الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ بَلَدِكَ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ يَعْنِي : عَلَامَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُ إِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ وَعِبْرَةٌ ، كَمَا : - 6673 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ عِبْرَةٌ وَتَفَكُّرٌ . 6674 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَمُتَفَكَّرٌ . فِي فِئَتَيْنِ يَعْنِي : فِي فِرْقَتَيْنِ وَحِزْبَيْنِ وَ الْفِئَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ .
الْتَقَتَا لِلْحَرْبِ ، وَإِحْدَى الْفِئَتَيْنِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِمَّنْ شَهِدَ وَقْعَةَ بَدْرٍ ، وَالْأُخْرَى مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمَاعَةٌ تُقَاتِلُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَعَلَى دِينِهِ ، وَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ، كَمَا : - 6675 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَدْرٍ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ فِئَةُ قُرَيْشٍ الْكَفَّارُ . 6676 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
6680 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ ، التَّقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَرُفِعَتْ : فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ قِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ : فِي فِئَتَيْنِ بِمَعْنَى : إِحْدَاهُمَا تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - عَلَى الِابْتِدَاءِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ وَرِجْلٌ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشُلَّتِ وَكَمَا قَالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ : فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٍ صَحِيحَةٍ وَرِجْلٍ بِهَا رَيْبٌ مِنَ الْحَدَثَانِ فَأَمَّا الَّتِي صَحَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ ، وَأَمَّا الَّتِي شُلَّتْ فَأَزْدُ عُمَانِ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ مُكَرَّرٍ عَلَى نَظِيرٍ لَهُ قَدْ تُقَدَّمُهُ ، إِذَا كَانَ مَعَ الْمُكَرَّرِ خَبَرٌ تَرُدُّهُ عَلَى إِعْرَابِ الْأَوَّلِ مَرَّةً ، وَتَسْتَأْنِفُهُ ثَانِيَةً بِالرَّفْعِ ، وَتَنْصِبُهُ فِي التَّامِّ مِنَ الْفِعْلِ وَالنَّاقِصِ ، وَقَدْ جُرَّ ذَلِكَ كُلُّهُ ، فَخُفِّضَ عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ ، كَأَنَّهُ يَعْنِي إِذَا خُفِّضَ ذَلِكَ : فَكُنْتُ كَذَلِكَ رِجْلَيْنِ : كَذِي رِجْلٍ صَحِيحَةٍ وَرِجْلٍ سَقِيمَةٍ . وَكَذَلِكَ الْخَفْضُ فِي قَوْلِهِ : فِئَةٌ جَائِزٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ : فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِي فِئَةٍ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ ، فَلَا أَسْتُجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَى خِلَافِهِ . وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : فِئَةٌ جَاءَ نَصْبًا ، كَانَ جَائِزًا أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ قَرَأَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( تَرَوْنَهُمْ ) بِالتَّاءِ ، بِمَعْنَى : قَدْ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْيَهُودُ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْأُخْرَى كَافِرَةٌ ، تَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ رَأْيَ الْعَيْنِ . يُرِيدُ بِذَلِكَ عِظَتَهَمْ ، يَقُولُ : إِنَّ لَكُمْ عِبْرَةً ، أَيُّهَا الْيَهُودُ ، فِيمَا رَأَيْتُمْ مِنْ قِلَّةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ ، وَظَفَرِ هَؤُلَاءِ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِهَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى : يَرَى الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجَمَاعَةَ الْكَافِرَةَ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَدْرِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قِرَاءَتِهِمْ : قَدْ كَانَ لَكُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، عِبْرَةٌ وَمُتَفَكَّرٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا : فِئَةٌ تَقَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ، يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ ؟ وَأَيُّ الْفِئَتَيْنِ رَأَتْ صَاحِبَتَهَا مِثْلَيْهَا ؟ الْفِئَةُ الْمُسْلِمَةُ هِيَ الَّتِي رَأَتِ الْمُشْرِكَةَ مِثْلَيْهَا ، أَمِ الْمُشْرِكَةُ هِيَ الَّتِي رَأَتِ الْمُسْلِمَةَ كَذَلِكَ ، أَمْ غَيْرُهُمَا رَأَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْفِئَةُ الَّتِي رَأَتِ الْأُخْرَى مِثْلَيْ أَنْفُسِهَا الْفِئَةُ الْمُسْلِمَةُ رَأَتْ عَدَدَ الْفِئَةِ الْمُشْرِكَةِ مِثْلَيْ عَدَدِ الْفِئَةِ الْمُسَلَّمَةِ ، قَلَّلَهَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي أَعْيُنِهَا حَتَّى رَأَتْهَا مِثْلَيْ عَدَدِ أَنْفُسِهَا ، ثُمَّ قَلَّلَهَا فِي حَالٍ أُخْرَى فَرَأَتْهَا مِثْلَ عَدَدِ أَنْفُسِهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6681 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قَالَ : هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : قَدْ نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَرَأَيْنَاهُمْ يُضْعَفُونَ عَلَيْنَا ، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْنَا رَجُلًا وَاحِدًا ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 44 ] فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا : إِحْدَاهُمَا مُسْلِمَةٌ وَالْأُخْرَى كَافِرَةٌ ، كَثِيرٌ عَدَدُ الْكَافِرَةِ ، قَلِيلٌ عَدَدُ الْمُسْلِمَةِ ، تَرَى الْفِئَةُ الْقَلِيلُ عَدَدُهَا الْكَثِيرَ عَدَدُهَا أَمْثَالًا أَنَّهَا إِنَّمَا تَكْثُرُ مِنَ الْعَدَدِ بِمِثْلِ وَاحِدٍ ، فَهُمْ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ . فَيَكُونُ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ : الْعَدَدُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ عَدَدِ الْفِئَةِ الَّتِي رَأَتْهُمْ ، وَالْمَثَلُ الْآخَرُ الضَّعْفُ الزَّائِدُ عَلَى عَدَدِهِمْ .
فَهَذَا أَحَدُ مَعْنَيَيِ التَّقْلِيلِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ . وَالْمَعْنَى الْآخَرُ مِنْهُ : التَّقْلِيلُ الثَّانِي ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَهُوَ أَنْ أَرَاهُمْ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ عَدَدِهِمْ ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ . فَذَلِكَ التَّقْلِيلُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : إِنَّ الَّذِينَ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ ، هُمُ الْمُسْلِمُونَ . غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْهُمْ عَلَى مَا كَانُوا بِهِ مِنْ عَدَدِهِمْ لَمْ يُقَلَّلُوا فِي أَعْيُنِهِمْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ . قَالُوا : وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلْيَهُودِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ عِبْرَةٌ ، يُخَوِّفُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِنْهُمْ مِثْلُ الَّذِي أَحَلَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ عَلَى أَيْدِيهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6682 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ أُنْزِلَتْ فِي التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عِزَّ وَجَلَّ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَسِتَّمِائَةٍ ، فَأَيَّدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ . فَكَانَ هَذَا الَّذِي فِي التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ خِلَافُ مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ عِدَّةِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ .
وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ عَدَدُهُمْ أَلْفًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا بَيْنَ التِّسْعِمَائَةِ إِلَى الْأَلْفِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ عَدَدُهُمْ أَلْفًا .
6683 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَدْرٍ ، فَسَبَقْنَا الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا ، فَوَجَدْنَا فِيهَا رَجُلَيْنِ ، مِنْهُمْ ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ . فَأَمَّا الْقُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ ، وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ ، فَجَعَلْنَا نَقُولُ : كَمِ الْقَوْمُ ؟ فَيَقُولُ : هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ ! فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : كَمِ الْقَوْمُ ؟ فَقَالَ : هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ ! فَجَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ ، فَأَبَى . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُ : كَمْ يَنْحَرُونَ مِنَ الْجُزُرِ ؟ قَالَ : عَشْرَةً كُلَّ يَوْمٍ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْقَوْمُ أَلْفٌ . 6684 - حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُوشَعَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ - يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقُلْنَا : كَمْ كُنْتُمْ ؟ قَالَ : أَلْفًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : كَانَ عَدَدُهُمْ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ : 6685 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : بَعْثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَأَصَابُوا رَاوِيَةً مِنْ قُرَيْشٍ : فِيهَا أَسْلَمُ ، غُلَامُ بَنِي الْحَجَّاجِ ، وَعَرِيضٌ أَبُو يَسَارِ غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ .
فَأَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا : كَمِ الْقَوْمُ ؟ قَالَا كَثِيرٌ ! قَالَ : مَا عُدَّتُهُمْ ؟ قَالَا لَا نَدْرِي ! قَالَ : كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ قَالَا يَوْمًا تِسْعًا ، وَيَوْمًا عَشْرًا . قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ . 6686 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ذَلِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَلْفٌ الْمُشْرِكُونَ أَوْ قَارَبُوا ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا مُخَالِفُونَ الْقَوْلَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ . فَإِذْ كَانَ مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ - مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ عَدَدَهُمْ كَانَ زَائِدًا عَلَى التِّسْعِمِائَةِ - [ صَحِيحًا ] ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قُلْنَاهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ عَدَدُ الْمُشْرِكِينَ زَائِدًا عَلَى التِّسْعِمِائَةِ ، فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ عَدَدَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا كَانُوا بِهِ مِنَ الْعَدَدِ .
وَقَالُوا : أَرَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ قَلِيلًا آيَةً لِلْمُسْلِمِينَ . قَالُوا : وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ . قَالُوا : وَهُمُ الْيَهُودُ ، غَيْرَ أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَحَسَنٌ أَنْ يُخَاطِبَ مَرَّةً ، وَيُخْبِرَ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مَرَّةً أُخْرَى ، كَمَا قَالَ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سُورَةُ يُونُسَ : 22 ] وَقَالُوا : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَكَيْفَ قِيلَ : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قُلْنَا لَهُمْ : كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ وَعِنْدَهُ عَبْدٌ : أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلِهِ فَأَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ وَإِلَى مِثْلِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ حَاجَتِهِ إِلَى مِثْلِهِ ، وَإِلَى مِثْلَيْ ذَلِكَ الْمِثْلِ .
وَكَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : مَعِي أَلْفٌ وَأَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْهِ . فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ثَلَاثَةٍ . فَلَمَّا نَوَى أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْمِثْلِ صَارَ الْمِثْلُ اثْنَيْنِ ، وَالِاثْنَانِ ثَلَاثَةً .
قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : أَرَاكُمْ مِثْلَكُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : أَرَاكُمْ ضِعْفَكُمْ وَأَرَاكُمْ مِثْلَيْكُمْ . يَعْنِي : أَرَاكُمْ ضِعْفَيْكُمْ . قَالُوا : فَهَذَا عَلَى مَعْنَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ أَرَى الْفِئَةَ الْكَافِرَةَ عَدَدَ الْفِئَةِ الْمُسْلِمَةِ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ . وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 44 ] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَلَّلَ عَدَدَهَا فِي مَرْأَى الْأُخْرَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَرَأَ آخَرُونَ ذَلِكَ : ( تُرَوْنَهُمْ ) بِضَمِّ التَّاءِ ، بِمَعْنَى : يُرِيكُمُوهُمُ اللَّهُ مِثْلَيْهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : يَرَوْنَهُمْ بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى : وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَيْهِمْ - يَعْنِي : مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ ، لِتَقْلِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي حَالٍ ، فَكَانَ حَزْرُهُمْ إِيَّاهُمْ كَذَلِكَ ، ثُمَّ قَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ عَنِ التَّقْلِيلِ الْأَوَّلِ ، فَحَزَرُوهُمْ مِثْلَ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ تَقْلِيلًا ثَالِثًا ، فَحَزَرُوهُمْ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا : - 6690 - حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا يَوْمَ بَدْرٍ ، حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي : تَرَاهُمْ سَبْعِينَ ؟ قَالَ : أَرَاهُمْ مِائَةً . قَالَ : فَأَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَقُلْنَا : كَمْ كُنْتُمْ ؟ قَالَ : أَلْفًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَوْ كَانَتْ : تَرَوْنَهُمْ لَكَانَتْ مِثْلَيْكُمْ .
6691 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ بِذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي الْخِبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، مَا أَبَانَ عَنِ اخْتِلَافِ حَزْرِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - - عَمَّا كَانَ مِنَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ عَدَدِهِمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ - الْيَهُودَ ، عَلَى مَا كَانَ بِهِ عِنْدَهُمْ ، مَعَ عِلْمِ الْيَهُودِ بِمَبْلَغِ عَدَدِ الْفِئَتَيْنِ إِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ مُؤَيِّدٌ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِ ، لِئَلَّا يَغْتَرُّوا بِعَدَدِهِمْ وَبَأْسِهِمْ ، وَلِيَحْذَرُوا مِنْهُ أَنْ يُحِلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّ بِأَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِبَدْرٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : رَأْيَ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ رَأَيْتُهُ يُقَالُ : رَأَيْتُهُ رَأْيًا وَرُؤْيَةً وَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا حَسَنَةً غَيْرَ مُجْرَاةٍ .
يُقَالُ : هُوَ مِنِّي رَأْيَ الْعَيْنِ ، وَرِئَاءَ الْعَيْنِ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ ، يُرَادُ : حَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرِي ، وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ مِثْلُهُ . وَ الْقَوْمُ رِئَاءٌ إِذَا جَلَسُوا حَيْثُ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا . فَمَعْنَى ذَلِكَ : يَرَوْنَهُمْ - حَيْثُ تَلْحَقُهُمْ أَبْصَارُهُمْ وَتَرَاهُمْ عُيُونُهُمْ - مِثْلَيْهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ( 13 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ يُقَوِّي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ . مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَدْ أَيَّدْتُ فُلَانًا بِكَذَا إِذَا قَوَّيْتُهُ وَأَعَنْتُهُ فَأَنَا أُؤَيِّدُهُ تَأْيِيدًا . وَ فَعَلْتُ مِنْهُ : إِدَّتُهُ فَأَنَا أَئِيدُهُ أَيْدًا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ [ سُورَةُ ص : 17 ] ، يَعْنِي : ذَا الْقُوَّةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ، إِحْدَاهُمَا تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ، يَرَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ أَعْيُنِهِمْ ، فَأَيَّدْنَا الْمُسْلِمَةَ وَهُمْ قَلِيلٌ عَدَدُهُمْ ، عَلَى الْكَافِرَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ - مُعْتَبَرٌ وَمُتَفَكَّرٌ ، وَاللَّهُ يُقَوِّي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ . وَقَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنَّ فِي ذَلِكَ يَعْنِي : إِنْ فِيمَا فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ : مِنْ تَأْيِيدِنَا الْفِئَةَ الْمُسَلِّمَةَ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهَا ، عَلَى الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهَا لَعِبْرَةً يَعْنِي : لَمُتَفَكَّرًا وَمُتَّعَظًا لِمَنْ عَقَلَ وَادَّكَرَ فَأَبْصَرَ الْحَقَّ ، كَمَا : - 6692 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ يَقُولُ : لَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ عِبْرَةٌ وَتَفَكُّرٌ ، أَيَّدَهُمُ اللَّهُ وَنَصَرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ . 6693 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .