الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَقُولُ : الَّذِينَ أُعْطَوْا حَظًّا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ التَّوْرَاةُ ، دَعَاهُمْ إِلَى الرِّضَى بِمَا فِيهَا ، إِذْ كَانَتِ الْفِرَقُ الْمُنْتَحِلَةُ الْكُتُبَ تُقِرُّ بِهَا وَبِمَا فِيهَا : أَنَّهَا كَانَتْ أَحْكَامَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُنْسَخَ مِنْهَا مَا نُسِخَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6781 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ الْمِدْرَاسِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ : عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ . فَقَالَا فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا ! فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ! فَأَبَيَا عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . 6782 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدِ مَوْلَى آلِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلُمَّا إِلَى التَّوْرَاةِ وَقَالَ أَيْضًا : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ وَسَائِرَ الْحَدِيثِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ .
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَهْدِهِ ، مِمَّنْ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا بِالتَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي كَانُوا يُقِرُّونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - وَهُوَ التَّوْرَاةُ - فِي بَعْضِ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ هُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُنَازِعُهُمُ الَّذِي كَانُوا تَنَازَعُوا فِيهِ ، ثُمَّ دُعُوا إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ فِيهِ فَامْتَنَعُوا مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَيْهِ ، كَانَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرَ نُبُوَّتِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ أَمْرَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَدِينِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي حَدٍّ .
فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَانُوا نَازَعُوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ ، فَأَبَى الْإِجَابَةَ فِيهِ وَكَتَمَهُ بَعْضُهُمْ . وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ هَذَا دُونَ هَذَا . وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دُعُوا إِلَى حُكْمِهِ ، هُوَ مِمَّا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةَ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْهُمْ بِرِدَّتِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ ، وَجُحُودِهِمْ مَا قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ .
فَلَنْ يَعْدُوَا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مَثَلَهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقِرُّونَ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ثُمَّ يَسْتَدْبِرُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي دَعَا إِلَى حُكْمِهِ ، مُعْرِضًا عَنْهُ مُنْصَرِفًا ، وَهُوَ بِحَقِيقَتِهِ وَحُجَّتِهِ عَالِمٌ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ التَّوْرَاةُ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْقُرْآنِ مُكَذِّبِينَ ، وَبِالتَّوْرَاةِ بِزَعْمِهِمْ مُصَدِّقِينَ ، فَكَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُمْ بِهِ فِي زَعْمِهِمْ مُقِرُّونَ ، أَبْلُغَ ، وَلِلْعُذْرِ أَقْطَعَ .