الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى ذَلِكَ . قُلْ هَلْ أُنْبِئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا ، [ الَّذِينَ ] يَقُولُونَ : رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ الَّذِينَ يَقُولُونَ وَجْهَيْنِ مِنَ الْإِعْرَابِ : الْخَفْضُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الَّذِينَ الْأُولَى ، وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، إِذْ كَانَ فِي مُبْتَدَأِ آيَةٍ أُخْرَى غَيْرَ الَّتِي فِيهَا الَّذِينَ الْأُولَى ، فَيَكُونُ رَفْعُهَا نَظِيرَ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 111 ] ، ثُمَّ قَالَ فِي مُبْتَدَأِ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 112 ] .
وَلَوْ كَانَ جَاءَ ذَلِكَ مَخْفُوضًا كَانَ جَائِزًا . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا : الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّنَا صَدَّقْنَا بِكَ وَبِنَبِيِّكَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا يَقُولُ : فَاسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا ، بِعَفْوِكَ عَنْهَا ، وَتَرْكِكَ عُقُوبَتَنَا عَلَيْهَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ادْفَعْ عَنَّا عَذَابَكَ إِيَّانَا بِالنَّارِ أَنْ تُعَذِّبَنَا بِهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُعَذِّبْنَا يَا رَبَّنَا بِالنَّارِ .
وَإِنَّمَا خَصُّوا الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ ، لِأَنَّ مَنْ زُحْزِحَ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّارِ فَقَدْ فَازَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَحَسُنَ مَآبُهُ . وَأَصْلُ قَوْلِهِ : قِنَا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَقَى اللَّهُ فُلَانًا كَذَا يُرَادُ : دَفَعَ عَنْهُ فَهُوَ يَقِيهِ . فَإِذَا سَأَلَ بِذَلِكَ سَائِلٌ قَالَ : قِنِي كَذَا .