ عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ مِنَ السَّائِلِ جَهْلٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَا يَظْلِمُ عِبَادَهُ وَلَا يَجُورُ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ أَعْلَمَ عِبَادَهُ ذَلِكَ وَنَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ : وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 46 ] . وَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَتِهِ أَنْ يَكُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي قَدْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهَا . وَفِي فَسَادِ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِزَاغَةُ مَنْ أَزَاغَ قَلْبَهُ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ طَاعَتِهِ ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ لَا يُزِيغَهُ ، لِتَوْجِيهِهِ الرَّغْبَةَ إِلَى أَهْلِهَا ، وَوَضْعِهِ مَسْأَلَتَهُ مَوْضِعَهَا ، مَعَ تَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَغْبَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي ذَلِكَ ، مَعَ مَحَلِّهِ مِنْهُ وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ .
قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تُعَلِّمَنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي ؟ قَالَ : بَلَى; قَوْلِي : اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي ، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ . 6653 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ . فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ : يُخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ؟ ! قَالَ : إِنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يَقُولُ بِهِمَا هَكَذَا وَحَرَّكَ أَبُو أَحْمَدَ إِصْبَعَيْهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّ الطُّوسِيَّ وَسَقٌ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ .
6654 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُنْسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا يَقُولُ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ آمَنَّا بِكَ ، وَصَدَّقْنَا بِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَيُخَافُ عَلَيْنَا ؟ ! قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعَ اللَّهِ ، يُقَلِّبُهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى . 6655 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ بِشْرٍ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ : إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ - وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 6656 - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ الْبَهْرَانِيَّ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ فَاتِكٍ الْأَسَدِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْمَوَازِينُ بِيَدِ اللَّهِ ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ أَقْوَامًا ، وَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، إِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ ، وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ . 6657 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ .
ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ . 6658 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَحَدِّثُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ . قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتُقَلَّبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ بَشَرٌ إِلَّا إِنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعَ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ .