الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِنَّ اللَّهَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ يَعْنِي بِ الْكِتَابِ الْقُرْآنَ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ فِيمَا مَضَى عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمِّيَ الْقُرْآنُ كِتَابًا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنَ الْكِتَابِ آيَاتٌ .
يَعْنِي بِ الْآيَاتِ آيَاتِ الْقُرْآنِ . وَأَمَّا الْمُحْكَمَاتُ فَإِنَّهُنَّ اللَّوَاتِي قَدْ أُحْكِمْنَ بِالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ ، وَأَثْبَتَتْ حُجَجُهُنَّ وَأَدِلَّتُهُنَّ عَلَى مَا جُعِلْنَ أَدِلَّةً عَلَيْهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ ، وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ ، وَثَوَابٍ وَعِقَابٍ ، وَأَمْرٍ وَزَجْرٍ ، وَخَبَرٍ وَمَثَلٍ ، وَعِظَةٍ وَعِبَرٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . ثُمَّ وَصَفَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ بِأَنَّهُنَّ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ .
يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُنَّ أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ عِمَادُ الدِّينِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ ، وَسَائِرِ مَا بِالْخَلْقِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ ، وَمَا كُلِّفُوا مِنَ الْفَرَائِضِ فِي عَاجِلِهِمْ وَآجِلِهِمْ . وَإِنَّمَا سَمَّاهُنَّ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُنَّ مُعْظَمُ الْكِتَابِ ، وَمَوْضِعُ مَفْزَعِ أَهْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ، تُسَمِّي الْجَامِعَ مُعْظَمَ الشَّيْءِ أُمًّا لَهُ . فَتُسَمِّي رَايَةَ الْقَوْمِ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ فِي الْعَسَاكِرِ : أُمَّهُمْ وَالْمُدَبِّرَ مُعْظَمِ أَمْرِ الْقَرْيَةِ وَالْبَلْدَةِ أُمَّهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَوَحَّدَ أُمَّ الْكِتَابِ وَلَمْ يَجْمَعْ فَيَقُولُ : هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ ، وَقَدْ قَالَ : هُنَّ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ لَا أَنْ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ . وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ لَكَانَ لَا شَكَّ قَدْ قِيلَ : هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ .
وَنَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَوْحِيدِ الْأُمِّ وَهِيَ خَبَرٌ لِ هُنَّ قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 50 ] وَلَمْ يَقُلْ : آيَتَيْنِ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا جَمِيعَهُمَا آيَةً . إِذْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا فِيمَا جُعِلَا فِيهِ لِلْخَلْقِ عِبْرَةً . وَلَوْ كَانَ مُرَادًا الْخَبَرُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ ، بِأَنَّهُ جُعِلَ لِلْخَلْقِ عِبْرَةً ، لَقِيلَ : وَجَعَلَنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهِ آيَتَيْنِ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُمْ عِبْرَةٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ رَجُلٍ ، وَنَطَقَ ابْنُهَا فَتَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، فَكَانَ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلنَّاسِ آيَةٌ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةَ : إِنَّمَا قِيلَ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ : هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : مَا لِي أَنْصَارٌ فَتَقُولُ : أَنَا أَنْصَارُكَ أَوْ : مَا لِي نَظِيرٌ فَتَقُولُ : نَحْنُ نَظِيرُكَ . قَالَ : وَهُوَ شَبِيهُ : دَعْنِي مِنْ تَمْرَتَانِ وَأُنْشِدَ لِرَجُلٍ مِنْ فَقَعْسَ : تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانِ حَلِّ تَعرُّضَ الْمُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لَمْ تَأْلُ عَنْ قَتْلًا لِي حَلِّ أَيْ : يَحِلُّ بِهِ .
عَلَى الْحِكَايَةِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَنْصُوبًا قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا يَقُولُ : نُودِيَ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ يَحْكِي قَوْلَ الْقَائِلِ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ . وَقَالَ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا هِيَ : أَنْ قَتَلًا لِي وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ عَيْنًا لِأَنَّ أَنْ فِي لُغَتِهِ تُجْعَلُ مَوْضِعُهَا عَنْ وَالنَّصْبُ عَلَى الْأَمْرِ ، كَأَنَّكَ قُلْتَ : ضَرْبًا لِزَيْدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ .
لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي اسْتَشْهَدَهَا ، لَا شَكَّ أَنَّهُنَّ حِكَايَاتُ حَاكِيهِنَّ ، بِمَا حَكَى عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ وَأَلْفَاظِهِ الَّتِي نَطَقَ بِهِنَّ وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ قَوْلَهُ : أُمُّ الْكِتَابِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : أَخْرَجَ ذَلِكَ مُخْرَجَ الْحِكَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأُخَرُ فَإِنَّهَا جَمْعُ أُخْرَى . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يَصْرِفْ أُخَرُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَصْرِفْ أُخَرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا نَعْتٌ ، وَاحِدَتُهَا أُخْرَى كَمَا لَمْ تُصْرَفْ جُمَعُ وَ كُتَعُ لِأَنَّهُنَّ نُعُوتٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا لَمْ تُصْرَفِ الْأُخَرُ لِزِيَادَةِ الْيَاءِ الَّتِي فِي وَاحِدَتِهَا ، وَأَنَّ جَمْعَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَاحِدِهَا فِي تَرْكِ الصَّرْفِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا تُرِكَ صَرَفُ أُخْرَى كَمَا تُرِكَ صَرْفُ حَمْرَاءَ وَ بَيْضَاءَ فِي النَّكِرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ لِزِيَادَةِ الْمَدَّةِ فِيهَا وَالْهَمْزَةِ بِالْوَاوِ .
ثُمَّ افْتَرَقَ جُمَعُ حَمْرَاءَ وَ أُخْرَى فَبُنِيَ جُمْعُ أُخْرَى عَلَى وَاحِدَتِهِ فَقِيلَ : فُعَلُ وَ أُخَرُ فَتُرِكَ صَرْفَهَا كَمَا تُرِكَ صَرْفُ أُخْرَى وَبُنِيَ جَمْعُ حَمْرَاءَ وَ بَيْضَاءَ عَلَى خِلَافِ وَاحِدَتِهِ فَصُرِفَ ، فَقِيلَ : حُمُرٌ وَ بِيضٌ فَلِاخْتِلَافِ حَالَتِهِمَا فِي الْجَمْعِ ، اخْتَلَفَ إِعْرَابُهُمَا عِنْدَهُمْ فِي الصَّرْفِ . وَلِاتِّفَاقِ حَالَتَيْهِمَا فِي الْوَاحِدَةِ ، اتَّفَقَتْ حَالَتَاهُمَا فِيهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُتَشَابِهَاتٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَاتٌ فِي التِّلَاوَةِ ، مُخْتَلِفَاتٌ فِي الْمَعْنَى ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 25 ] ، يَعْنِي فِي الْمَنْظَرِ ، مُخْتَلِفًا فِي الْمَطْعَمِ وَكَمَا قَالَ مُخْبِرًا عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 70 ] ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ : تَشَابَهَ عَلَيْنَا فِي الصِّفَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : إِنَّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْقُرْآنَ ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ بِالْبَيَانِ ، هُنَّ أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي عَلَيْهِ عِمَادُكَ وَعِمَادُ أُمَّتِكَ فِي الدِّينِ ، وَإِلَيْهِ مَفْزَعُكَ وَمَفْزَعُهُمْ فِيمَا افْتَرَضْتَ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَآيَاتٍ أُخَرُ هُنَّ مُتَشَابِهَاتٌ فِي التِّلَاوَةِ مُخْتَلِفَاتٌ فِي الْمَعَانِي . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ وَمَا الْمُحْكَمُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ ، وَمَا الْمُتَشَابِهُ مِنْهُ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، الْمَعْمُولُ بِهِنَّ ، وَهُنَّ النَّاسِخَاتُ أَوِ الْمُثْبِتَاتُ الْأَحْكَامَ وَالْمُتَشَابِهَاتُ مِنْ آيِهِ الْمَتْرُوكُ الْعَمَلُ بِهِنَّ الْمَنْسُوخَاتُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6573 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ قَالَ : هِيَ الثَّلَاثُ الْآيَاتُ مِنْ هَاهُنَا : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 151 ، 152 ] ، إِلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ ، وَالَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 23 - 39 ] ، إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ .
