الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَإِنْ حَاجَّكَ : يَا مُحَمَّدُ ، النَّفَرُ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ فِي أَمْرِ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَخَاصَمُوكَ فِيهِ بِالْبَاطِلِ ، فَقُلِ : انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِلِسَانِي وَقَلْبِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي . وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِأَمْرِهِ بِأَنْ يَقُولَ : أَسَلَّمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ أَكْرَمُ جَوَارِحِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ بَهَاؤُهُ وَتَعْظِيمُهُ ، فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ لِشَيْءٍ ، فَقَدْ خَضَعَ لَهُ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي الْكَرَامَةِ عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِحِ بَدَنِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَنِ اتَّبَعَنِي فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَسْلَمَ مَنِ اتَّبَعَنِي أَيْضًا وَجْهَهُ لِلَّهِ مَعِي .
وَ مِنْ مَعْطُوفٍ بِهَا عَلَى التَّاءِ فِي أَسْلَمْتُ كَمَا : - 6773 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : فَإِنْ حَاجُّوكَ أَيْ : بِمَا يَأْتُونَكَ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ : خَلَقْنَا ، وَفَعَلْنَا ، وَجَعَلْنَا ، وَأَمَرْنَا فَإِنَّمَا هِيَ شُبَهٌ بَاطِلَةٌ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ ، لِلَّذِينِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَأَسْلَمْتُمْ يَقُولُ : قُلْ لَهُمْ : هَلْ أَفْرَدْتُمُ التَّوْحِيدَ وَأَخْلَصْتُمُ الْعِبَادَةَ وَالْأُلُوهَةَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، دُونَ سَائِرِ الْأَنْدَادِ وَالْأَشْرَاكِ الَّتِي تُشْرِكُونَهَا مَعَهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُمْ وَإِقْرَارِكُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرَهُ وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ فَإِنْ أَسْلَمُوا يَقُولُ : فَإِنِ انْقَادُوا لِإِفْرَادِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهَةِ لَهُ فَقَدِ اهْتَدَوْا يَعْنِي : فَقَدْ أَصَابُوا سَبِيلَ الْحَقِّ ، وَسَلَكُوا مَحَجَّةَ الرُّشْدِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا عَقِيبَ الِاسْتِفْهَامِ ؟ وَهَلْ يَجُوزُ عَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ : هَلْ تَقُومُ ؟ فَإِنْ تَقُمْ أُكْرِمْكَ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، إِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُرَادًا بِهِ الْأَمْرُ ، وَإِنْ خَرَجَ مُخْرِجَ الِاسْتِفْهَامِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 91 ] ، يَعْنِي : انْتَهُوا ، وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مُخْبِرًا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعِيسَى : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 112 ] ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةٌ ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : هَلْ أَنْتَ كَافٌّ عَنَّا ؟ بِمَعْنَى : اكْفُفْ عَنَّا ، وَكَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَيْنَ ، أَيْنَ ؟ بِمَعْنَى : أَقِمْ فَلَا تَبْرَحْ ، وَلِذَلِكَ جُوزِيَ فِي الِاسْتِفْهَامِ كَمَا جُوزِيَ فِي الْأَمْرِ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ آمِنُوا ) [ سُورَةُ الصَّفِّ : 10 ، 11 ] ، فَفَسَّرَهَا بِالْأَمْرِ ، وَهِيَ فِي قِرَاءَتِنَا عَلَى الْخَبَرِ .
فَالْمُجَازَاةُ فِي قِرَاءَتِنَا عَلَى قَوْلِهِ : هَلْ أَدُلُّكُمْ وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِهِ : آمَنُوا عَلَى الْأَمْرِ ، لِأَنَّهُ هُوَ التَّفْسِيرُ . وَبِنَحْوِ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : 6774 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا الْآيَةَ . 6775 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ قَالَ : الْأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لَا يَكْتُبُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 20 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَإِنْ تَوَلَّوْا وَإِنْ أَدْبَرُوا مُعْرِضِينَ عَمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَإِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ إِلَى مَنْ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِي ، وَأَدَاءِ مَا كَلَّفْتُكَ مِنْ طَاعَتِي وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ يَقْبَلُ مِنْ عِبَادِهِ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِ فَيُطِيعُكَ بِالْإِسْلَامِ ، وَبِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْهُمْ عَنْهُ مُعْرِضًا فَيَرُدُّ عَلَيْكَ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِ ، فَيَعْصِيكَ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ .