الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : الصَّابِرِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . وَيَعْنِي بِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ فِي قَوْلِهِمْ بِتَحْقِيقِهِمُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ ، بِالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ . وَيَعْنِي بِ الْقَانِتِينَ الْمُطِيعِينَ لَهُ .
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْإِبَانَةِ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَمَعَانِيهَا بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهَا ، وَبِالْأَخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ فِيهَا قَوْلًا فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا : - 6752 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ الصَّادِقِينَ : قَوْمٌ صَدَقَتْ أَفْوَاهُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ ، وَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالصَّابِرِينَ قَوْمٌ صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَصَبَرُوا عَنْ مَحَارِمِهِ وَالْقَانِتُونَ هُمُ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ . وَأَمَّا الْمُنْفِقُونَ فَهُمُ الْمُؤْتُونَ زِكْوَاتِ أَمْوَالِهِمْ ، وَوَاضِعُوهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِإِتْيَانِهَا ، وَالْمُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِإِنْفَاقِهَا فِيهَا .
وَأَمَّا الصَّابِرِينَ وَ الصَّادِقِينَ وَسَائِرِ هَذِهِ الْحُرُوفِ ، فَمَخْفُوضٌ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا وَالْخَفْضُ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : الَّذِينَ يَقُولُونَ خَفْضٌ ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ( 17 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتُهُمْ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمُ الْمُصَلُّونَ بِالْأَسْحَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6753 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ هُمْ أَهْلُ الصَّلَاةِ . 6754 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ قَالَ : يُصَلُّونَ بِالْأَسْحَارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمُ الْمُسْتَغْفِرُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6755 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ أَبِي مَطَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ : رَبِّ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ ، وَهَذَا سَحَرٌ ، فَاغْفِرْ لِي . فَنَظَرْتُ فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ . 6756 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً ثُمَّ يَقُولُ : يَا نَافِعُ ، أَسْحَرْنَا ؟ فَيَقُولُ : لَا .
فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ ، فَإِذَا قُلْتُ : نَعَمْ ! قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ . 6757 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ بِالْأَسْحَارِ سَبْعِينَ اسْتِغْفَارَةً . 6758 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الضَّبِّيُّ قَالَ : سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ اسْتَغْفِرْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ سَبْعِينَ مَرَّةً ، كُتُبَ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6759 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخُو الْقَعْنَبِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : مَنِ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ، قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصُّبْحَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُمُ السَّائِلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ فَضِيحَتَهُمْ بِهَا .
بِالْأَسْحَارِ وَهَى جَمْعُ سَحَرٍ . وَأَظْهَرُ مَعَانِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : تَعَرُّضُهُمْ لِمَغْفِرَتِهِ بِالْعَمَلِ وَالصَّلَاةِ ، غَيْرَ أَنَّ أَظْهَرَ مَعَانِيَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الدُّعَاءِ .