6574 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتُ : نَاسِخُهُ ، وَحَلَالُهُ ، وَحَرَامُهُ ، وَحُدُودُهُ وَفَرَائِضُهُ ، وَمَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ قَالَ : وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ وَالْمُتَشَابِهَاتُ : مَنْسُوخُهُ ، وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ ، وَأَمْثَالُهُ وَأَقْسَامُهُ ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ . 6575 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَى وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ فَالْمُحْكَمَاتُ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْكِتَابِ : النَّاسِخُ الَّذِي يُدَانُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ . وَالْمُتَشَابِهَاتُ ، هُنَّ الْمَنْسُوخَاتُ الَّتِي لَا يُدَانُ بِهِنَّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ : مَا أَحْكَمَ اللَّهُ فِيهِ بَيَانَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهَا : مَا أَشْبَهَ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْمَعَانِي ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6585 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ مُتَشَابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 26 ] ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ : كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 125 ] ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [ سُورَةُ مُحَمَّدٍ : 17 ] . 6586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ : مَا لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهَا : مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6587 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ ، لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعَتْ عَلَيْهِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فِي الصِّدْقِ ، لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، لَا يُصَرَّفْنَ إِلَى الْبَاطِلِ وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنِ الْحَقِّ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْمُحْكَمِ : مَا أَحْكَمَ اللَّهَ فِيهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، وَقَصَصِ الْأُمَمِ وَرُسُلِهِمِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ ، فَفَصَّلَهُ بِبَيَانِ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا اشْتَبَهَتِ الْأَلْفَاظُ بِهِ مِنْ قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَّكْرِيرِ فِي السُّورِ ، بِقَصِّهِ بِاتِّفَاقِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ الْمَعَانِي ، وَبِقَصِّهِ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَاتِّفَاقِ الْمَعَانِي .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6588 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَرَأَ : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [ سُورَةُ هُودٍ : 1 ] ، قَالَ : وَذَكَرَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْهَا : وَحَدِيثَ نُوحٍ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْهَا . ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [ سُورَةُ هُودٍ : 49 ] ، ثُمَّ ذَكَرَ ( وَإِلَى عَادٍ ) ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ مَضَى . ثُمَّ ذَكَرَ صَالِحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَفَرَغَ مِنْ ذَلِكَ .
وَهَذَا تَبْيِينُ ذَلِكَ ، تَبْيِينُ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ قَالَ : وَالْمُتَشَابِهُ ذِكْرُ مُوسَى فِي أَمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ ، وَهُوَ مُتَشَابِهٌ ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ . وَمُتَشَابِهُ : ( فَاسْلُكْ فِيهَا ) ( احْمِلْ فِيهَا ) ، ( اسْلُكْ يَدَكَ ) ( أَدْخِلْ يَدَكَ ) ، ( حَيَّةٌ تَسْعَى ) ( ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ هُودًا فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنْهَا ، وَصَالِحًا فِي ثَمَانِي آيَاتٍ مِنْهَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي ثَمَانِي آيَاتٍ أُخْرَى ، وَلُوطًا فِي ثَمَانِي آيَاتٍ مِنْهَا ، وَشُعَيْبًا فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً ، وَمُوسَى فِي أَرْبَعِ آيَاتٍ ، كُلُّ هَذَا يَقْضِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ قَوْمِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، فَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى مِائَةِ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ هُودٍ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ [ سُورَةُ هُودٍ : 100 ] . وَقَالَ فِي الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ : مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ الْبَلَاءَ وَالضَّلَالَةَ يَقُولُ : مَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا ؟ وَمَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا ؟ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُحْكَمُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ : مَا عَرَفَ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَهُ ، وَفَهِمُوا مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرَهُ وَ الْمُتَشَابِهُ : مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ ، مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، وَذَلِكَ نَحْوَ الْخَبَرِ عَنْ وَقْتِ مَخْرَجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَقِيَامِ السَّاعَةِ ، وَفَنَاءِ الدُّنْيَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ .
وَقَالُوا : إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ الْمُتَشَابِهَ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ بَعْضِ سُوَرِ الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ الم وَ المص وَ المر وَ الر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُنَّ مُتَشَابِهَاتٌ فِي الْأَلْفَاظِ ، وَمُوَافِقَاتٌ حُرُوفَ حِسَابِ الْجُمَّلِ . وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَمِعُوا أَنْ يُدْرِكُوا مِنْ قِبَلِهَا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، وَيَعْلَمُوا نِهَايَةَ أُكْلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ ، فَأَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَتَهُمْ بِذَلِكَ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَا ابْتَغَوْا عِلْمَهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ لَا يُدْرِكُونَهُ وَلَا مِنْ قِبَلِ غَيْرِهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَوْلٌ ذُكِرَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ نَحْوَ مَقَالَتِهِ ، فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 2 ] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ .
وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَكُلُّ مَا فِيهِ بِخَلْقِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا بِهِمْ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ الْغِنَى [ وَإِنِ اضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ ] وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 158 ] ، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عِبَادَهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ ، هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا . فَالَّذِي كَانَتْ بِالْعِبَادِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ مِنْهُمْ بِوَقْتِ نَفْعِ التَّوْبَةِ بِصِفَتِهِ ، بِغَيْرِ تَحْدِيدِهِ بِعَدَدِ السِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ .
فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمْ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ، وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفَسَّرًا . وَالَّذِي لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ مِنْهُ ، هُوَ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوَقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الْآيَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا . وَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، فَحَجَبَهُ عَنْهُمْ .
وَذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ ، هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي طَلَبَتِ الْيَهُودُ مَعْرِفَتَهُ فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ : الم وَ المص وَ الر وَ المر وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . فَإِذْ كَانَ الْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا وَصَفَنَا ، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ فَمُحْكَمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْكَمًا بِأَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَا تَأْوِيلَ لَهُ غَيْرَ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ ، وَقَدِ اسْتَغْنَى بِسَمَاعِهِ عَنْ بَيَانٍ يُبَيِّنُهُ أَوْ يَكُونُ مُحْكَمًا ، وَإِنْ كَانَ ذَا وُجُوهٍ وَتَأْوِيلَاتٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ . فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ ، إِمَّا مِنْ بَيَانِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْهُ ، أَوْ بَيَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ .
وَلَنْ يَذْهَبَ عِلْمُ ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ فِيهِ . وَنَحْنُ ذَاكِرُو اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ هُنَّ اللَّائِي فِيهِنَّ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ ، نَحْوَ قَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6589 - حَدَّثَنَا عُمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ . قَالَ يَحْيَى : هُنَّ اللَّاتِي فِيهِنَّ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَعِمَادُ الدِّينِ وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ : أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ ، وَأُمُّ خُرَاسَانَ مَرْوُ ، وَأُمُّ الْمُسَافِرِينَ الَّذِي يَجْعَلُونَ إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ ، وَيُعْنَى بِهِمْ فِي سَفَرِهِمْ ، قَالَ : فَذَاكَ أُمُّهُمْ .
6590 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ قَالَ : هُنَّ جِمَاعِ الْكِتَابِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَعْنِي بِذَلِكَ فَوَاتِحَ السُّوَرِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَخْرَجُ الْقُرْآنُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6591 - حَدَّثَنَا عُمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ قَالَ : أُمُّ الْكِتَابِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ ، مِنْهَا يَسْتَخْرِجُ الْقُرْآنُ - الم ذَلِكَ الْكِتَابُ ، مِنْهَا اسْتُخْرِجَتِ الْبَقَرَةُ وَ الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ مِنْهَا اسْتُخْرِجَتْ آلُ عِمْرَانَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ وَانْحِرَافٌ عَنْهُ . يُقَالُ مِنْهُ : زَاغَ فُلَانٌ عَنِ الْحَقِّ ، فَهُوَ يَزِيغُ عَنْهُ زَيْغًا وَزَيَغَانًا وَزَيْغُوغَةٌ وَزُيُوغًا وَ أَزَاغَهُ اللَّهُ - إِذَا أَمَالَهُ - فَهُوَ يُزِيغُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 8 ] . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ : - ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6592 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أَيْ : مَيْلٌ عَنِ الْهُدَى .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ الْوَفْدُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَاجُّوهُ بِمَا حَاجُّوهُ بِهِ ، وَخَاصَمُوهُ بِأَنْ قَالُوا : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ؟ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6602 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : عَمَدُوا - يَعْنِي الْوَفْدُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ - فَخَاصَمُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ ؟ قَالَ : بَلَى ! قَالُوا : فَحَسْبُنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنْزَلَ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 59 ] ، الْآيَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ ، وَأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ، وَالنَّفَرِ الَّذِينَ نَاظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَدْرِ مُدَّةِ أُكْلِهِ وَأُكْلِ أُمَّتِهِ ، وَأَرَادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ : الم وَ المص وَ المر وَ الر فَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِيهِمْ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ - يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ مَائِلَةٌ عَنِ الْهُدَى وَالْحَقِّ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ يَعْنِي : مَعَانِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُحْتَمَلَةِ التَّصْرِيفَ فِي الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ التَّأْوِيلَاتِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِذَلِكَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ فِي دِينِهِ بِدْعَةً مُخَالِفَةً لِمَا ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَأْوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ مِنْ بَعْضِ آيِ الْقُرْآنِ الْمُحْتَمَلَةِ التَّأْوِيلَاتِ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَحْكَمَ بَيَانَ ذَلِكَ ، إِمَّا فِي كِتَابِهِ وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6603 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ قَالَ : إِنْ لَمْ يَكُونُوا الْحَرُورِيَّةَ وَالسَّبَائِيَّةَ ، فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ ! وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ خَبَرٌ لِمَنِ اسْتَخْبَرَ ، وَعِبْرَةٌ لِمَنِ اسْتَعْبَرَ ، لِمَنْ كَانَ يَعْقِلُ أَوْ يُبْصِرُ .
إِنَّ الْخَوَارِجَ خَرَجُوا وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ بِالْمَدِينَةِ وَالشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ ، وَأَزْوَاجُهُ يَوْمَئِذٍ أَحْيَاءٌ . وَاللَّهِ إِنْ خَرَجَ مِنْهُمْ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى حَرُورِيًّا قِطُّ ، وَلَا رَضُوا الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا مَالَئُوهُمْ فِيهِ ، بَلْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ بِعَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُمْ وَنَعْتِهِ الَّذِي نَعَتَهُمْ بِهِ ، وَكَانُوا يُبْغِضُونَهُمْ بِقُلُوبِهِمْ ، وَيُعَادُونَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَتَشْتَدُّ وَاللَّهِ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ إِذَا لَقُوهُمْ . وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَ أَمْرُ الْخَوَارِجِ هُدًى لَاجْتَمَعَ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا فَتَفَرَّقَ .
وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ إِذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ وَجَدْتَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . فَقَدَ أَلَاصُوا هَذَا الْأَمْرَ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ . فَهَلْ أَفْلَحُوا فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَنْجَحُوا ؟ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ؟ كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُ آخِرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِأَوَّلِهِمْ ؟ لَوْ كَانُوا عَلَى هُدًى ، قَدْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَأَفْلَجَهُ وَنَصَرَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ أَكْذَبَهُ اللَّهُ وَأَدْحَضَهُ .
فَهُمْ كَمَا رَأَيْتَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ لَهُمْ قَرْنٌ أَدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُمْ ، وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَهُمْ ، وَأَهْرَاقَ دِمَاءَهُمْ . إِنْ كَتَمُوا كَانَ قَرْحًا فِي قُلُوبِهِمْ ، وَغَمًّا عَلَيْهِمْ . وَإِنْ أَظْهَرُوهُ أَهْرَاقَ اللَّهُ دِمَاءَهُمْ .
ذَاكُمْ وَاللَّهِ دِينُ سَوْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ . وَاللَّهِ إِنَّ الْيَهُودِيَّةَ لِبِدْعَةٌ ، وَإِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ لِبِدْعَةٌ ، وَإِنَّ الْحَرُورِيَّةَ لِبِدْعَةٌ ، وَإِنَّ السَّبَائِيَّةَ لِبِدْعَةٌ ، مَا نَزَلَ بِهِنَّ كِتَابٌ وَلَا سَنَّهُنَّ نَبِيٌّ . 6604 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ طَلَبَ الْقَوْمُ التَّأْوِيلَ فَأَخْطَئُوا التَّأْوِيلَ وَأَصَابُوا الْفِتْنَةَ ، فَاتَّبَعُوا مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ، فَهَلَكُوا مِنْ ذَلِكَ .
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ الَّذِي شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْهُ . 6605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَى قَوْلِهِ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ فَقَالَ : فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ . 6606 - حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَرَأَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَى وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ - أَوْ قَالَ : يَتَجَادَلُونَ فِيهِ - فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ ، فَاحْذَرْهُمْ قَالَ مَطَرٌ عَنْ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ : فَلَا تُجَالِسُوهُمْ ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُتَشَابِهِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، إِمَّا فِي أَمْرِ عِيسَى ، وَإِمَّا فِي مُدَّةِ أُكْلِهِ وَأُكْلِ أُمَّتِهِ . وَهُوَ بِأَنْ تَكُونَ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُتَشَابِهِهِ فِي مُدَّتِهِ وَمُدَّةِ أُمَّتِهِ أَشْبَهُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَرَادُوا عِلْمَهَا مِنْ قِبَلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . فَأَمَّا أَمْرُ عِيسَى وَأَسْبَابُهُ ، فَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتَهُ ، وَبَيَّنَهُ لَهُمْ .
فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ إِلَّا مَا كَانَ خَفِيًّا عَنِ الْآجَالِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : ابْتِغَاءُ الشِّرْكِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6616 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ قَالَ : إِرَادَةُ الشِّرْكِ . 6617 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ يَعْنِي الشِّرْكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ابْتِغَاءَ الشُّبُهَاتِ .
قَالَ : وَالشُّبُهَاتُ مَا أُهْلِكُوا بِهِ . 6621 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيِ اللَّبْسِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : إِرَادَةُ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ هَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ وَحَيْفٌ عَنْهُ فَيَتَّبِعُونَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ مَا تَشَابَهَتْ أَلْفَاظُهُ ، وَاحْتَمَلَ صَرْفَ صَارَفِهِ فِي وُجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ - بِاحْتِمَالِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ - إِرَادَةَ اللَّبْسِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ قَلْبُهُ ، دُونَ الْحَقِّ الَّذِي أَبَانَهُ اللَّهُ فَأَوْضَحَهُ بِالْمُحْكَمَاتِ مِنْ آيِ كِتَابِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِيمَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، فَإِنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهَا كُلُّ مُبْتَدَعٍ فِي دِينِ اللَّهِ بِدْعَةً فَمَالَ قَلْبُهُ إِلَيْهَا ، تَأْوِيلًا مِنْهُ لِبَعْضٍ مُتَشَابِهِ آيِ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ حَاجَّ بِهِ وَجَادَلَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ ، وَعَدَلَ عَنِ الْوَاضِحِ مِنْ أَدِلَّةِ آيِهِ الْمُحْكَمَاتِ إِرَادَةً مِنْهُ بِذَلِكَ اللَّبْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَطَلَبًا لِعِلْمِ تَأْوِيلِ مَا تَشَابَهَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَأَيُّ أَصْنَافِ الْمُبْتَدَعَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ كَانَ أَوِ الْيَهُودِيَّةِ أَوِ الْمَجُوسِيَّةِ ، أَوْ كَانَ سَبَئِيًّا ، أَوْ حَرُورِيًّا ، أَوْ قَدَرِيًّا ، أَوْ جَهْمِيًّا ، كَالَّذِي قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ بِهِ ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ ، وَكَمَا : - 6622 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَذُكِرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجُ وَمَا يُلْفَوْنَ عِنْدَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ ، وَيَهْلَكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ ! وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا قُلْنَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ : ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ لِأَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِطَلَبِ تَأْوِيلِ مَا طَلَبُوا تَأْوِيلَهُ اللَّبْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالِاحْتِجَاجَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، لِيَصُدُّوهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، فَلَا مَعْنَى لِأَنَّ يُقَالَ : فَعَلُوا ذَلِكَ إِرَادَةَ الشِّرْكِ وَهُمْ قَدْ كَانُوا مُشْرِكِينَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى التَّأْوِيلِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : الْأَجَلُ الَّذِي أَرَادَتِ الْيَهُودُ أَنْ تَعْرِفَهُ مِنِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِ أُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ مِنْ حِسَابِ الْجُمَّلِ الم وَ المص وَ الر وَ المر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآجَالِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6623 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ يَعْنِي تَأْوِيلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : عَوَاقِبُ الْقُرْآنِ . وَقَالُوا : إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا مَتَى يَجِيءُ نَاسِخُ الْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - شَرَعَهَا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ مَجِيئِهِ ، فَنَسَخَ مَا قَدْ كَانَ شَرَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6624 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ - وَهُوَ عَوَاقِبُهُ - قَالَ اللَّهُ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَتَأْوِيلُهُ عَوَاقِبُهُ مَتَى يَأْتِي النَّاسِخُ مِنْهُ فَيَنْسَخُ الْمَنْسُوخَ ؟ وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِ مَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، يَتَأَوَّلُونَهُ - إِذْ كَانَ ذَا وُجُوهٍ وَتَصَارِيفَ فِي التَّأْوِيلَاتِ - عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ ، وَمَا رَكِبُوهُ مِنَ الضَّلَالَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6625 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنَ الضَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ خَلَقْنَا وَ قَضَيْنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ الَّذِي طَلَبَهُ الْقَوْمُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ هُوَ مَعْرِفَةُ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَالَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ أَنَّهُمْ طَلَبُوا وَأَرَادُوا مَعْرِفَةَ وَقْتٍ هُوَ جَاءٍ قَبْلَ مَجِيئِهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَإِنْ كَانَ السُّدِّيُّ قَدْ أَغْفَلَ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ صَرَفَهُ إِلَى حَصْرِهِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ الْقَوْمَ طَلَبُوا مَعْرِفَةَ وَقْتِ مَجِيءِ النَّاسِخِ لِمَا قَدْ أُحْكِمَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ طَلَبَ الْقَوْمِ مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ جَاءٍ قَبْلَ مَجِيئِهِ الْمَحْجُوبِ عِلْمُهُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ ، بِمُتَشَابِهِ آيِ الْقُرْآنِ - أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ قَبْلُ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : قَضَيْنَا فَعَلْنَا قَدْ عَلِمَ تَأْوِيلَهُ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِذَلِكَ : وَمَا يَعْلَمُ وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ ، إِلَّا اللَّهُ ، دُونَ مِنْ سِوَاهُ مِنَ الْبَشَرِ الَّذِينَ أَمَّلُوا إِدْرَاكَ عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْحِسَابِ وَالتَّنْجِيمِ وَالْكِهَانَةِ . وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَيَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا - لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ فَضْلَ عِلْمِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ ، الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالِمُ بِذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَهَلِ الرَّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، بِمَعْنَى إِيجَابِ الْعِلْمِ لَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ ، أَمْ هُمْ مُسْتَأْنَفٌ ذِكْرُهُمْ ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِالْمُتَشَابِهِ وَصَدَّقْنَا أَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا بِعِلْمِهِ . وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُمُ ابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِالْمُتَشَابِهِ وَالْمُحْكَمِ ، وَأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6626 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزِارٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَوْلَهُ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قَالَتْ : كَانَ مِنْ رُسُوخِهِمْ فِي الْعِلْمِ أَنْ آمَنُوا بِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَهُ .
6631 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ قَالَ : ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَلَيْسَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَرُسُوخِهِمْ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6632 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ .
6636 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الَّذِي أَرَادَ ، مَا أَرَادَ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ ، وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ مِنْ رَبٍّ وَاحِدٍ ؟ ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إِلَّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ ، فَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمُ الْكِتَابُ وَصَدَّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ ، وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلُ ، وَدُمِغَ بِهِ الْكُفْرُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَنْ قَالَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِالِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَيُجْعَلُ خَبَرُهُ : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ . وَأَمَّا فِي قَوْلِ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ ، فَبِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي يَقُولُونَ .
وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ : بِجُمْلَةِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، وَهِيَ : يَقُولُونَ . وَمَنْ قَالَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ ، وَزَعَمَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ، عَطَفَ بِ الرَّاسِخِينَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَرَفَعَهُمْ بِالْعَطْفِ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَرْفُوعُونَ بِجُمْلَةِ خَبَرِهِمْ بِعْدَهُمْ وَهُوَ : يَقُولُونَ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهُوَ فِيمَا بَلَغَنِي مَعَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : ( وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ .
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَإِنَّهُ التَّفْسِيرُ وَالْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ . وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بَيْتَ الْأَعْشَى : عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبَّهَا تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا وَأَصْلُهُ مِنْ : آلَ الشَّيْءُ إِلَى كَذَا - إِذَا صَارَ إِلَيْهِ وَرَجَعَ يَئُولُ أَوْلًا وَ أَوَّلْتُهُ أَنَا صَيَّرْتُهُ إِلَيْهِ .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ : وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 59 / سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 35 ] أَيْ جَزَاءً . وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزَاءَ هُوَ الَّذِي آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْقَوْمِ وَصَارَ إِلَيْهِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : تَأَوُّلُ حُبَّهَا : تَفْسِيرَ حُبِّهَا وَمَرْجِعَهُ .
وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ حُبَّهَا كَانَ صَغِيرًا فِي قَلْبِهِ ، فَآلَ مِنَ الصِّغَرِ إِلَى الْعِظَمِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَنْبُتُ حَتَّى أَصْحَبَ ، فَصَارَ قَدِيمًا ، كَالسَّقْبِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَشِبُّ حَتَّى أَصْحَبَ فَصَارَ كَبِيرًا مِثْلَ أُمِّهِ . وَقَدْ يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ : عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَوَابِعُ حُبِّهَا تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ قَدْ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ وَوَعَوْهُ فَحَفِظُوهُ حِفْظًا ، لَا يَدْخُلُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِمَا عَلِمُوهُ شَكٌّ وَلَا لَبْسٌ . وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ : رُسُوخِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ ثُبُوتُهُ وَوُلُوجُهُ فِيهِ .
يُقَالُ مِنْهُ : رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ ، فَهُوَ يَرْسَخُ رَسْخًا وَرُسُوخًا . وَقَدْ رُوِيَ فِي نَعْتِهِمْ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَا : - 6637 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا فَيَّاضُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ ؟ قَالَ : مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ ، وَاسْتَقَامَ بِهِ قَلْبُهُ ، وَعَفَّ بَطْنَهُ ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ . 6638 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فَيَّاضٌ الرَّقِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ قَالَ : وَكَانَ أَدْرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فَقَالَ : مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ ، وَاسْتَقَامَ بِهِ قَلْبُهُ ، وَعَفَّ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6639 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ، قَالَ : الرَّاسِخُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . 6640 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا .
6647 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْمَلُونَ بِهِ ، يَقُولُونَ : نَعْمَلُ بِالْمُحْكَمِ وَنُؤْمِنُ بِهِ ، وَنُؤْمِنُ بِالْمُتَشَابِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ كُلٌّ إِذَا أُضْمِرَ فِيهَا . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : إِنَّمَا جَازَ حَذْفُ الْمُرَادِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا الَّذِي الْكُلُّ إِلَيْهِ مُضَافٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لِأَنَّهَا اسْمٌ ، كَمَا قَالَ : ( إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ) [ سُورَةُ غَافِرٍ : 48 ] ، بِمَعْنَى : إِنَّا كُلُّنَا فِيهَا .
قَالَ : وَلَا يَكُونُ كُلٌّ مُضْمَرًا فِيهَا وَهِيَ صِفَةٌ ، لَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِالْقَوْمِ كُلٍّ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا مُضْمَرٌ إِذَا جَعَلْتَهَا اسْمًا . لَوْ كَانَ : إِنَّا كُلًّا فِيهَا عَلَى الصِّفَةِ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّ الْإِضْمَارَ فِيهَا ضَعِيفٌ لَا يَتَمَكَّنُ فِي كُلِّ مَكَانٍ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَرَى الْإِضْمَارَ فِيهَا وَهِيَ صِفَةٌ أَوِ اسْمٌ سَوَاءً .
لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْذَفَ مَا بَعْدَهَا عِنْدَهُ إِلَّا وَهِيَ كَافِيَةٌ بِنَفْسِهَا عَمَّا كَانَتْ تُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُضْمَرِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً مِنْهُ فِي حَالٍ ، وَلَا تَكُونُ كَافِيَةً فِي أُخْرَى . وَقَالَ : سَبِيلُ الْكُلِّ وَ الْبَعْضِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا بَعَدَهُمَا بِأَنْفُسِهِمَا وَكِفَايَتُهُمَا مِنْهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي كُلِّ حَالٍ ، صِفَةً كَانَتْ أَوِ اسْمًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى بِالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا مِمَّا حَذَفَ مِنْهَا فِي حَالٍ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهَا ، فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّهَا كُلَّمَا وُجِدَتْ دَالَّةً عَلَى مَا بَعْدَهَا فَهِيَ كَافِيَةٌ مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ( 7 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَمَا يَتَذَكَّرُ وَيَتَّعِظُ وَيَنْزَجِرُ عَنْ أَنْ يَقُولَ فِي مُتَشَابِهِ آيِ كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ إِلَّا أُولُو الْعُقُولِ وَالنُّهَى ، وَقَدْ : - 6648 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ يَقُولُ : وَمَا يَذَّكَرُ فِي مِثْلِ هَذَا يَعْنِي فِي رَدِّ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ إِلَى مَا قَدْ عَرَفَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمِ ، حَتَّى يَتَّسِقَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ .